ستيفن غامبارديلا - ترجمة: أحمد شكري مجاهد
وف مثلًا بالفرس. فلدينا فرس معين [جزئي]، و«فرسية» كلية تجعل الفرس فرسًا، وليس شيئًا آخر. لكن الكلية ليس متضمنة في تعريف الحصانية نفسها، الكلية لازمة «للحصانية».
كتب يقول: «بل الواحدية صفة تقترن إلى الفرسية، فتكون الفرسية مع تلك الصفة واحدة» (الشفاء، الإلهيات، المقالة الخامسة، الفصل الأول).
فالفرس ليس فرسًا من دون «واحدية» الفرسية، ولكن لا الفرسية الكلية، ولا ذاك الفرس الجزئي يوجدان من دون «صفات» الكلية أو الجزئية. وعلى ما يبدو من تنظير أكاديمي في هذا الكلام، إلا أنه ما يؤسس لمنظور ابن سينا الأوسع في الوجود.
فالفرس الجزئي، والفرسية الكلية يجب أن يعتمدا على غيرهما للوجود؛ فلا شيء في ماهية الفرس يقتضي ضرورة وجوده. وقد حدد الفيلسوف ثلاث حالات حول علاقة الماهية بموجودها: الاستحالة، والإمكان، والوجوب.
فالمستحيل ماهيته تنافي وجوده، مثل مثلث له أربعة أضلاع؛ فهو مستحيل من جهة ماهية المثلث أو تعريفه بأن له ثلاثة أضلاع: أي أن المثلث ماهيته أن له ثلاثة أضلاع.
أما الممكنات – مثل الفرس أو الإنسان – فتعتمد في وجودها على أمر آخر. وقد يكون عددٌ من العلل المتسببة في وجود الممكنات، مثل والدة الإنسان. فيقول ابن سينا إن الممكن يكون «واجبًا» بغيره، وكل ما في الكون عند ابن سينا من الممكنات.
فيلزم وجود ماهية تقوم بذاتها لتعلل وجود كل شيء آخر. وهذا يجعلها «وجودًا واجبًا»؛ أي يجب وجودها بالضرورة، والوجوب هو المقتضي لوجوده الذاتي، فيلزم منه قدم وجوده.
انظر حولك. تأمل في كل ما يحوطك. تلك الأشياء يمكن ألا توجد. فإن كان لوجود كل شيء حولنا علة، فما علة وجود كل تلك الأشياء إجمالًا؟
فمجموع تلك الموجودات الممكنة، وهو العالم الذي نعرفه، يجب أن يكون في نفسه ممكنًا. ومعلوم عقلًا أن كل الأشياء يجب أن تكون معلولة لشيء لا علة له، أو قائم بنفسه، وإلا كانت تلك العلة، بأصل ماهيتها، ضمن مجموع تلك الأشياء المعلولة.
وقد يقول قائل إن مجموع كل الأشياء إجمالًا مغاير عن كل شيء إذا أخذ بالاعتبار الفردي. فالمكينة مثلًا إجمالًا مغايرة لأجزائها؛ فهي مجموعة أو وحدة مختلفة عن مجموع أجزائها. فلعل الكون «مجموعة» من نوع ما مغايرة لأجزائها.
لكن هذه الفكرة ما تزال يلزم منها واجبُ وجودٍ، وهي هنا الكون نفسه. لكن ابن سينا يشدد على أن واجب الوجود يجب أن يكون مباينًا في صفاته عن عالم الأشياء.
وهذا يفضي بنا إلى القسم التالي من برهان ابن سينا على وجود الله، حيث يقول بأن من وجوب «وجود» الإله يمكننا فهم «ماهيته».
يجب أن يكون واجب الوجود واجبًا من كل وجه: يجب أن يكون فردًا واحدًا محضًا لا يتصف بصفات الماديات، وهذه هي الصفات الإلهية التي نعرفها من التوحيد.
وواجب الوجود واحد فقط لا غير. لو افترضنا وجود وجودين واجبين مثلًا، فلا بد من وجود فرق بينهما. فواجب الوجود واجب من كل وجه، والفرق اللازم للتمييز بين الوجودين سيكون معللًا، ومن ذلك يبين ابن سينا – عقلًا – بطلان القول بتعدد الآلهة. إذًا فالله واجب الوجود يجب أن يكون واحدًا.
ويجب كذلك عقلًا أن يكون بسيطًا، إذ لو كان مؤلفًا من أجزاء للزم أن يكون كل جزء مغاير للآخر، ويلزم من اختلافها أن تكون معللة. والمعلل لا يكون واجبًا، إذًا فواجب الوجود بسيط فرد واحد.
ونعلم أن كل الأشياء في أصل ماهيتها مكونة من أجزاء. تلك الأجزاء مكونة من أجسام أصغر، لها لون وقوام وشكل. وواجب الوجود لا يتجزأ، ولا يوصف بهذه الأوصاف؛ لأنها كلها معللة. إذًا فواجب الوجود لا يتصف بصفات المادة، وإنما هو عقل محض.
لا يوجد عند ابن سينا ما يستحيل فهمه عن الله بالعقل، وهي فكرة قوية لافتة للنظر مفادها أننا يمكننا أن نعرف الله بالعقل كما نعرفه بالإيمان.
وإثبات هذا الفيلسوف لله قبله كثيرون ورفضه آخرون. رغم زعم ابن سينا أن برهان الصديقين يتفق تمامًا مع صفات الله في القرآن، إلا أن كثير من العلماء والفلاسفة نقد حجته.
فمن ذلك أن برهان الصديقين لا يثبت لله إرادة. فالظاهر أن واجب الوجود بهذا البرهان يلزمه إبقاء الكون، وغياب إثبات الإرادة والقوة مناقض تمامًا لما يُعرف من قوة الله المحيطة وعدله التام.
وقد تأثر ابن سينا بشدة بالأفلاطونية المحدثة في فكرته عن واجب الوجود؛ إذْ تقترب أفكاره من الأفكار الأفلاطونية عن «الواحد» أو «الخير»؛ منبع الوجود الذي سبق آلهة الإغريق والرومان. وهذا ما أثار حفيظة كثير من الشراح الموحدين؛ إذْ نقد المتكلم الكبير الملاحمي مذهب ابن سينا لأنه رأى أنه قد أفسده الفكر الإغريقي المجرّد، وشدد على أن هذه الأفكار منافرة للطابع النبوي للإسلام.
ولكن قد يرد على ذلك بالقول إنّ الأمر لا علاقة له بالفكر المجرد؛ بل بالتدبّر. فالتفكير الإمبريقي هو لب برهان الصديقين عند ابن سينا: وجودنا معروف بداهة ولا يمكن الشك فيه. هذه الحقيقة المسلمة هي حجر الأساس لهذه المنظومة الشاسعة المعقدة، التي استهدفت «شفاء» الجهل، والتنعم بفهم ومعرفة الله.
واجب الوجود هو صياغة لفظية للحدس البشري للإيمان، ويطلب أساس هذا الحدس: الإلهي.
جميع الاقتباسات من مجلد الإلهيات من كتاب «الشفاء» لابن سينا
