حجم النقص العالمي في المواهب
النقص العالمي في المواهب الذي نواجهه هائل – حيث يقدر أحد التقارير أنه سيصل إلى 85 مليون وظيفة شاغرة بحلول عام 2030. وهذا يعادل حوالي 8.5 تريليون دولار من الإيرادات السنوية غير المحققة.
تتسبب شيخوخة السكان والتحولات الديموغرافية في تقليص عدد العمال المهرة، في الوقت الذي تتفوق فيه التطورات التكنولوجية السريعة على مهارات القوى العاملة. تواجه مجالات مثل الذكاء الاصطناعي (AI) وعلوم البيانات والأمن السيبراني طلبًا متزايدًا، لكنها تعاني من صعوبة العثور على مرشحين مؤهلين لهذه الأدوار.
استراتيجيات لدفع النمو المستدام
رغم أنها ليست بمنأى عن هذه التحديات، فإن اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) تحول هذه العقبة إلى فرصة عبر تبني استراتيجية ثلاثية لدفع النمو المستدام في الشرق الأوسط.
1. حاضنات الابتكار
المنافسة على المواهب المتميزة شرسة، مما يتطلب تهيئة الظروف المناسبة لجذبها ورعايتها. لذلك، تعمل دول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز ريادة الأعمال والابتكار من خلال إنشاء بيئات تجريبية، ومراكز، وحاضنات، ومسرعات أعمال تشجع الشركات الناشئة، وتجذب المهنيين المهرة، وتبني أنظمة بيئية تدعم المواهب.
يساهم دعم رواد الأعمال المحليين وتوجيه الموارد نحو نمو الأعمال في تعزيز الاحتفاظ بالمواهب وتطوير الاقتصاد الإقليمي.
تشهد أربعة مراكز للتكنولوجيا المالية (Fintech) عبر دول مجلس التعاون الخليجي هذا التطور، حيث نمت من حاضنة واحدة في عام 2018 إلى شبكات متكاملة اليوم. وتشمل هذه المراكز سوق أبوظبي العالمي، و""فينتك السعودية""، و""فينتك هايف"" في مركز دبي المالي العالمي، إلى جانب ""بحرين فينتك باي"".
تكمل مبادرة ""ديجيتال دبي"" هذه الجهود من خلال برامج مصممة للابتكار وتوسيع نطاق التقنيات الناشئة، بالإضافة إلى توفير بيئة اختبار للشركات الناشئة ورواد الأعمال.
تهيئ هذه المنصات بيئة مواتية للابتكار في جميع أنحاء المنطقة وتعزز التفاؤل بين قادة الأعمال: فقد كشف استطلاع حديث للرؤساء التنفيذيين في القطاع المالي في الشرق الأوسط أن 53٪ منهم يخططون لزيادة عدد موظفيهم في عام 2024، متجاوزين نسبة 42٪ التي أبلغ عنها نظراؤهم العالميون.
2. تطوير مهارات المواهب المحلية
تتماشى رغبة موظفي الشرق الأوسط في تبني المستقبل مع طموحات قادتهم، إذ أظهرت أبحاث حديثة أن 61٪ منهم يدركون الحاجة إلى تعلم أدوات وتقنيات جديدة للتفوق في وظائفهم. استجابةً لذلك، تستثمر دول مجلس التعاون الخليجي في تطوير مهارات مواطنيها، مما يمكنهم من قيادة الثورة التكنولوجية من خلال برامج تنمية المهارات، والتدريب المهني، والسياسات التي تشجع الشركات الخاصة على توظيف المواهب المحلية.
يعزز هذا التركيز على بناء القوى العاملة المستقبلية من الميزة الديموغرافية للمنطقة، حيث إن ما يقرب من نصف سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحت سن 24 عامًا، ما يوفر فرصة لبناء قوة عاملة مستدامة ومستعدة للمستقبل.
في البحرين، يدعم ""تمكين"" – صندوق العمل الوطني – مشاريع تساعد القوى العاملة المحلية على تطوير مهاراتها أو إعادة تأهيلها أو تكييفها. والهدف الأوسع هو إعدادهم للنمو الوظيفي بما يتماشى مع متطلبات السوق المتغيرة باستمرار.
في عام 2023، دعم ""تمكين"" 23,000 بحريني مسجلين في برامج التطوير الفردي، حيث تم تخصيص 92٪ من دعم التوظيف للوافدين الجدد إلى السوق، والذين يشكلون أكثر من 12,000 بحريني. وكجزء من هذه المبادرات، تم تدريب حوالي 10,700 بحريني، كما تلقت أكثر من 5,100 مؤسسة دعمًا من ""تمكين"" في 2023 لتحقيق أهدافها التجارية، بدءًا من إطلاق الشركات الناشئة وصولًا إلى التوسع المحلي والعالمي.
عزز الاستثمار الطموح للبحرين في التدريب وبناء المهارات مكانتها العالمية كمركز تنافسي للاحتفاظ بالمواهب وتطويرها. تقود ""تمكين"" عددًا متزايدًا من المبادرات البارزة بالشراكة مع شركات عالمية، مثل: مركز التميز في البرمجة منخفضة الأكواد التابع لـ KPMG، ومركز تقديم الخدمات التابع لـ PwC، ومركز التكنولوجيا العالمية التابع لـ Citi، ومراكز الابتكار السحابي لشركة Amazon Web Services، وبرامج التعلم والتطوير التابعة لـ General Assembly.
أما في السعودية، فتتعاون المملكة مع IBM لتدريب 100,000 شاب سعودي على المهارات الرقمية الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والأمن السيبراني. ومع كون ما يقرب من ثلثي السكان تحت سن 30، تستعد المملكة لتجهيز الشباب لوظائف المستقبل.
3. تمكين المرأة في سوق العمل
تلعب الجهود المبذولة لتعزيز المساواة بين الجنسين في دول مجلس التعاون الخليجي دورًا مهمًا في توسيع قاعدة المواهب. وتثبت المبادرات التي تهدف إلى تحقيق المساواة في الأجور، وتحسين فرص التقدم الوظيفي، وتعزيز التوازن بين العمل والحياة، أهميتها الكبيرة.
حققت البحرين تقدمًا كبيرًا في تعزيز التكافؤ بين الجنسين والقيادة النسائية في القطاعين العام والخاص خلال السنوات الأخيرة. يبدأ هذا من نظام التعليم في البلاد، حيث تشكل النساء 83٪ من المسجلين في التعليم العالي. كما أن 42٪ من الطالبات يلتحقن ببرامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، متفوقات على دول مثل الولايات المتحدة.
لم يمر التقدم في إدماج المرأة رقميًا دون ملاحظة، حيث احتلت البحرين المرتبة الأولى عالميًا في تدريب المهارات الرقمية والتعليم في مجالات STEM للنساء وفقًا لدراسة حديثة أجرتها ""ميتا"".
في القطاع العام، تشكل النساء 56٪ من القوى العاملة، حيث تضاعف عددهن تقريبًا بين عامي 2010 و2021. كما أنهن يشغلن 45٪ من المناصب القيادية الحكومية و33٪ من المناصب الدبلوماسية. وفقًا لتقرير الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2023، تتصدر البحرين دول مجلس التعاون الخليجي من حيث نسبة المناصب الوزارية التي تشغلها النساء.
كما أصبحت المواهب النسائية أكثر حضورًا في القطاع الخاص، حيث تشكل النساء 35٪ من القوى العاملة في الشركات، بما في ذلك 35٪ من المناصب الإدارية، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي. وتشكل النساء أيضًا ثلث القوى العاملة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في البحرين، متجاوزات المعدل العالمي بكثير.
تترك النساء أيضًا بصمتهن في مجال الشركات الناشئة في البحرين، حيث تمثل النساء حوالي خُمس مؤسسي الشركات الناشئة، متفوقات بذلك على كل من وادي السيليكون ولندن. كما أن مبدأ الشمولية هو أساس مركز Citi Bahrain Global Technology Hub، وهو تعاون يهدف إلى توفير 1,000 وظيفة برمجية في البحرين. في السنة الأولى من الشراكة، كانت 22٪ من المشاركات نساء، متجاوزات متوسط التمثيل النسائي في مراكز Citi التكنولوجية حول العالم.
كما حققت الإمارات العربية المتحدة تقدمًا في هذا المجال، حيث تصدرت المنطقة في تقرير الفجوة بين الجنسين لعام 2024 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
ووفقًا للتقرير، تشكل النساء 70٪ من جميع خريجي الجامعات – مع تمثيل قوي في مجالات STEM – ويمثلن 50٪ من مقاعد البرلمان الوطني، المجلس الوطني الاتحادي. كما أفاد التقرير بأن الدولة احتلت المرتبة الثانية في قائمة ""فوربس"" لأقوى 100 سيدة أعمال عربية لعام 2024 بعد مصر.
