النقاط الرئيسية
- يحتاج الأشخاص المصابون بالتوحد إلى مساحات آمنة ليظهروا على طبيعتهم الحقيقية.
- يمكن أن يكون العلاج الجماعي الذي يشجع التصرف بطبيعة وحب الذات أمرًا أساسيًا للأشخاص المصابين بالتوحد.
- هناك حاجة إلى المزيد من مجموعات الدعم التي يقودها الأقران للبالغين المصابين بالتوحد.
كنت أعلم دائمًا أن هناك خطب ما معي. فبقدر ما أستطيع أن أتذكر، لطالما شعرت أنني كنت مختلفة عن كل من حولي.
عندما كنت صغيرة، لم أشعر حتى بأنني من البشر، فعندما كنت طفلةً، أخبرتني والدتي دائمًا أنني ولدت أتحدث كثيرًا. لقد ولدت أتحدى الجميع وصعبة المزاج، دائمًا محتجة. لم آكل أبدًا بشكلٍ صحيح أو أرتدي الملابس المناسبة. كانت كلمة “صعبة” هي كلمة أمي المفضلة لوصفي، وفي بعض الأحيان لا تزال كذلك.
قيل لي في المدرسة أنني كثيرة الكلام. وكان الأطفال الآخرون يسخرون مني دائمًا ولم يكن لدي أي أصدقاء حقيقيون؛ فقد كنت منعزلةً ومنبوذة.
هذا الشعور بالاختلاف وكوني من “الآخر” طاردني طوال حياتي. وصلت الى نقطة في حياتي عندما كنت طالبة في الكلية وقررت حينها أنني سئمت من الشعور بأنني غريبة الأطوار، فبدأت أعمل بجد قدر الإمكان لتقليد الحياة والسلوك والملابس وتعبيرات الوجه وشخصية ما اعتبرته طبيعيًا. هذا يتطلب قدرًا هائلًا من الجهد، ولكن كثيرًا ما كان ينزلق القناع وقيل لي إنني مغرورة أو مبالغة أو غريبة جدًا.
كانت الحياة معركة مستمرة لمحاولة أن أكون ما يريده العالم، وكنت أفشل دائمًا. كان زوجي يذكرني باستمرار بأن الناس لا يحبونني؛ فقد كنت زوجة طبيب غير مستحقة لأنني لم أتمكن من إنشاء علاقات اجتماعية بشكل صحيح ولم أستطع الحفاظ على العلاقات. كنت أواجه صعوبة في التمسك بالوظائف، وكثيرًا ما كنت أتعرض للخداع. فكان الجميع يسخر من سذاجتي وكان الدليل على غرابتي يظهر في كل مكان وكل تصرف.
تم تشخيص إصابتي بالتوحد قبل أربع سنوات وفجأة، شعرت بأن هنالك لغز قد تم حله. بدأت أتعرف على نفسي وبذلك كان يمكنني أن أقدم لنفسي التعاطف مع الذات والتفاهم. شعرت بسعادة غامرة وخرجت إلى العالم وحاولت أن أكون على طبيعتي.
اعتقدت أنه مع هذه القطعة من اللغز، سيمكنني أخيرًا العثور على التعاطف والحب. كنت امرأة مطلقة في الأربعينيات من عمري وليس لدي أي أصدقاء، واعتقدت بأن الآن بعد أن فهمت سبب كوني غريبة الأطوار سيمكنني أن أشرح ذلك للناس وأجد الحب والدعم الذي كنت أرغب فيه دائمًا.
لم تتم الأمور كما توقعت، فالصداقات لا زالت تفشل، لا يزال الناس يدعونني بالمغرورة ويجدونني منفرةً. علاقاتي الرومانسية فشلت لأنهم يجدوني صعبة بشكل مبالغ، وضلت تنجرف بعيدًا.
في ربيع العام الماضي، أنشأت مجموعة دعم في مركز تري أوف لايف (Tree of Life) للصحة السلوكية للبالغين المصابين بالتوحد. لقد كانت المشاركة مجانية، وكانت بقيادة الأقران، وكنت أسمح للآخرين بتولي دور القيادة في بعض الأحيان.
في البداية، كانت المجموعة صغيرة، لكنها نمت بشكل كبير. كنت أعلم أنني لا أستطيع أن أمتلك عضوية كاملة أبدًا. لم أتمكن أبدًا من تفريغ الصدمات أو الكشف عن روحي. لقد كنت أنا المعالجة النفسية، وكان عدد كبير من الأعضاء من عملائي في وقت أو آخر، ولكن مجرد وجودي في المجموعة كان أكبر تجربة علاجية في حياتي.
في المجموعة، كان بإمكاني التحدث عن مشاعري حول إصابتي بالتوحد، وكان الجميع على نفس الصفحة. كان بإمكاني الانفتاح وعدم وصفي بـ “المُبالغة” أو الصعوبة أو الغرور، وما إلى ذلك. لقد فهمني الناس، وأنا فهمتهم. تحدثنا عن اهتماماتنا المفرطة وشغفنا.
كانت تنجرف موضوعات المجموعة عن لعبة دانجنز أند دراغنز (Dungeons & Dragons) إلى الفيزياء والنباتات وحيوانات الكسلانيات وعلم الأعصاب وألعاب الفيديو. كنا نفقد أنفسنا في تلك المعلومات المفرطة في التركيز والتي يجدها الأشخاص العاديون “ادعاء بالعلم” أو نوع من الغرور والمعرفة بكل شيء. في تلك المجموعات، كان بإمكاننا تحفيز أنفسنا بشكل علني (تكرار الحركات الجسدية أو السلوكيات الأخرى). كان بإمكاني تحريك ساقي، واللعب بألعاب التململ، وأن أكرر نفسي.
لم يكن علينا التواصل بالعين، وكان يمكننا مناقشة الصعوبات التي تواجه محاولة إيجاد العلاقات وإيجاد القبول. كان الأمر كما لو كنا قططًا نعيش بين عالم يملأه الكلاب، وقد وجدنا أخيرًا قططًا أخرى نجلس معها دون أن نطالب بأن نكون أي شيء غير ما نحن عليه. لقد كان أمرًا ساحرًا.
لم يكن هذا تدريبًا جماعيًا على المهارات الاجتماعية، لم يكن هذا هو نوع العلاج الذي أجبرنا فيه على تعلم كيفية التواصل الاجتماعي مثل الأشخاص العاديين، بل كان مكانًا حيث يمكننا أخيرًا أن نكون أنفسنا ولا يكرهنا أحد بسبب ذلك ولا نكره أنفسنا بسبب ذلك.
لا تزال المجموعة تجتمع كل ليلة خميس في مركز تري أوف لايف للصحة السلوكية. وهناك الآن أكثر من مئة عضو رسمي. كثير من الناس لا يأتون إلى المجموعة الشخصية، فيمكن أن يكون ذلك أمرًا صعبًا بالنسبة لنا.
لدينا مجموعة عبر الإنترنت تظل نشطة من خلال منصة ديسكورد (Discord)، لدينا مجموعة من المراهقين، ولدينا ليلة دانجنز أند دراغنز. يخبرني الأشخاص في المجموعة طوال الوقت أن المجموعة ساعدت أكثر بكثير من أي معالج أو علاج، حيث ساعد الأعضاء بعضهم على فهم أنفسهم والتوحد والعثور على الأمان في عالم لم يقدم أي فهم حقيقي تجاههم.
العديد من الأشخاص في المجموعة أخبرهم بعض أفراد من عائلتهم أنهم لا يعتقدون أنهم مصابون بالتوحد أو أنهم يعتقدون أن التوحد هو “عذر”. ناضل العديد من الأشخاص في المجموعة للعثور على عمل وعلاقات مستقرة في عالمٍ معاد. ووقع العديد منهم ضحايا للعنف وسوء المعاملة. لقد تعرض الكثيرون للتنمر الشديد عندما كانوا أطفالًا، ولكننا الآن نعلم جميعًا أن لدينا مكانًا خاصًا بنا.
لقد قمت بمراجعة الأدبيات بحثًا عن المقالات التي راجعها النظراء والمقالات البحثية التي يمكن أن توثق قوة الانتماء وكشف القناع (التصرف على طبيعتهم) وإيجاد مكان لتكون فيه على طبيعتك الحقيقية في مجموعة دعم للبالغين المصابين بالتوحد. لقد وجدت العديد من المقالات التي كتبها علماء النفس غير المصابين بالتوحد، توثق أن مجموعات المهارات الاجتماعية يمكن أن تعلمنا التصرف بشكل أكثر طبيعية.
أنا لست الوحيدة المصابة بالتوحد التي وجدت مجموعات من الأشخاص المصابين بالتوحد لتكون الحل. إذا بحثت عبر الإنترنت، فقد تحدث العديد من مستخدمي اليوتيوب، وأصحاب النفوذ على وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرهم من المناصرين للتوحد عن قوة التصرف على طبيعتهم. ومع ذلك، لا يزال المجتمع الطبي متخلفًا تجاه هذا الموضوع.
إن هدفي هو تغيير هذا المنظور. يجب أن يكون لدى كل مجتمع مجموعة أو مكان آمن للأشخاص المصابين بالتوحد ليكونوا على طبيعتهم، فالأشخاص المصابون بالتوحد هم من أكثر الأشخاص الرائعين الذين قابلتهم على الإطلاق.
فهناك منهم مهندسون وأطباء وعلماء نفس وفنانون يغيرون العالم، ونحن نستحق مجتمعات حيث يمكننا أن نجد الصداقة والحب لكوننا ما نحن عليه بالضبط من دون أي تغيير.
نبذة عن الكاتب
جيسيكا بينوت، مستشار مرخص (LPC-S)، مؤسسة ورئيسة لمركز تري أوف لايف (Tree of Life) للصحة السلوكية في ماديسون، ألاباما. ألّفت 10 كتب، بما فيهم الرواية الأكثر مبيعًا The Accidental Witch.
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة سيكولوجي توداي).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
