القائمة الرئيسية

ما تعلمته من تشجيع نادي ليفربول 

ما تعلمته من تشجيع نادي ليفربول 
ملخص المقال

يستعرض المقال تجربة شخصية حول مشجعي نادي ليفربول لكرة القدم، حيث يروي الكاتب كيف شكّلت كرة القدم رابطًا عميقًا بينه وبين ابنه، رغم خيبات الأمل والهزائم القاسية. يسرد تفاصيل مشاهدتهما لنهائي دوري أبطال أوروبا 2018 ضد ريال مدريد، وكيف أن الخسارة، رغم مرارتها، عززت شعور الانتماء والتضامن بين المشجعين. يسلط المقال الضوء على دور كرة القدم في بناء هوية جماعية تتجاوز حدود الزمن والمكان، إذ تمنح المشجعين مجتمعًا حيًّا، وتعلمهم قيم الولاء والتعاطف وقبول الفشل. كما يعكس المقال البعد العاطفي والثقافي للفاندوم الكروي، معتبرًا أن التشجيع ليس مجرد ولاء لفريق، بل مشاركة في تاريخ مشترك وتجربة إنسانية غنية.

بقلم: سايمون كريتشلي

لقد علمني الإخلاص لهذا الفريق أن أرى قيمة في الهزيمة الساحقة.

لقد اتُّخِذَ القرار على الفور، كان ابني إدوارد في روما لحضور مباراة الذهاب من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم في الثاني من مايو، وكنت أنا في منزلي في بروكلين، أتظاهر بالتحضير لفصل دراسي، بينما كنت في الواقع أشاهد المباراة، إننا مشجعان مخلصان لنادي ليفربول لكرة القدم، وكنا نتبادل الرسائل النصية طوال المباراة، وعلى الرغم من خسارة ليفربول في المباراة أمام روما، إلا أننا فزنا بفارق الأهداف في المباراتَيْن، مما سمح لنا بالتأهل إلى نهائي دوري أبطال أوروبا في 26 مايو لمواجهة نادي ريال مدريد العريق.

وفي نهائي الأبطال الأول لليفربول منذ 11 عامًا، كانت لدينا فرصة للفوز بأهم مسابقة كرة قدم في العالم، نعم، في العالم، وعلى الرغم من أن بطولة كأس العالم ستبدأ في يونيو، فإن الأندية الأوروبية الكبرى التي تتنافس في دوري أبطال أوروبا، كما يعلم كل مشجع كرة قدم حقيقي، أقوى بكثير من أي منتخب وطني، والفوز بدوري أبطال أوروبا إنجاز أكبر.

كنا أنا وإدوارد نود مشاهدة المباراة النهائية معًا، فعايَنَّا الخيارات، كانت المباراة في كييف، لم نتمكن من الحصول على التذاكر، حاولنا الحصول على تذاكر لمشاهدة المباراة النهائية على شاشة في ملعب أنفيلد بليفربول، لكن التذاكر بيعت بالكامل، وفكرنا في حانات لندن، ولكنها كانت مليئة بالناس، وكنا بحاجة إلى التركيز على المباراة، لذلك قررنا المشاهدة في منزل ابني في بريكستون جنوب لندن.

وسافرت إلى المدينة والتقيت بإدوارد في حانة في سينما ريتزي في بريكستون حيث شربنا أول مشروب، كان الوقت المتبقي لبدء المباراة 3 ساعات، كان الجو في لندن صيفيًّا ورطبًا مع وجود رياح شديدة وتهديد بالعواصف، تناولنا الطعام التايلاندي في سوق بريكستون وسط دخان السجائر الإلكترونية وهمهمة المتسوقين اللطيفة، ثم اشترينا بعض المشروبات من سوبر ماركت سينسبري وتوجهنا إلى منزل إدوارد للمشاهدة.

متابعة مباراة ليفربول في شارع 11th Street Bar في نيويورك في تاريخ 12 أغسطس 2018م. إيمي لومبارد لصحيفة نيويورك تايمز.

لقد سيطرنا على المباراة في أول 25 دقيقة، ثم طرح سيرجيو راموس، قائد ريال مدريد المبتسم دائمًا، نجمنا المهاجم محمد صلاح أرضًا وهو يشد ذراعه، مما أدى إلى سقوطه بجسده على ذراعه، عرف راموس ما كان يفعله: استبعاد أفضل لاعب في ليفربول من المباراة، غادر صلاح الملعب وهو يبكي بكتفه المكسور، لقد كانت خطوة استفزازية للغاية، وكانت تجب المعاقبة عليها بالبطاقة الحمراء أو ربما السجن مدى الحياة، ولكن لم يُحتَسَب أي خطأ، بعد خروج صلاح فقدنا حماسنا ولم نستعده قط.

وفي النهاية، خسرنا بشكل كارثي، بل وشبه هزلي، بسبب خطأَيْن لا يمكن تفسيرهما من حارس مرمى فريقنا لوريس كاريوس الذي عادة ما يتصدى جيدًا، وهدف مذهل (من ركلة مقصية) من غاريث بيل لاعب ريال مدريد، لكن تشجيع جماهيرنا الذين كانوا يرتدون اللون الأحمر كان رائعًا؛ إذ فاق عددهم عدد مشجعي ريال مدريد بشكل كبير وغنوا أغانينا حتى النهاية المريرة: “محمد صلاح، محمد صلاح في الجانب يجري… الملك المصري”.

من الصعب وصف الشعور بعد خسارة مباراة كهذه؛ إذ شعرنا بالذهول والفراغ وعدم الرغبة في التحدث كثيرًا، جلست أنا وإدوارد بهدوء وشربنا المزيد، اقترحت بشكل فاتر أن نذهب إلى الحانة، لكنه رفض قائلًا إنه لا يشعر برغبة في ذلك، وبصراحة، حتى أنا لم أشعر برغبة في ذلك، وفي تلك اللحظة، اندلعت عاصفة ضخمة فوق جنوب لندن، مما أدى إلى هطول أنهار من المطر على الشوارع.

ما الذي يعلمنا إياه تشجيع كرة القدم عن الإنسانية؟ إنه يوفر لنا مجتمعًا حيًّا ومتنفسًا من المشجعين، كما يوفر لنا إحساسًا بالهوية والانتماء، حتى لو كان هذا الانتماء افتراضيًّا ويُتَدَاول عبر الشبكات الاجتماعية. بالنسبة لمشجعي ليفربول، توفر ثقافة الفاندوم أيضًا مجموعة من القيم؛ كالتعاطف، والعالمية، وحسن الخلق، والشرف، واحترام الذات، واحترام الآخرين، حتى مشجعي مانشستر يونايتد (حسنًا، في بعض الأحيان).

إن ثقافة فاندوم كرة القدم تجمعنا بالحب، فهي تلامس شخصياتنا وتتيح لنا الوصول إلى تاريخ غني ومشترك، جدتي لديها شعار نادي ليفربول لكرة القدم على شاهد قبرها، كما كانت كرة القدم هي الشيء الوحيد الذي يمكنني التحدث عنه بشكل معقول مع والدي حتى وفاته، وثمانون بالمئة من رسائلي النصية ومحادثاتي مع ابني تدور حول الفريق الذي نحبه، لقد مضى عقد من الزمن على هذا كله وهو لا يزال قائمًا.

يتمتع ملايين المشجعين في أنحاء العالم جميعها بتجارب مماثلة، وترتبط هذه التجارب معًا لتُشَكِّل عالم ثقافة الفاندوم، فالمشجعون عبارة عن أرشيف حي؛ إذ يأتي اللاعبون ويذهبون، لكن المشجعين يبقون، مما يخلق ذاكرة وجودية لليفربول، فاللعبة لا شيء دونهم وتكون أكثر من مجرد لعبة بتواجدهم.

متابعة مباراة ليفربول في شارع 11th Street Bar في نيو يورك في تاريخ 12 أغسطس 2018م. إيمي لومبارد لصحيفة نيويورك تايمز.

ومع ذلك، فكونك مشجِّعًا يعني في الأساس تعلم قبول الفشل وخيبة الأمل المحيرة، الخسارة أمام ريال مدريد بهذه الطريقة كانت مفجعة، ومع ذلك فإن ذلك وَطَّدَ العلاقة بين مشجعينا أكثر من أي وقت مضى، فأغنية نادي ليفربول هي عرض مؤثر لأغنية رودجرز وهامرشتاين “لن تمشي وحدك أبدًا”، بعد الخسارة، ما زلنا معًا، لقد شاهدت أنا وابني خسارة ليفربول عدة مرات، أمام إشبيلية في نهائي الدوري الأوروبي عام 2016م، وأمام ميلان في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2007م، وسوف نخسر مرة أخرى، ولكن المهم هو أن نكون معًا، فكرة القدم تعلمك قيمة التضامن.

إن ولائي الوحيد هو لنادي ليفربول لكرة القدم؛ إذ أُمَجِّدُ أساطير الفريق وأبطاله وأسلافه، وأروي خرافاته، وأشارك في طقوس اجتماعية معقدة للغاية تتمثل في مشاهدة الفريق مرة واحدة على الأقل في الأسبوع على شاشة التلفزيون، ولكن إذا عددنا كرة القدم التزامًا، فهي التزام متعدد؛ إذ تشجعنا كرة القدم على الإيمان بقوة بفريقنا المفضل –أساطيره ورموزه وعظمائه– والاعتراف بالولاء القوي للمشجعين الآخرين. يتغير مفهوم الولاء ويصبح خاطئًا عندما يندمج الاعتقاد في حصرية الأسطورة المحلية مع عقيدة كونية مفادها أن البطل لدى شخص ما هو البطل الوحيد الحقيقي، برأيي المتواضع، فإن الاعتراف بتعدد الأساطير أفضل من الاعتراف بأسطورة واحدة إلى حد كبير. 

وبالحديث عن الأساطير المحلية، قبل أن أودع ابني في لندن، ذهبنا لرؤية اللوحة الجدارية لديفيد باوي خارج محطة مترو أنفاق بريكستون، أمضى باوي السنوات الست الأولى من حياته بالقرب من تلك البقعة، تحدثنا والتقطنا صورًا لبعضنا البعض، وتفحصت النقوش المتعددة على اللوحة الجدارية، بطريقة ما، في تلك اللحظة، ولأسباب يصعب استيعابها، أصبحت الحياة منطقية.

يرتبط تشجيع فريق كرة القدم بالإنسانية.

المصدر

مقالات ذات صلة