في الوقت الحالي، يبدو الأمل بعيد المنال في أمريكا؛ فقد بلغت حالات الانتحار وحالات الوفاة النّاجِمة عن تعاطي جُرعات زائدة من المُخدِّرات -أو ما يُسمّى بالوفيات النّاجِمة عن اليأس؛ نتيجة لانعدام الأمل- مستويات غير مسبوقة، وقد تفاقمت مُشكلات الصحة العقليّة؛، إذْ وجدت دراسة حديثة أَجْرَتْها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) للمراهقين زيادة كبيرة في الحزن والتعرُّض للانتحار على مدى العقد الماضي، خاصة بين الفتيات المراهقات -وهو اتِّجاه بدأ قبل وقت طويل من جائحة فيروس كورونا-. وفي استطلاع للرأي أجرَتْه “مُؤسّسة غالوب” مُؤخّرًا، ذُكر أنّ 19% فقط من الأمريكيين يعتقدون أنّ البلاد تسير في الاتجاه الصحيح.
ماذا يمكن أن يفعلَ مجتمعنا لنشر الأمل ومحاربة اليأس؟ قد نُفكّر عادةً في الأمل كونه عاطفة حَسّاسة مُنفصِلة عن تجربة الحياة الواقعيّة بحكم تعريفها. في الواقع، وكما بدأت تُبيّنه الأبحاث، فإنَّ الأمل مفهوم مَعرفيّ مُهمّ، وهو شيء يُمكِننا تحديده وقياسه وتحليله وتنميته في النهاية، تُعدُّ العواطف أساسية بالنسبة لمجموعة من السلوكيات البشريّة ذات التَّبِعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأكبر، وربما يكون الأمل هو العاطفة الأكثر أهمية في هذه المعادلة؛ حيث يُقدّم طريقة جديدة (وإن كانت قديمة أيضًا) للتفكير في مسائل مثل: الصحة، الفقر، عدم المساواة، التعليم، الوفيات المُرتَبطة باليأس.
قليل من خبراء الاقتصاد الذين يدرسون الأمل -وأنا منهم- يُعرِّفونه بطريقة مختلفة قليلًا عن الطريقة التي يستخدم بها الناس الكلمة بالعامية. ففي العلوم الاجتماعية؛ الأمل ليس مجرد اعتقاد بأنّ ظروف المرء سوف تتحسن، ففي هذه الحالة نستخدم مصطلح “التفاؤل”. الأمل هو الإيمان بأنّ الفرد يستطيع أن يجعلَ الأمور أفضل.
لقد تمّ التّغاضي عن الأمل منذ فترة طويلة، بِوصفه مجالًا للبحث الأكاديمي؛ فقد ركّزت الدراسة الاقتصادية للرفاهية التي تبحث في مُحدِّدات رفاهية الإنسان ونوعية الحياة على السعادة والرضا عن الحياة، وترتبط هذه المفاهيم ارتباطًا وثيقًا بالأمل -وعادةً بشكلٍ إيجابيّ-، لكنّ الأمل يتميّز بتركيزه على الفاعلية الفردية، ممّا يربطه بشكل وثيق بنتائج حياة الناس، وأصبح الباحثون أكثر مهارة في قياس مستويات الأمل، وذلك من خلال بيانات الأفراد الذاتية من الاستطلاعات، التي -غالبًا ما- يتمّ إثباتها بعلامات بيولوجية أو نفسية، مثل: مستويات الكورتيزول اللُّعابي، ابتسامات دوشين الحقيقيّة، والتي تُشير إلى درجات التّوتُّر والسعادة.
عادة يرتبط الأمل لدى الأفراد بالصحة الجيدة وطول العُمر؛ ففي عام (2019م)، نشرتُ أنا والخبير الاقتصادي “كيلسي أوكونور” دراسة لتحليل مجموعة من المُشاركين في الاستطلاع، المولودين في الثلاثينيّات والأربعينيّات من القرن الماضي، والذين سُئلوا في العشرينيّات أو الثلاثينيّات من عُمرهم عمّا إذا كانوا يعتقدون أنّ حياتهم ستسير على ما يرام، وهو مُؤشِّر للأمل. (استخدمنا مُصطلحيْ الأمل والتفاؤل بالتّبادل في هذه الدراسة؛ إذ تمّ إجراؤها قبل وجود الكثير من الأبحاث حول الأمل بِوصفه مفهومًا خاصًّا به). ووجدنا أنّ أولئك الذين أجابوا بشكلٍ إيجابيّ على السؤال المُتعلِّق بآفاق حياتهم كانوا أكثر احتمالية ليكونوا على قيد الحياة عام (2015م) من أولئك الذين أجابوا بشكلٍ سلبيّ في مجموعة أقرانهم نفسها (من حيث: العُمر والعرق والجنس).
اخْتبرَنا أنا والباحثة “جوليا رويز بوزويلو” العلاقة بين الأمل والنتائج اللاحقة في دراسة استقصائية طولية، وتَابعْنا فيها 400 من المُراهقين ذوي الدخل المنخفض في بيرو على مدى ثلاث سنوات، وأظهر المُشارِكون مستويات عالية من الأمل والطموح التعليميّ؛ إذ أَخبرْنا 88% منهم في بداية الاستطلاع أّنهم يُخطِّطون لمتابعة التعليم الجامعيّ أو الدراسات العليا. وبعد ثلاث سنوات، كان هؤلاء المُشارِكون الذين خطّطوا لِمُتابعة التعليم العالي أكثر احتماليّة من أقرانهم للالتحاق بالجامعة ومواصلة التعليم لسنوات أطول.
وعلى الرغم من صعوبة قياس رفاهية المجتمعات بأكملها؛ فقد ثبت أنّ التدخُّلات المُجتمعيّة تزيد من رفاهية الأفراد ذوي المستويات المنخفضة من الرضا عن الحياة، ونظرًا لارتباط الأمل بالرفاهية بشكلٍ إيجابي؛ فمن المُحتَمل أن يكون للأمل التأثير نفسه غير المباشر، لكنّنا بحاجة إلى أبحاث أكثر لإثبات ذلك. وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ اليأس له تأثيرات سلبية على رفاهية المجتمع، مثل تأثير امتلاك أموال أقلّ من الشخص العادي في المدينة أو الولاية أو مكان العمل.
فكيف يُمكِن للأفراد والمجتمعات أن يُصبِحوا أكثر أملًا؟ على الرغم من أنَّ الأبحاث تُشِيرُ إلى أنّ سمات الرفاهية مثل السعادة الطبيعية ومستويات الأمل قد يكون لها جانب وراثيّ، فإنَّ الأمل مثل العديد من السمات والعواطف الأخرى؛ إذ يُمكن أن يتأثّرَ بالعوامل البيئية مثل: استقرار الأسرة والتعليم والفرص. وقد أظهر خبيرا الاقتصاد “جيمس هيكمان وتيم كاوتز” أنّ السمات الاجتماعية العاطفية تتطور في مراحل مُتأخِّرة من الحياة مقارنة بِمُعدّل الذكاء الذي لا يتغيّر كثيرًا بعد أواخر العشرينات، ويُشيرُ هذا إلى أنّ مستوى الأمل لدى المرء يُمكن أن يختلفَ بمرور الوقت؛ ففي دراسة أُجرِيتْ على الأشخاص الذين وُلدوا في ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن العشرين، وجدتُ أنا وأوكونور أنّ نسبة الأمل بالنسبة للأمريكيين السود والنساء كانت أكبر في أواخر السبعينيّات، وقد يعود ذلك إلى توسُّع الحقوق المدنية، في حين كانت نسبة الأمل أقلّ بالنسبة للرجال الحاصلين على تعليم أدنى من شهادة الثانوية العامة خلال الفترة الزمنية نفسها.
ربّما تكون أبسط طريقة لغرس الأمل بين السكان والأماكن التي يفتقر إليها هي إشراك الأشخاص المنعزلين -خاصة كبار السِّن- في مجتمعاتهم من خلال فرص التطوع، والمشاركة في الفنون، وقضاء بعض الوقت في الطبيعة. وبالنسبة للأطفال؛ كانت أدوات التدريس لتنمية احترام الذات والمرونة والتكيُّف ناجحة في المرحلة المتوسطة والثانوية في أنحاء المملكة المتحدة جميعها. أمّا بالنسبة للشباب البالغين؛ قدّم استطلاعنا في بيرو استنتاجًا مُهمًّا مفاده أنّ على الرغم من عدم حصول أحد الوالدين على تعليم جامعي (معظم آبائهم كانوا سائقي سيارات أجرة، أو بائعين، أو عاملات في المنازل)، فإنّ الأغلبية أفادوا بوجود مُرشد في أسرتهم أو في المجتمع يدعم أحلامهم وتطلعاتهم المستقبلية. يُمكِن أن يُساعدَ الإرشاد والدعم المجتمعي أيضًا أولئك الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية العقلية في البحث عنها والعثور عليها، خصوصًا في المناطق الفقيرة المحرومة.
وللحكومة دور في هذا. أشَرتُ أنا والعديد من زملائي أيضًا في تقريرٍ حديث لمؤسسة “بروكينجز”، إلى أنّ الخطوة الأولى المُهمّة تكمن في تتبُّع وضع الرفاهية في الإحصاءات الحكومية الرسمية بشكل مُنتظَم كما تفعل دول أخرى، مثل: المملكة المتحدة ونيوزيلندا، إنّ المؤشر القياسيّ للرفاهية في الولايات المتحدة -شيء يُشبِه الناتج الوطني الإجمالي للرضا- من شأنه أن يسمحَ لنا بملاحظة الانخفاض قبل أن يتحوّلَ إلى أزمة كارثية، وقد يكون الرضا عن الحياة أحد أهمّ المقاييس التي يجب تتبُّعها؛ لأنّه المقياس الأكثر استخدامًا للرفاهية، لكن، إضافة مقياس الأمل يُمكِن أن يُعزِّزَ فهمنا لرفاهية عامة الناس، يجب على الحكومة أيضًا تقديم دعم أكبر للجهود المحليّة والمجتمعية الرّامية إلى غرس الأمل، وهو ما يُمكن فعله دون تكلفة كبيرة، فما نحتاج إليه هو الدعم اللّوجستيّ والمعلومات حول الجهود النّاجحة في بلدان أخرى.
وللحدّ من انتشار اليأس يتعيّنُ علينا أن نستمرَّ في توسيع فَهمنا حول رفاهية الإنسان، ووضع النتائج التي توصّلنا إليها موضع التنفيذ، فقد يُمكِن لِلتّعمُّق في مفهوم الأمل أن يُغيّرَ مجرى حياة الجيل القادم.
كارول جراهام، نائبة الرئيس المؤقتة ومديرة الدراسات الاقتصاديّة في معهد بروكينجز. ومُؤلِّفة كتاب: قوة الأمل: كيف يُمكِن لِلتّعمُّق في مفهوم الرّفاهية أن يُنقِذَنا من اليأس (The Power of Hope: How the Science of Well-Being Can Save Us From Despair).
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة ذا أتلانتيك).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.
