عندما انتقلتُ في الصيف الماضي، من بلدةٍ صغيرة في ولاية أوريغون، إلى الدائرة الحادية عشرة في باريس، بَدَت المدينة وكأنها قصيدة باللون الرمادي: الحجارة المرصوفة بالحصى، والمباني المكوّنة من سبعة طوابق، ومياه نهر السِّين الفولاذية. ولكن سرعان ما بدأت ألاحظ اللون الأخضر المنسوج مع اللون الرمادي. كان بعضها مُخفيًا تقريبًا، داخل مَبَاني المدينة الكبيرة، خَلف المَباني السَّكنية التي تصطفّ على جانبيّ الشوارع. حتى أنني اكتشفت حديقة عامة كبرى على الجانب الآخر من الشارع الذي أُقيم فيه، إذ توجد أشجار كبيرة، وطاولات التنس، وحدائق يعتني بها المواطنون، ومناطق “بريَّة” من النباتات مُخصَّصة للتنوع البيولوجي الحضري، لكن للعبور إلى الحديقة يجب المرور عبر بوابة مَبنىً سكنيّ خاص، باريسيّ جدًا.
المدن الكثيفة مثل باريس مزدحمة وصاخبة، وهي بمثابة حلوى ميل فويه من التجربة الإنسانية. كما أنها جيدة بالنسبة للمناخ. إذ تؤدي مسافات السفر الأقصر ووسائل النقل العام إلى تقليل استخدام السيارات، في حين أنّ المَباني السكنية الكثيفة متعددة الأُسر تستهلك طاقة أقل للتدفئة والتبريد. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالتكيف مع تغيّر المناخ، يريد الجميع فجأة مساحات خضراء وأشجار ظلّ يمكنها تبريد الهواء وتنظيفه – وهي المفاضَلة الحضرية الكلاسيكية بين الكثافة والمساحة الخضراء.
وربما لا توجد مُفاضَلة كبيرة على الإطلاق. لم يجد تحليل جديد للمدن حول العالم نُشر اليوم في مجلة People and Nature سوى علاقة ضعيفة بين الكثافة السُّكانية والمساحات الخضراء الحضرية. وقام فريق العلماء، بقيادة روب ماكدونالد، عالِم البيئة الحضرية في منظمة الحفاظ على الطبيعة، بمقارنة صور الأقمار الصناعية مع بيانات الكثافة السُّكانية في 629 مدينة حول العالم. على الصعيد العالمي، كانت المدن الأكثر كثافة تتمتع بمساحةٍ مفتوحة أقل بشكلٍ عام، ما لو كان لدى الجميع ساحات خاصة، ولكن مقدار المساحة المفتوحة العامة لم يكن مرتبطًا بالكثافة بالأساس وكان له علاقة أكبر بالتاريخ والسياسة والثقافة.
وجدت إحدى الحسابات باستخدام بيانات من منظمة التعاون الاقتصادي، والتنمية للمدن خارج الولايات المتحدة، أنّ زيادة الكثافة بنسبة 10% ارتبطت بانخفاضٍ قدره 2.9% في الغطاء الشجري. بشكلٍ عام، كان هناك الكثير من التباين، وكان هناك الكثير من القِيم المتطرفة، حيث تتمتع بعض المدن والأحياء بكثافةٍ عالية والكثير من الأشجار أو المساحات المفتوحة. قال لي ماكدونالد: “الكثافة ليست قدرًا”.
بشكلٍ عام، وجد الباحثون طريقتين لتجنّب المفاضَلة بين الكثافة والمساحة الخضراء. على سبيل المثال سنغافورة، إحدى أكثر الدول كثافة في العالم. هناك، يتم زرع النباتات على الأسطح وفي الواجهات، مما يحول المناظر الطبيعية الرمادية المألوفة من ناطحات السحاب والجسور إلى مساحات حيَّة. بموجب القانون، يجب على المطورين استبدال أيّ منطقة طبيعية يقومون بإنشائها بمساحة خضراء في مكانٍ ما في المَبنى. وفي كوريتيبا، أكبر مدينة في جنوب البرازيل، التي تضاعف عدد سُكانها ثلاث مرّات منذ عام 1970، تمّ بناء المساكن الكثيفة حول ممرات مخصصة للحافلات تتداخل مع حدائق عامة كبيرة ومناطق مَحمية. وتستخدم كوريتيبا أيضًا المناطق المزروعة للمساعدة في توجيه وامتصاص مياه الأمطار، ما يَحمي المناطق السكنية من الفيضانات. في سنغافورة، تتقاسم الطبيعة المساحة مع البيئة المَبنيَّة، في حين تحشر كوريتيبا الناس في أماكن ضيقة، ثمّ توفر الأرض لأنواعٍ أخرى داخل حدود المدينة.
باستخدام أساليب كهذه، من المرجح أن تُصبح المدن أكثر اخضرارًا حتى مع تزايد كثافتها بمرور الوقت. يمكن أن تكون لدينا المدن الكبرى الموفّرة للطاقة، بجانب الهواء البارد النظيف الذي تفوح منه رائحة الزهور أيضًا. وسوف نحتاج حقًا إلى كليهما، فالمدن تصبح أكثر دفئًا من غيرها من الأماكن، وهي الظاهرة التي من شأنها أن تؤدي إلى تضخيم تأثيرات تغيّر المناخ ما لم نجد سُبُلاً لخفض درجات الحرارة. وهذا لا يعني أنّ بِناء مدن خضراء كثيفة سيكون سهلاً أو قليل التكلفة. ومن المرجح أن يأتي قسم كبير من الكثافة السُّكانية المتزايدة في القرن المقبل من أفريقيا وآسيا، حيث تميل ميزانيات المدن إلى أن تكون أقل وحيث تتحمّل بعض المدن أعباء ما خلّفته عقود من النموّ غير المخطّط له. وفي الشمال العالمي، يؤدي ظهور العمل عن بُعد إلى دفع العديد من العمَّال نحو الضواحي والضواحي الخارجية، وهي طريقة حياة أقل ملاءمة للمناخ طالما أننا نتجوّل حولهم بسيارات تعمل بالغاز. ولكن حتى في أوروبا وأمريكا الشمالية، يمكن للسياسات والحوافز الصحيحة أن تتصدى لهذا التوجه – إحدى مرافق الترفيه التي تجذب الناس إلى المراكز الحضريَّة الكثيفة هي المساحات الخضراء.
أنتج الباحثون قائمة “بالتدخلات الخضراء” التي يوصون بها، بما في ذلك إضافة مساحات خضراء على طول الأنهار والجداول والطرق وخطوط السكك الحديدية، واستخدام المناطق المزروعة كجزء من إدارة مياه الأمطار، وتخضير الأراضي الشاغرة (حتى لو كانت شاغرة لبضع سنوات فقط)، وخلق الأسطح الخضراء، وزراعة المزيد من الأشجار على طول الشوارع. وتسعى العديد من المدن بالفعل إلى القيام بهذه التعديلات. في مدينة نيويورك، وهي واحدة من أكثر المناطق كثافة في الولايات المتحدة، يسعى ائتلاف من جماعات المناصرة يسمّى الغابات للجميع في مدينة نيويورك (Forest for All NYC)، إلى زيادة الغطاء الشجريّ من 22% إلى 30% بحلول عام 2035 – خاصةً في المناطق ذات الدخل المنخفض وذات النسب العالية من الأشخاص ذوي البشرة الملوّنة.
قالت لي إميلي نوبل ماكسويل، مديرة برنامج المدن التابع لمنظمة الحفاظ على الطبيعة في نيويورك، إنّ إمكانيات الأسطح الخضراء في المدينة لم يتم استغلالها إلا بالكاد. في الوقت الحالي، يوجد حوالي 730 سطحًا أخضر في المدينة، لكن هذا أقل من 0.1 بالمئة من العقارات المتاحة على الأسطح. قالت ماكسويل: “هذا ثلاثيّ الأبعاد، وجميع أسطُحنا مهمة”.
حتى الآن، ليس الجميع على يقين من أن المفاضَلة بين الكثافة والمساحة الخضراء هي في الغالب خرافة. أخبرني شلومو أنجل، خبير الكثافة الحضرية في جامعة نيويورك، الذي لم يشارك في الدراسة، أن بحثه الخاص باستخدام طرق مختلفة يظهر مفاضَلة أقوى مما أظهرته هذه الدراسة الجديدة. لكنه يوافق على أن هناك طرقًا للتغلب على هذه المفاضَلة، بما في ذلك الطريقة التي يقول إنها لم يتم التركيز عليها بشكلٍ كافٍ في الدراسة: البناء على ارتفاعات عالية. ومن خلال تكديس سكان المناطق الحضرية واحدًا فوق الآخر، يتم توفير الأرض للمتنزهات والأشجار والحدائق. ويقول إن هذا هو سِر سنغافورة الحقيقي، وليس أسطحها الخضراء. وقال أنجل: “من أجل الحصول على مساحةٍ مفتوحة أكبر، عليك أن تجعل البِناء على ارتفاعاتٍ أعلى ممكنًا”. “هذه هي الطريقة الرئيسة لإزالة هذا الصراع”.
تهدف باريس من الناحية الجمالية لعدم جذب الانتباه، ولكن تمّ تخفيف الحدود الصارمة على الارتفاع في المناطق الخارجية في عام 2010. كلَّما استكشفت باريس أكثر، كلما وجدت مساحات خضراء أكثر. تتميز المباني السكنية المصممة على طراز هوسمان (Haussmann-style apartment buildings)، التي تشتهر بها المدينة بشرفات دقيقة من الحديد المطاوع، والتي يضع فيها العديد من السكان مجموعة كبيرة من النباتات، سواء عشبة إبرة الراعي أو أشجار الموز. وتكثر الأسطح والواجهات الخضراء. اعتبارًا من هذا العام، سيتعين على المباني الجديدة في فرنسا، التي تزيد مساحتها على 500 مترٍ مربع، تخصيص 30% من مساحة أسطحها للألواح أو النباتات الشمسية. توفّر الحدائق العامة، بما في ذلك منطقتيّ غابات كبيرتين على طرفيّ المدينة، ملاذًا مشتركًا من اللون الرمادي، فيما تصطفّ الأشجار في العديد من الشوارع الكبرى.
في أعلى المَبنى السَّكني الذي أسكن فيه، توجد شجرة الدلب اللندني، التي زُرِعت عام 1880، ويبلغ ارتفاعها 75 قدَمًا، ويبلغ محيط جذعها أكثر من 13 قدَمًا. أعرف هذه الإحصائيات لأنها مُدرجة (بالمعادلات المترية) على لافتة مثبتة على الشجرة. لكن باريس لم تكن قادرة دائمًا على التباهي بغاباتها الحضريَّة. قال ماكدونالد: “في باريس في القرن السابع عشر، لم تكن هناك أشجار في الشوارع ولا حدائق متاحة للعامة”. لقد ظهرت بعد الثورة الفرنسية، حيث تمّ تحويل الحدائق الخاصة إلى عامة. تمَّت زراعة الأشجار على طول شوارع باريس ابتداءً من القرن التاسع عشر. وقال: “لقد قمنا بإعادة اختراع المدن ذات مرّة، والآن، يمكننا أن نقوم بذلك مرّة أخرى”.
