تكشف دراسة جديدة أن مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي يشكلون مخاطر نفسية وصحية وأمنية، ويتطلبون تنظيمًا أكثر صرامة. فقد أحدث مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في التسويق، وشكلوا سلوك المستهلك واستراتيجيات العلامات التجارية وحتى المعايير المجتمعية. ومع ذلك، يكشف بحث جديد جانبًا أقل شهرة لثقافة المؤثرين، جانبًا يثير مخاوف أخلاقية ونفسية وتنظيمية.
في دراسة حديثة أجرتها جامعة بورتسموث (University of Portsmouth) فحصت بشكل منهجي الآثار السلبية لمؤثري وسائل التواصل الاجتماعي، وسلطت الضوء على قضايا مثل المعلومات المضللة، والترويج لمنتجات خطرة، ومعايير الجمال غير الواقعية، وتعزيز ثقافة المقارنة، والاستهلاك الخادع، ومخاطر الخصوصية.
تشير التوقعات إلى أن تسويق المؤثرين يقدر بـ 480 مليار دولار بحلول عام 2027، حيث تعتمد الشركات بشكل متزايد على مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للمنتجات وتعزيز ثقة المستهلك. وقد وجد استطلاع أجراه معهد التسويق الرقمي (2024) أن 60 بالمائة من المستهلكين يثقون بتوصيات المؤثرين، وأن ما يقرب من نصف قرارات الشراء تتأثر بهذه التوصيات. ومع نمو ثقافة المؤثرين، تنمو المخاوف بشأن عواقبها غير المقصودة.
وتحذر الورقة البحثية، المنشورة في مجلة علم النفس والتسويق، من أن قوة مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي تخلق مشهدًا استهلاكيًا مقلقًا. على عكس المشاهير التقليديين، الذين ترتكز شهرتهم عادةً على مؤسسات مثل التمثيل أو الموسيقى أو الرياضة، ويكتسب مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي الاعتراف من خلال منصات التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما يعتمدون على العلامات التجارية الشخصية والتفاعل المستمر مع جمهورهم.
قول يوكسيل إكينجي، أستاذ التسويق والمبيعات في جامعة بورتسموث: ""العديد من مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي يعملون كقادة رأي أو خبراء في مجالاتهم، وغالبًا ما يراجعون المنتجات ويستغلون سلطتهم أو خبرتهم أو علاقاتهم مع المتابعين للتأثير على قرارات الشراء. البعض يلهم ويسلي؛ والبعض الآخر يخدع ويزعج. الخداع والضرر وتأثيرهما على الاستهلاك يحتاجان إلى تنظيم دقيق.""
وتصنف هذه الدراسة الجوانب السلبية لتسويق المؤثرين في ستة مجالات رئيسية:
- الترويج لمنتجات ضارة - غالبًا ما يروج مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي لمنتجات غير صحية أو خطرة مثل حبوب الحمية وشاي تنقية السموم (detox tea) والكحول دون إفصاح كامل، مما يؤثر على عادات الاستهلاك، خاصة بين الجماهير الأصغر سناً.
- نشر المعلومات المضللة - ينشر العديد من المؤثرين، على الرغم من افتقارهم إلى الخبرة، معلومات خاطئة حول الصحة والسياسة والقضايا الاجتماعية، مما يؤدي إلى انتشار المعلومات الخاطئة على نطاق واسع.
- تعزيز معايير الجمال غير الواقعية - من خلال تقديم صور مفلترة ومنسقة، يساهم المؤثرون في عدم الرضا عن الجسم وانخفاض تقدير الذات وممارسات الجمال الضارة.
- تعزيز ثقافة المقارنة - المحتوى الذي يقوده المؤثرون يغذي حسد نمط الحياة والقلق الاجتماعي، مما يؤدي إلى مقارنة ذاتية سلبية وتضاؤل الرفاهية.
- ممارسات الاستهلاك الخادعة - ينخرط بعض المؤثرين في سلوكيات غير أخلاقية مثل الرعاية غير المعلنة والترويج للسلع المقلدة والإعلانات المضللة، مما يقوض ثقة المستهلك.
- مخاوف الخصوصية - يثير جمع البيانات ومشاركتها على نطاق واسع من قبل المؤثرين قضايا أمنية وتنظيمية كبيرة، مما يشكل مخاطر لكل من المؤثرين والمتابعين.
وتدعو الدراسة إلى رقابة أكثر صرامة، وزيادة الشفافية، واستراتيجيات تسويق أخلاقية للتخفيف من هذه المخاطر. حيث يقترح الباحثون الاستراتيجيات التالية لصانعي السياسات والمسوقين:
- الشفافية والامتثال الأخلاقي: يجب على العلامات التجارية فرض سياسات إفصاح واضحة لضمان شراكات مسؤولة مع المؤثرين.
- لتنظيم وحماية المستهلك: يجب على الحكومات تعزيز السياسات المتعلقة بتسويق المؤثرين لمنع الممارسات الخادعة والمعلومات المضللة.
- التوعية بالصحة النفسية والعقلية: يجب على الشركات والمؤثرين إعطاء الأولوية للمحتوى الأصيل الذي يعزز الرفاهية بدلاً من المثل العليا التي لا يمكن تحقيقها.
- حماية خصوصية البيانات: هناك حاجة إلى ضمانات أقوى وحملات توعية لحماية المستخدمين من انتهاكات الخصوصية واستغلال البيانات.
تقول الدكتورة جورجيا باكل، باحثة زميلة في كلية المحاسبة والاقتصاد والمالية بجامعة بورتسموث: ""يتمتع مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي بقوة هائلة على قرارات المستهلك والمعايير الثقافية. بينما يقدمون الترفيه والإلهام والمشاركة في العلامة التجارية، فإن التأثير غير المنضبط لبعض مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يؤدي إلى عواقب أخلاقية ونفسية خطيرة. تسلط دراستنا الضوء على الحاجة الملحة لأصحاب المصلحة الأكاديميين والصناعيين لمعالجة هذه التحديات بشكل استباقي.""
وتوفر هذه الدراسة إطارًا تحليليًا مهمًا لفهم ثقافة المؤثرين بعمق، متجاوزًا التركيز على المكاسب التجارية فقط، ويشدد على ضرورة تطبيق ممارسات تسويقية مسؤولة أخلاقيًا، والسعي نحو بيئة رقمية أكثر سلامة.
