برلين ، المانيا 25 سبتمبر 2024
خواطر وترجمة مقصدية واعادة تحرير : م. عبد الله بن ابراهيم الرخيص
كتبت هذه الخواطر على مقعد قطار تم تصنيعه في تركيا وريثة الدولة العثمانية، وضع هذا لمقعد الذي استريح عليه من عناء المسير في رواق يعرض تقنية السكك الحديدية الدولي في العاصمة الالمانية برلين حليفة الاتراك قبيل مغيب شمس الخلافة العثمانية.
تنتابني هذه الخواطر المتماوجة من التاريخ ماضيه و حاضره و مستقبله، انظر في عيون الاتراك و الالمان من حولي حامداً و شاكراً انعم الله على وطني اذ لم يزد قمع الاتراك للدولة السعودية الفتية في الدرعية الا عزيمة على المضي قدماً في تأسيس المشروع السعودي الناهض في الجزيرة العربية وها هو ارث ذلك المشروع الفريد المملكة العربية السعودية يدخل عامة الخامس والتسعين بثقة راسخة بالله و توكل عليه ثم ایمان عمیق بانسان هذه الارض و قيمه المستمدة من الشريعة السمحاء والسنة النبوية مستكملاً ثلاثة قرون منذ يوم التأسيس من الجهد الجبار و الأثر النافع للانسان والانسانية.
لكن دعونا نعود الى الدولة العثمانية ونتخيل الفوضى التي قد تكون تم تجنبها لو أنقذت الإمبراطورية العثمانية بدلاً من إغراقها، واللوم يقع على ونستون تشرشل من بين آخرين بالطبع.
عندما أطلق مسلح صربي النار على أرشيدوق نمساوي في صيف عام 1914، انزلقت دول أوروبا في الحرب التي افقدتها الملايين من رجالها و نسائها و دمرت مدنها وقراها بعد مقتل الارشيدوق النمساوي أعلنت النمسا والمجر الحرب على صربيا التي أعلنت حليفتها روسيا الحرب على النمسا التي أعلنت حليفتها ألمانيا الحرب على روسيا التي أعلن حلفاؤها فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا والنمسا. وبحلول أوائل أغسطس، اشتعلت النيران في القارة.
ولم يكن الأمر واضحاً حينذاك للاوربيين خصوم الدولة العثمانية المتربصين بها بأي طريق ستسقط تركيا؟ هل ينبغي للإمبراطورية العثمانية الآخذة في التلاشي الانضمام إلى الوفاق الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وروسيا) أم الانضمام إلى القوى المركزية (ألمانيا والنمسا والمجر)؟
كانت الإمبراطورية العثمانية التي يزيد عمرها عن خمسمائة عام تتقلص، فقد فقدت أراضيها في إفريقيا، وتقريبا جميع جزر البحر الأبيض المتوسط ومعظم أراضيها في البلقان بالإضافة إلى أجزاء من شرق الأناضول، كما انها كانت مثقلة بالديون ومتأخرة صناعياً عن ركب منافسيها الاوربيين بعد ان كانت ملهمة لهم، و اضحت مزعزعة سياسياً بعد ان كانت قوة مركزية رادعة ومستقرة.
ومع ذلك امتدت أراضي السلطان على مساحات شاسعة من قارتي اوروبا و آسيا و امتدت أراضيه شرق البلقان و الاناضول نزولاً لجميع البلدان العربية في المشرق إلى ما وراء جبال اليمن والخليج العربي حيث ترددت شائعات عن وجود تجاويف شاسعة من السائل الأسود اللزج قريبا ليحل محل الفحم كمصدر رئيسي للطاقة في العالم.
ربما كان بإمكان بريطانيا وفرنسا وروسيا ضرب العثمانيين وتقسيم الغنائم. لكن سادت الرؤوس الأكثر حكمة حينما اجتمعوا في مقعرة سرية على متن مدرعة بريطانية قبالة سواحل النرويج في أواخر يوليو، عمل سياسي بعيد النظر اسمه ونستون تشرشل، اللورد الأول للأميرالية آنذاك مع دبلوماسيين فرنسيين وروس وأتراك لإبرام معاهدة تحفظ التوازنات لبعض الوقت حيث قاد الأتراك صفقة صعبة، كما كشفوا بخجل لأن ألمانيا أيضًا كانت تقدم الأسلحة والذهب لهم مقابل تحالفهم.
أثبتت الصفقة التي تم التوصل إليها أنها مفيدة للغاية لجميع الأطراف المعنية. من فرنسا، تلقت تركيا إعفاءات سخية من الديون وألغت روسيا جميع مطالباتها بالأراضي العثمانية، وانسحابا محدودًا حسن النية من أجزاء من الأناضول و تنازل تشرشل عن الدفع الإضافي لسفينتين حربيتين كانت أحواض بناء السفن البريطانية تبنيهما لتركيا. وتلقت تركيا تأكيدات بأن أطرافها الضعيفة لن تتعرض للهجوم، بالنسبة الإمبراطورية تم افتراسها لمدة قرن من الزمان مثل الذبيحة كان هذا بمثابة فرصة جديدة للحياة.
كانت مكافآت الوفاق الثلاثي كبيرة بنفس القدر، فبعد منحهم حق الوصول الحصري إلى البحر الأسود، يمكن الحلفاء روسيا إعادة إمداد جيوش القيصر عندما تعثرت في بداية الحرب.
و مع عدم وجود حاجة للدفاع عن حدودها التركية نقلت روسيا الآلاف من المحاربين من القوقاز لدعم خطوطها الأمامية. وقعت تركيا اتفاقيات منفصلة تعترف بالسيطرة البريطانية على قناة السويس وعدن ومشيخات الساحل المتصالح في الخليج العربي الامارات العربية المتحدة ) وتأمين الممرات البحرية لنشر بريطانيا الهائل للقوات من المستعمرات إلى الجبهة الغربية. وانضم الجيش التركي في جبهة عريضة ضد النمسا والمجر. يُعتقد أن مزايا الحلفاء هذه مجتمعة قد أدت إلى تقصير الحرب بمقدار عام، ربما لم ترفع القوى المركزية دعوى من أجل الهدنة بمجرد دخول أمريكا الحرب لكنها قاتلت بدلاً من ذلك.
بعد تحييدها من الانهيار اتبعت حكومة الإمبراطورية العثمانية إصلاحات جذرية بعد تحدي الميول القومية المتزايدة من الرعايا العرب والأرمن واليونانيين والأكراد ، أصدر السلطان محمد الخامس فرمانا تاريخيا أو إعلانا يعترف بها كأمم فردية متحدة تحت السيادة العثمانية.
احتفظ السلطان بلقب الخليفة، قائد المؤمنين السنة التي كان أجداده قد حصلوا عليها قبل خمسة قرون. وأظهرت الإمبراطورية وجهها القاسي عندما عمدت إلى قمع من كانت تطلق عليهم المتعصبين الدينيين في الدرعية وسط الجزيرة العربية بقيادة رجل يُدعى ابن سعود الذي اكتسب أتباعا من خلال جهده المتصل وسعيه ليعيد الإسلام إلى دولة أنقى.
كانت هذه الهجمة الوحشية على الدرعية غير مبررة وعززت الشعور المتنامي بالحس القرني للاتراك العثمانيين على حساب الخلافة الجامعة للمسلمين حيث كان ينظر إلى الإمبراطورية العثمانية على أنها مكان متسامح. فعندما طرد الاضطهاد النازي اليهود من أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي، لجأ الكثيرون إلى الدولة العثمانية كما فعلوا عندما طردوا من إسبانيا بعد سقوط غرناطة عام 1492 ، ربما كانت الهجمة التركية على الدرعية من الخيرة الخفية فقد عززت التوجه التوحيدي والايماني لابن سعود و لم تزد هذه الهجمة الشرسة السعوديين الا عزيمة وصلابة على توحيد الجزيرة العربية والعودة بها الى الاسلام النقي الخالي من الشركيات و الوساطات والخرافات. هذا حفيد ابو سعود يعيد مجد أجداده و يؤسس الدولة السعودية الثالثة باسم المملكة العربية السعودية وهاهي تكمل اليوم عامها الثاني والتسعين برؤيتها المباركة ۲۰۳۰ واثقة بالله ومتطلعة لمائة اخرى من العدل والامن والعزة والكرامة والازدهار تضاف على القرون الثلاثة منذ يوم التأسيس.
عودة للدولة العثمانية التي واجهت واقعاً عصيباً عندما نكث التحالف الاوربي البريطاني الفرنسي الروسي بعهودهم فانضمت تركيا إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وحاول الحلفاء غزو إمبراطوريتها وتقسيمها. وبدلاً من أن يسلم تشرشل السفن الحربية التي دفع الأتراك ثمنها، فقد صادرها الصالح البحرية البريطانية. وفي عام 1915 أمر بشن هجوم كارني على تركيا. كلف الهبوط في جاليبولي الحلفاء ثلاثمائة الف ضحية، وقد أسفرت الحملات البريطانية ضد تركيا في العراق والشام عن مقتل مليون شخص آخر. ارتفع عدد الضحايا في تركيا بنهاية الحرب إلى ما بين ثلاثة و خمسة ملايين شخص، أي ما يقرب من ربع السكان العثمانيين حينذاك، وعندما استولت بريطانيا وفرنسا على أراضي العثمانيين العربية، تسبب قمعهم للانتفاضات في إزهاق آلاف الأرواح، ترك الفرنسيون والطليان والانجليز البلدان العربية التي تقاسموها بعد انهيار الدولة العثمانية و احتلوها وأعادوها الى الوراء قرون مظلمة من الفوضى و الظلم والفساد.
