لا حقيقة أكثر بديهية ووضوحًا وجلاء من أننا نعيش في مكان ثلاثي الأبعاد، فنحن ننشأ ونتحرك فيه، لم نتعلم رؤيته، بل نظرنا حوالينا؛ فأدركناه. من الصحيح أنَّ أمورًا كثيرة في الحياة تستلزم التعلُّم إلا معرفة الجهات المحيطة بنا؛ فإنها ليست كذلك.
بينما هناك مشكلة في فهمنا الساذج للمكان، فعندما نتوقف عن النظر فيه ونفكِّر به، يموت إحساسنا بالبديهة.
قبل ألفين وخمسمائة 2500 سنة ذكر الفيلسوف الإغريقي زينون الإيلي -أحد مناصري فيثاغورس- أنه من البديهي أن تَقبل المسافة بين نقطتين القسمة، فعندما تذهب لمحطة انتظار الحافلة يمكنك تصور نقطة تقع في منتصف المسافة، ومن نقطة المنتصف هذه يمكنك أن تتخيل نقطة المنتصف التالية (ثلاثة أرباع المسافة)، وهلم جرًّا. وبالمثل يمكنك تخيل عددًا لا نهاية له من نقاط المنتصف التي تَحُول بينك وبين المحطة؛ ومن إدراكنا البديهي للزمن تحتاج هذه النقاط -التي لا نهاية لها- زمنًا لا نهاية له أيضًا، يا لطول الطريق إلى الحافلة وإن كان مجرد خطوات معدودة.
في القرن الثامن عشر قفز الفيلسوف الألماني إيمانوئيل كانط -إن صحّ التعبير- قفزةً يُسائل فيها إدراكنا البديهي للمكان بتناقضاته؛ حيث قال: “إنْ كان المكان على ما يبدو لنا، فمن المُحتَّم أن نتصادم بتناقضات صريحة. فلتتأمل بديهة أنَّ جميع النقاط المكانية تليها نقاط أبعد، فسيؤدي هذا الافتراض إلى استنتاج مُقلق، وهو: مهما بَعُدت أي نقطة في المكان، فستليها نقطة أخرى بينها وبين أختها بون شاسع، وهكذا إلى الأبد”.
إن كان المكان غير المنتهي عصيًّا على الخيال؛ فإنَّ البديل المنتهي ليس خيرًا منه؛ فإن كان محدودًا فمن الضروري أنَّ هناك نقطة منتهى لا نقاط بعدها، فينعدم المكان حينئذٍ، لكنَّ بديهتنا تأبى هذا الاستنتاج؛ إذ لا بد من وجود شيء ما يشغل حيزًا من الفراغ وراء هذه النقطة. ووفقًا لكانط فليس بإمكاننا أن نحظى بكلا الاحتمالين، ولا بواحد منهما.
يقدم العلم طريقة أخرى لقتل مفهومنا البديهي تجاه المكان؛ فلتفكر بالحيِّز الذي تشغله الفوتونات. هذه الجسيمات الضوئية التي تسبح في الأفلاك بأقصى سرعة يسمح بها الكون. لا «تحس» الفوتونات بالمكان أبدًا (أو بالزمن في هذا الموضع). فمن منظورنا يستغرق فوتون منبعث من الشمس ما يربو على ثمان دقائق ليقطع زهاء/ قرابة 150 مليون كيلومترًا حتى يصل إلى شبكة العين. أمَّا نحن –البشر- فهذه السرعة خاطفة للأبصار، وأمَّا الفوتون فإنَّ هذه الرحلة لم تستغرق أي وقت؛ حيث انتهت في اللحظة نفسها؛ إذ صار «المكان» بين سطح الشمس وخلايا الإبصار مجرد نقطة واحدة.
فضلًا عن ذلك يختلف الإحساس بالمكان بين شخص جالس في مؤخرة قطار مسافر بسرعة الضوء ومتفرج واقف على رصيف محطة انتظار القطار. يبدو المكان عاديًّا للشخص الجالس داخل المقطورة، وبإمكانه مشي 15 مترًا إلى مقدمتها؛ لتناول وجبة طعام خفيفة. بينما تبدو المقطورة مسحوقةً للشخص المتفرج. علاوة على ذلك يبدو للمتفرج أنَّ راكب القطار قطع مترَين للحصول على وجبته الخفيفة شديدة الصغر، ولا يبدو المكان داخل القطار للمتفرج مضغوطًا، بل هو كذلك. وأثبتت النظرية النسبية الخاصة لآلبرت آينشتاين ذلك، بل وأكدتها تجارب لا تحصى.
ولم تكن هذه آخر ضربات آينشتاين نحو بديهتنا تجاه المكان؛ فوفقًا لما جاء في نظريته النسبية العامة أنَّ المكان من حولنا ليس كما يبدو؛ فالكرة التي نرميها في الفضاء لا تقطع طريقًا مقوسًا ثم تسقط على الأرض، بل تقطع خطًّا مستقيمًا، وكتلة الأرض تحتها تُقوِّس الزمكان؛ فتعود الكرة إلى سطح الأرض.
لكنَّ هذا هو المكان كما ندركه. لقد كان في جَعبَة آينشتاين مزيدًا من القنابل البديهية عندما تعلَّق الأمر بوصف «هيئة» الزمكان؛ فلا يشكل المكان في المكان مثل الورقة المسطحة الملفوفة حول أسطوانة، بل بشكل الزمكان في كافة أبعاده الأربعة الذي يفوق خيالنا ثلاثي الأبعاد.
تطرح النظرية النسبية العامة ثلاثة تصورات لشكل الزمكان. أولها: أنه متقوِّس إلى أعلى كسطح الجسم الكروي. سيجعل هذا التصور من الزمكان شكلًا ذا حد، وبالمثل هناك كثير من المادة خارج كرة اللعب. ثانيها: أنَّ الزمكان متقوِّس إلى أسفل كالقِطْع الزائد مثل سطح رقاقة پـرينغلز لا نهائية. أمَّا آخرها أنَّ الزمكان كله مسطح وممتد في جميع الاتجاهات بلا حد.
تشير الدراسات المفصلة حول إشعاع الخلفية الكونية الميكروي أنَّ الزمكان مسطح حقًّا، وهذا يعني أنه ممتد إلى ما لا نهاية له رغم رفض كانط لهذا التصور.
إن لم تكن هذه صفعة على وجه كانط، فهناك نظرية أخرى تستطيع تفسير ازدواج طبيعة الزمكان في أنه نهائي وغير نهائي في الوقت ذاته؛ حيث سُمِّيت «تماثل مكان دي سِتَر المضاد/ نظرية الحقل المثالي»، أو التسمية المُختصرة: «مبدأ الهولوغرافية». تفترض هذه النظرية أنَّ الكون ليس مسطحًا بل مُتقوِّس إلى أسفل، وتعرض كيف لكون رباعي الأبعاد بكل تفاصيله أن يُرسم على سطح متناهٍ ثلاثي الأبعاد، وينطبق الشيء نفسه على الإمكانية التي بها تُرسم صورة ثلاثية الأبعاد على هولوغرام ثنائي الأبعاد الذي يباع في متاجر الهدايا. إذن، ربما كوننا كله هولوغرام دقيق غير نهائي مرسوم على سطح متناهٍ ثلاثي الأبعاد، يبدو لنا من بعيد أنه غير نهائي. في مكان كانط، ربما نستطيع أن نحظى بكلا الاحتمالين.
لن أخوض في المكان على المستوى الكمومي؛ لأنني مهما حاولت استيعابه، فلن أستطيع.
كيف يمكن أن يكون إدراكنا للمكان خاطئًا؟ بل كيف يمكن أن يبدو لنا شيء ما كأوضح ما يكون، لكنه في الواقع مغاير تمامًا لما نراه؟ وكيف خذلنا التطور بأن شوش إحساسنا بالعالم نفسه الذي توجب علينا النجاة فيه؟ هنا تكمن الإجابة. فلم نتطور لنحس بالعالم كما هو، بل لنرى العالم رؤية تمكننا من التكاثر. إنَّ إدراكنا للأبعاد الثلاثة وللزمن كافٍ؛ فمع تاريخنا المليء بالتطور على كوكب الأرض، لم يكن تصور زمكان رباعي الأبعاد بتعقيداته الشكلية سوى ضربة حظ. وكما ذكر عالم الأحياء التطورية ريتشارد دوكنز: «لو قُدِّر لأسلافنا الحاجة للنجاة في مساحات كونية هائلة أو عالم كمومي متناهي الصغر، لرأينا الأشياء رؤية مختلفة».
لكن إن لم نتطور لندرك المكان كما هو، فكيف يمكننا أن نشكك بحواسنا؟ أليست العمليات التطورية نفسها التي شوشت إدراكنا له، هي من حال بيننا وبين إدراك هذا التشويش في المقام الأول؟ إن كان هذا صحيحًا، فسندخل في دوامة شك تقودنا لمساءلة جميع ما نظنّ أننا نعرفه عن العالم.
ولكن هذه العملية نفسها التي قادتنا إلى هذه المصيدة المعرفية، أعطتنا مخرجًا منها؛ هذا لأننا طورنا مَلَكةً أخرى تتيح لنا أن نُفكِّر بطرق تتجاوز الإدراك والبديهة: العقل. لم يسلحنا التطور بهذه القدرة؛ لنتفكَّر في أكوان هولوغرافية، بل كان هذا نتيجةً عرضيةً لحقيقة أنَّ أسلافنا احتاجوا إلى التنقُّل في المشهد المُعقد للعالم الاجتماعي الذي يُضاهي في تعقيده العالم ثلاثي الأبعاد كثيرًا؛ لذا، ما الأكثر استثنائية: أنَّ الزمكان ليس كما نفهمه بشكل بديهي، أو أننا نستطيع/ يمكننا أن نعرف صحة هذا؟
