الحنين هو شوق إلى الماضي، لكن علماء النفس بدؤوا يدركون أنه يمكن أن يركز أيضًا على المستقبل.
معظمنا على دراية بالحنين؛ إنه ذكرى شوق لحدث مثل زفاف أو تخرج أو احتفال عائلي، إنه شعور إيجابي في الغالب، على الرغم من أنه مختلط بشيء من الشوق لما مضى، كما كتب المؤلف مايكل شابون في مجلة نيويوركر في “المعنى الحقيقي للحنين” (2017م)، إنه لحظة عندما “تكون قد أجريت مكالمة هاتفية مباشرة إلى الماضي وسمعت صوتًا يجيب”.
هذا هو المفهوم المعتاد للعاطفة، لكن علماء النفس أدركوا مؤخرًا أن هناك أكثر من نوع واحد من الحنين، بما في ذلك بعض الأنواع التي تركز أقل على الماضي، وأكثر على المستقبل، وتسمى “الحنين المتوقع” و”الحنين الاستباقي” (هناك بعض الدلائل على أن مشاعر أخرى يمكن أن تُختبر بطريقة استباقية أيضًا، مثل المتعة والقلق والفخر والغضب الذاتي والراحة، لكن ذلك لم يُنظر فيه من قبل علماء النفس إلا في السنوات الأخيرة).
الحنين المتوقع هو أن تكون لديك بصيرة بأنك ستشعر يومًا ما بالحنين إلى تجربة معينة. تقول وينغ يي فيربون تشيونغ، من جامعة وينشستر: “من المتوقع أن تُختبر المشاعر المتوقعة في المستقبل”، كما غنت المغنية الريفية تريس أدفكينز: “ستفتقد هذا، ستريد أن يعود، ستتمنى لو أن هذه الأيام لم تمر بهذه السرعة”.
في الوقت نفسه، الحنين الاستباقي هو الشعور بالافتقاد لما لم يُفقد بعد، والذي لا يزال يحدث وفقًا لكريستين باتشو في كلية لو موين في سيراكيوز، نيويورك. وعلى الرغم من أن الأسماء متشابهة، فإن التمييز بين الحنين المتوقع والحنين الاستباقي هو عندما تُختبر العاطفة؛ إذ يحدث الشوق في الحنين الاستباقي في اللحظة الحالية، بينما الألم العاطفي للحنين المتوقع لم يحن بعد.
بهذه الطريقة، فإن مشاعر الشوق في الحنين الاستباقي تكون مبكرة. تقول باتشو: “الحنين الاستباقي هو افتقاد شيء لا زلت تملكه”، إنه كعكة حنين معقدة تحتوي على العديد من الطبقات الزمنية؛ تحتوي على تجربة الشوق التي يمر بها الشخص في الحاضر، ومستقبل متخيل يصبح فيه الحاضر ماضيًا، ويتضمن تأملات في مشاعر الشخص في الحاضر وفي ذلك المستقبل المتخيل.
إذا قضيت يومًا مع شخص تحبه يعيش بعيدًا عنك وشعرت بشيء من الحزن مسبقًا لأنه سيغادر قريبًا، فقد اختبرت الحنين الاستباقي، وإذا كنت في ذلك الموقف، ووجدت نفسك تتخيل كيف ستشعر يومًا ما بالحنين لزيارته، فسيكون ذلك حنينًا متوقعًا.
عند العودة لحظة إلى الحنين التقليدي أو “الشخصي”، فإنه يحتوي على كل من السعادة والحزن، لكن تشيونغ تشير إلى أن الأبحاث تظهر أن آثارها النفسية إيجابية في الغالب، وتوافق باتشو على أن الحنين الشخصي مرتبط بفوائد الصحة العقلية: الشعور بارتباط أكبر مع الآخرين، والتفاؤل، والشعور بمعنى وهدف أعمق. الأشخاص الذين يميلون بشكل خاص إلى الحنين الشخصي يميلون أيضًا إلى أن يكونوا أكثر انخراطًا في الأحداث الحالية من المتوسط، وفقًا للدراسات، (ومع ذلك، هناك شكل آخر من أشكال الحنين الموجه نحو الماضي يسمى الحنين التاريخي أو “أنيمويا”، وهو افتقاد فترة زمنية في الماضي لم تعشها بالفعل، ويرتبط بعدم الرضا عن الحاضر، والشك، أو التشاؤم).
ماذا عن الأشكال الجديدة المعترف بها من الحنين الموجه نحو المستقبل؟ يبدو أن الحنين المتوقع أيضًا له آثار جانبية إيجابية في الغالب، مثل زيادة الاستمتاع باللحظة، لكن الأمر لا يبدو صحيحًا بالقدر نفسه بالنسبة إلى الحنين الاستباقي.
ساعدت باتشو في تطوير “استطلاع الحنين الاستباقي” لتقييم ميل الأشخاص نحو الحنين الاستباقي، ووجدت هي وزملاؤها أن الأشخاص الذين يميلون أكثر للتفكير في المستقبل يميلون أيضًا لتجربة هذا النوع الاستباقي من الحنين بشكل أكثر تكرارًا، وكذلك الأشخاص الذين لديهم ميل نحو الحنين الاستباقي يجدون صعوبة في الاستمتاع باللحظة الحالية، ويبتعدون عن تجربتها؛ ليشعروا بألم أقل عندما تنتهي، ويمكن أن يكون لديهم أيضًا ميل نحو الحزن والقلق.
تقول باتشو: “يمكن أن يجعل الحنين المبكر الوالد يشعر بالحزن وهو يشاهد طفله يلعب، لأننا نعلم أن تلك الأيام الأولى من البراءة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد إذ سيكبر الطفل”.
ومع ذلك، فإن الحنين الاستباقي ليس كله سيئًا؛ فأحيانًا قد يشعر الناس به في الأيام الصعبة بحيث تكون تلك اللحظات أسهل للعيش. وفي دراسة حديثة أخرى عن الحنين الاستباقي، ذكرت باتشو وفريقها منشور مدونة وجدوه من عام 2020م، بعنوان: “حنين الإغلاق بسبب COVID-19: كانت فترة مخيفة، لكنني سأفتقد وجود عائلتنا المفروض معًا”.
في تلك الدراسة، ركز فريق باتشو على الحنين الاستباقي في التسويق والإعلان، فعلى سبيل المثال، الطريقة التي تذكرنا بها إعلانات شركة كوداك أن لحظات الحياة الصغيرة لا تبقى إلى الأبد وأن منتجاتهم تعد بحمايتنا من البكاء على لحظات خاصة ضائعة. ومن خلال تجاربهم، وجد الباحثون أيضًا أن الحنين الاستباقي يمكن أن يقلل من الاستمتاع والمزاج الإيجابي في المواقف السارة، لكنه يمكن أن يزيد من الاستمتاع في المواقف غير السارة من خلال جعل اللحظة الحالية تبدو أكثر قيمة.
تقول باتشو: “خلال أوقات الشدة، يمكن أن يخفف الحنين الاستباقي من المشاعر السلبية ويثير مشاعر أكثر إيجابية”، “على الرغم من ضغوط الصعوبات، يذكر الحنين الاستباقي الشخص بكيفية افتقاده لقيمة الجوانب الجيدة”. إن تقسيم الحنين بهذه الطريقة مهم لأن جوانب الحنين المختلفة تؤثر علينا بطرق متنوعة، تقول باتشو: “فهم الاختلافات بين أنواع الحنين يمكن أن يساعد الناس في تحقيق أقصى استفادة من الحنين وتجنب الفخاخ المحتملة أو الجوانب السلبية”، فعندما كانت تقضي وقتًا مع أحد أفراد عائلتها المريض، وجدت نفسها تفتقد اللحظات التي كانت تجمعهما، لكن بطريقة كانت تقدرها.
تقول: “أرحب الآن بالحنين الاستباقي لأنه يذكرني بتقدير اللحظات -سواء أكانت جيدة أم سيئة- التي تشكل الأمر الأكثر أهمية في الحياة”.
بعد أن تعلمت عن الحنين المتوقع، تقول تشيونغ إنها كانت مدفوعة لإنشاء “صندوق ذاكرة” أغنى مع عائلتها، تقول: “كنت أتطلع إلى الحصول على المزيد من التجارب الإيجابية والمعنى معهم؛ لأتذكرها في المستقبل”.
لقد كان الحنين -بأشكاله المتعددة- رفيقنا لفترة طويلة، كما أشار بحث عام 1977م عن الحنين:
تجربة الحنين… كانت موضوعًا رئيسًا في الأساطير والشعر، والكتاب المقدس، وملحمة هومر -أدب العصور جميعها- تعطي صوتًا بليغًا لهذه الظاهرة البشرية، ففي الواقع، لا يكاد يوجد شخص لم يختبرها.
ولكن إذا لاحظت أن نسخة من الحنين خلال الأوقات السعيدة تسرق منك الاستمتاع باللحظة الحالية، أو أن اللحظة الحالية دائمًا ما تكون ملونة بالحزن لأنها ستزول يومًا ما، فالنتائج الجديدة تشير إلى أنه قد يكون من المفيد تخفيف قبضتك على ما هو قادم.
تقول تشيونغ: “أريد أيضًا أن أعيش تجارب عاطفية بطريقة طبيعية، وليس أن أسعى وراءها بحد ذاتها”، “أتخيل أن [الحنين] مشابه لبارادوكس السعادة؛ فكلما سعيت للحصول عليها بشكل مباشر، قل احتمال شعورك بالسعادة”.
