عندما سأل يوربيديس Euripides سقراط عن رأيه في كتاب «حول الطبيعة On Nature» لهيراقليطس الأفسسيّ (حوالي 553- 475 قبل الميلاد)، أجاب سقراط بأن الجزء الذي فهمه كان ممتازًا، وكذلك الجزء الذي لم يفهمه.
هذان وجهان لهيراقليطس. فمن وجه، هو الفيلسوف الغامض، «ريدلر الأسود Dark Riddler» الذي حتى سقراط وجد صعوبة في فهمه. ومن الوجه الآخر يوجد عمق في عمله يستحقّ الاستكشاف، وهو عمل جدير بهذا العمق. ونجد تعبيرًا عن هذه الازدواجيّة في أنشودة الشاعر التراجيديّ القديم سكيثينوس Scythinus:
«لا تتعجّل كثيرًا في الوصول إلى نهاية كتاب هيراقليطس الأفسسيّ؛ فالطريق صعب المسير. فيه الكآبة والظلام الذي بلا نور. لكن إذا استرشدتَ بخبير، فإن الطريق يضيء على نحو أقوى من ضوء الشمس» (Diogenes Laertius IX, 16).
يُعتبر هيراقليطس صعبًا وجديرًا بالقراءة له، لكنه أيضًا صوفيّ، حيث يلزم البدء في الاطّلاع على عمله الاستعانة بمساعد يشبه مساعد الكاهن. وفي هذا الصدد، هناك تشابه بينه وبين جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770- 1831)؛ فيهغل فيلسوف صعب بلا شكّ، وغالبًا ما يتعذّر فهمه، ويمكن الكشف عن أسراره على نحو أفضل من خلال مقدّمة مناسبة.
لقد شعر هيغل نفسه أيضًا بجاذبية هيراقليطس. وهذا مصرَّح به في عمل هيغل ""محاضرات في تاريخ الفلسفة"" (1830)، حيث يقول: «هنا نرى الأرضيّة؛ فليس هناك اقتراح لهيراقليطس لم أتبناه في منطقي» (trans. E.S Haldane, p.278). ومع ذلك، فإن قراءة هيغل لهيراقليطس في عمله ""محاضرات في تاريخ الفلسفة"" ليست قراءة مؤرّخ يَدرس شخصيّة تاريخيّة؛ وإنما هي تكريم لسلف روحيّ يمكن تتبّع أسس فلسفته حتى نصل إليه.
تتمثّل إحدى مشكلات هذه النسب الروحيّ في أنه ينطوي على الكثير من التكهّنات التي عفا عليها الزمن. ومن المشكوك فيه جدًّا أن يكون هيراقليطس قد قصد الأمور التي فسّرها هيغل. علاوة على ذلك، فإن عمل الأفسسيّ لم يبق منه اليوم سوى أجزاء مسترجعة من أعمال المؤلّفين اليونانيّين والرومانيّين والمسيحيّين الذين غالبًا ما شوّهوا معنى الأصل أيضًا. لا يعالج هيغل هذه المشكلة بأيّ حال، وغالبًا ما يتناول الشذرات خارج سياقها الأصليّ، وهو في أحسن الأحوال يقدّم تفسيرات غامضة.
ومع ذلك، على الرغم من المسائل المتعلقة بكيفيّة تفسير هيغل للشذرات، إلا أن محاضرته عن هيراقليطس تصوّر روح الفيلسوف اليونانيّ على نحو فريد. وخلف الطبقات المتعدّدة لأفكار هيغل، لا يزال اللوغوس الهيراقليطيّ (λόγος)، أو «المبدأ الإلهيّ للعقل» يتألّق بإشراق. علاوة على ذلك، كان هيغل من الفلاسفة الغربيّين القلائل على مدى قرون، إن لم يكن الأول، الذين فهموا فهمًا صحيحًا المبادئ الهيراقليطيّة المتعلّقة بالجريان المستمرّ ووحدة الأضداد، التي هي الأفكار التي تشكّل أيضًا أساس ديالكتيك هيغل. وهذا يعني أن محاضرة هيغل عن هيراقليطس هي مقدّمة جيدة للمفاهيم اليونانيّة الأعقد، بل وهي مقدّمة أفضل لفلسفة هيغل. وهذه الطريقة تشبه الطريقة التي تكون بها ملاحم هوميروس أكثر فائدة في فهم زمن هوميروس من فهم العصر البرونزيّ اليونانيّ المتأخّر الذي قُرئت فيه، حيث كان يُنظر إليها فيه بالفعل على أنها «كلاسيكيّات».
Hegel reading Heraclitus by Stephen Lahey 2021
هيراقليطس وفقًا لهيغل
تعني كلمة «ديالكتيك» عملية تفسيريّة تتضمن أفكارًا متناقضة للوصول إلى نتيجة ما. دعونا ننظر أولًا إلى الديكالتيك كما يستخدمه هيراقليطس. يتكوّن المنهج الديالكتيكيّ من ثلاث لحظات. ففي البداية، «لحظة الفهم»، حيث تُحدَّد فكرة واحدة (الوجود، مثلًا) تحديدًا صارمًا. وفي اللحظة الثانية، التي تسمى «الديالكتيكيّة»، ننتقل إلى الفكرة المعاكسة تمامًا (اللّا وجود). واللحظة الثالثة هي «التأمليّة»، وهي تؤدّي إلى فهم وحدة الفكرتَيْنِ السابقتَيْنِ، حيث يُوفَّق بينهما الآن (في هذه الحالة، في الصيرورة).
إن ديالكتيك هيراقليطس هو ديكالتيك إيجابيّ: فهو لا يهدف إلى إثبات ما هو غير موجود (مثل الإيليون)، ولا يقول: إن جميع الآراء نسبيّة (مثل السفسطائيّين). وإنما يبحث عما هو موجود، ما هو حقيقي. ينسب هيغل الفضل إلى هيراقليطس في تصوّره للشكل الديالكتيكيّ المطوَّر. ووفقًا لهيغل، فإن هيراقليطس هو أول من صاغ أن «المطلق""»-الكل أو الوحدة الشاملة التي تكمن وراء كل شيء- موجود في وحدة الأضداد، أولًا كـ «وجود»، وثانيًا كـ «صيرورة» ثابتة. كان الخصم الفلسفيّ الرئيس لهيراقليطس هو بارمينيدس. وفي مقابل القول المأثور لبارمينيدس: «الواحد... موجود، وليس من الممكن ألّا يكون موجودًا»، اعتقد هيراقليطس أن كل شيء في حالة تغيّر مستمرّ -أن كل شيء في صيرورة- ومن ثَمّ بمعنى ما، ما ""يكون"" هو في نفس الوقت ""لا يكون"".
وفقًا لهيغل، برفقة هيراقليطس، تصل الفلسفة إلى المستوى الرفيع من «الشكل التأمليّ»، وهو نوع من التفكير قادر على تفسير كل شيء دون فجوات. وبالنسبة له، كان المفكرّون السابقون، مثل بارمينيدس وزينون يمعنون النظر في ""فهم مجرد"" ذي قيمة أقلّ، حسب ما يُفترض. بالإضافة إلى ذلك، يعتقد هيغل أن من الظلم أن يُدعى هيراقليطس بالغامض. ففي ضوء الحاجة إلى لغة معقّدة لوصف الأفكار المعقّدة، فإن هيراقليطس هو سيّد المفاهيم المعقّدة. والذين لا يستطيعون فهمها بالكامل يخلطون بين التعقيد والغموض من أجل تبرير فشلهم في الفهم. وهنا، يستشهد هيغل مرّة أخرى بقول سقراط: إن الوصول إلى قاع هيراقليطس «يتطلب غواصًا ديلوسيًّا Delian [نسبة إلى جزيرة ديلوس – المترجم]»؛ العمليّة التي تذكّره بصيد اللؤلؤ.
المبدأ المنطقيّ
بالنسبة لهيراقليطس، فإن الشيئَيْنِ المتعارضَيْنِ يتّحدان في واحد لخلق الانسجام، وكل ما هو موجود يتشكّل من خلال صراع أجزائه المتعارضة. وقد عبّر عن ذلك في فقرات متعدّدة من كتاباته، مثل ما يأتي:
«الناس لا يعرفون كيف يتّفق ما هو مختلف مع نفسه. إنه تناغم بين التوتّرات المتعارضة، مثل تلك الموجودة في القوس والقيثارة» (B51, trans. T.M. Robinson, 1987).
توجد صيغة أخرى لهذا المبدأ في عبارة هيراقليطس القائلة: إن العسل مذاقه حلو للأصحّاء ومرّ للمرضى. في هذه الحالة، العسل له صفتان متعارضتان، تمامًا مثلما أن ماء البحر هو موت للإنسان وحياة للأسماك: «إن البحر هو أنقى المياه وأنظفها. يمكن للأسماك أن تشربها وهي جيّدة لها؛ أما للرجل فهي غير صالحة للشرب ومدمّرة له» (B61).
يستنتج هيغل، بتفسير هذه الشذرات، أن «الحقيقة فقط هي وحدة الأضداد المتميّزة، ووحدة... التعارض الخالص بين الوجود واللّا وجود... الوجود واللّا وجود في الوقت نفسه» (Lectures p.282). هذا هو المبدأ المنطقيّ الهيغليّ الأساسيّ (نسخة هيغل من اللوغوس): وحدة الوجود واللّا وجود اللذين يشكّلان معًا ""المطلق"". علاوة على ذلك، في كتاب ""علم المنطق Science of Logic"" (1816) لهيغل، بعد فحص أوّلي، وُجد أن الوجود الخالص واللّا وجود الخالص هما مفهومًا لا معنى لهما إذا نُظر إليها على نحو مستقلّ عن بعضهما البعض (132- 134§). بدلًا من ذلك، يمكن تعريفهما وفهمها بشكل صحيح فقط بالانتقال من حالة العدم إلى حالة الوجود. وهذه الحركة من حالة إلى أخرى هي الصيرورة. إنها الثابت الوحيد، وهي الصيرورة التي تركّب تولّف منطقيًّا بين العدم والوجود.
إن مبدأ الحركة المستمرّة، مبدأ الصيرورة، هو أيضًا مفتاح لفهم هيراقليطس. ويلخصه أفلاطون بإتقان في محاورته ""كراتيلوس"" (402a): «يقول هيراقليطس، كما تعلمون، إن كل الأشياء تتحرّك، ولا يبقى شيء ساكنًا، وهو يشبّه الكون بتيّار النهر، قائلًا إنه لا يمكنك أن تضع قدمك مرتَيْنِ في نفس النهر». لكن أشهر الأمثلة، بفارق كبير، هي الأمثال المأثورة المتعلّقة بالنهر عن هيراقليطس نفسه:
«لا يمكنك أن تضع قدمك في نفس النهر مرتَيْنِ؛ لأن الميّاه العذبة تتدفّق عليك دائمًا» (B12).
«نحن نخطو ولا نخطو في نفس النهر؛ نحن نكون ولا نكون» (B49a).
إن العالَم في حالة تغيّر مستمرّ، ولا شيء يبقى على حاله، فكل شيء يتغيّر، كل شيء يتحوّل: إن تعبير ""كل شيء يجري"" - Panta rhei – هو فلسفة هيراقليطس مركّزة في كلمتَيْنِ. تتطلّب هذه الحركة المستمرّة للوجود فاعليّة للوجود متمثّلة في تقسيمه لنفسه إلى أضداد تكون كيانات متمايزة وأجزاء من الوجود في الوقت نفسه.
لقد تقدَّم هيغل بهذه الأفكار، في محاضرته عن هيراقليطس، خطوة إلى الأمام لشرح الهويّة. إن الذاتيّة هي نقيض الموضوعيّة، وبما أن «كل منهما هو ""آخر"" لـ ""الآخر"" باعتباره ""الآخر"" له، فلدينا هنا هويتهما». والنقطة المهمّة هي أنه دون ""الآخر"" وتداعياته لا توجد ذات، حيث لا يمكن تعريف الذات إلا بشيء آخر غير نفسها. لذا فإن هويّة الشيء هي نتيجة لعملية ديالكتيكيّة. هذا هو بالضبط السبب في أن هيغل قد كتب في ""فينومينولوجيا الروح"" (1807, Φ 178) أن الوعي الذاتي لا يوجد إلّا من خلال التعرّف عليه من قِبل وعي ذاتيّ آخر. لكن هذا يوضّح جيّدًا كيف أن الكون بالنسبة لكل من هيغل وهيراقليطس ليس محدّدًا ومستقرًّا، وإنما هو متحرك ومتغير. إن الوجود هو عمليّة – عمليّة الصيرورة.
الزمن والنار
يواصل الألمانيّ بتفسير مفهومَيْنِ هيراقليطيّان أكثر أساسيّة: الزمن والنار.
إن الزمن بالنسبة لهيراقليطس هو نفس تجسيد الصيرورة، وهو شكلها الأول. إنه الصيرورة الخالصة، والتناغم بين الوجود واللّا وجود المتعارضَيْنِ. ويرى هيغل أنه «في الزمن لا يوجد ماضي ومستقبل، وإنما يوجد الآن فقط، وهذا موجود، لكنه ليس فيما يتعلّق بالماضي؛ وذاك غير موجود، كمستقبل، يتحوّل إلى موجود» (Lectures, p.287).
بالنسبة إلى هيراقليطس، فإن النار هي المبدأ الأساسيّ الذي من خلاله يُخلَق كل شيء ويعود إليه كل شيء. ويمكن أن تأخذ النار شكل كل شيء وكل شيء يمكن أن يأخذ شكل النار، في عملية خلق وتدمير مستمرّة. يجادل هيغل بأن هيراقليطس لم يعتقد حقًّا أن كل شيء صُنع من النار بالطريقة التي اعتقد طاليس بها أن كل شيء أتى من الماء؛ وإنما اختار النار كاستعارة لقوّة أنها تُغيِّر شكلها باستمرار. فالنار لا تسكن أبدًا ودائمًا في حالة اضطراب. وغالبًا ما تبدو النار، على عكس الأرض أو الهواء أو الماء التي غالبًا ما تظهر ساكنة، عمليّة في حدّ ذاتها. وبهذه المعاني، يمكن النظر إلى النار على أنها تمثّل فكرة الصيرورة من منظور العمليّة الطبيعيّة للتحوّل الماديّ – على عكس الزمن، الذي هو التمثيل المجرّد للعملية.
إن العمليّات الطبيعيّة التي تمثّلها النار تدمّر المادّة وتخلقها. هذان مساران متميّزان. وفي الواقع، نجد عند هيراقليطس «طريقًا للأسفل» (ὁδός κάτω)، حيث تتحوّل النار إلى رطوبة، ثم تتحوّل إلى ماء، ثم يتكثّف ليصبح تربة، و«طريقًا للأعلى» (ὁδός ἄνω)، حيث تصبح الأرض ماء، ثم يعطي الماء شكلًا لكلّ شيء آخر. إن هذه العمليّة، كأيّ شيء آخر، لا تتوقّف أبدًا. ويقول هيغل: إن الطريق الصاعد هو عمليّة التمايز والخلق التي تؤدّي إلى الوجود، والطريق النازل هو عمليّة التدمير، التي تؤدّي إلى اللّا وجود. ويخلص هيغل إلى أن «الطبيعة دائرة إذن».
الوعي والحقيقة
يقول هيغل، معربًا عن إعجابه بقدرة هيراقليطس على تفسير الديالكتيك باستخدام تشبيهات بسيطة مستمدّة من الحياة اليوميّة، إن لديه «أسلوبًا جميلًا وطبيعيًّا يشبه أسلوب الأطفال في التحدّث بصدق عن الحقيقة» (p.293). هناك شيء مسلٍّ بشدّة في أن نقرأ لأحد أكثر الفلاسفة غموضًا في كل العصور ادّعاءه أن هيراقليطس، المعروف أيضًا بـ «الفيلسوف الغامض»، لديه «أسلوب يشبه أسلوب الأطفال» في التحدّث عن الحقيقة. ويرى هيغل أيضًا في هيراقليطس أصول مفاهيم أخرى مركزيّة لمنظومته الفكريّة، مثل وحدة الموضوع والذات، والطبيعة كليّة العلم للروح المطلقة (Geist)، ووحدة الخبرة. وقد بُحثت هذه الأفكار بدقّة في القسم الثالث من محاضرته، الذي يجيب عن الأسئلة: «كيف يصل اللوغوس إلى الوعي؟» و«كيف يرتبط بالروح الفرديّة؟». ويعتقد هيغل أن اليونانيّين رفضوا الواقع الحسيّ باعتباره المجال الذي يمكن للمرء أن يجد فيه الحقيقة. إذا كان كل شيء موجودًا هو غير موجود أيضًا بالنسبة لهيراقليطس، فإن هذا يعني أن كل ما نراه على أنه حقيقيّ ليس حقيقيًّا أيضًا. وباتّباع هذا المسار، يستنتج هيغل أن «ليس هذا الوجود المباشر، وإنما الوسيط المطلق، الوجود كفكر، الفكر نفسه، هو الوجود الحقيقيّ» (p.294). بعبارة أخرى، يمكن للمرء أن يميّز الحقيقة ليس من خلال الملاحظة، وإنما بالعقل وحده.
يقدم هيغل تفسيرًا شيّقًا آخر لبعض فقرات هيراقليطس عن النوم والتعلّم والحقيقة:
«كل ما نراه عندما نستيقظ هو الموت، كما أن كل ما نراه في النوم هو النوم» (B12).
«إن العيون والآذان شهود سيّئون على الرجال الذين لديهم أرواح بربريّة» (B107).
«إن تعلّم أشياء كثيرة لا يعلّم الفهم، وإلا لعلّمه هسيودوس وفيثاغورس، ومرة أخرى كزينوفانيس وهكتيوس الملطيّ» (B40).
يفسّر هيغل هذه الشذرات لإظهار التمييز بين العقل الجزئيّ والعقل الكلّي – بين فكر الفرد (أو الواعي الذاتيّ) والفكرة (الوعي الموضوعيّ أو المطلق) أو كما يسميها هيراقليطس، اللوغوس. يشير مصطلح «الوعي» هنا إلى الدراية المعرفانيّة cognitive awareness، وغالبًا ما يستخدمه هيغل بشكل تبادليّ للإشارة إلى كلٍّ من وعي الذات بموضوع ما وإلى الدراية الذاتيّة للذات. ووفقًا لهيغل، أسس هيراقليطس لأول مرة وحدة الوعي الذاتي والموضوعي –وهي فكرة هيغليّة رئيسة– عندما أشار ضمنيًّا إلى أن الرجل المستيقظ مرتبط بالأشياء بشكل كلّيّ. ويعبّر سيكستوس إمبيريكوس Sextus Empiricus عن بعض الأفكار ذات الصلة بهذه المسألة في Adversos Mathematicos, VII.127-133. هنا ينسب إلى هيراقليطس أن النوم هو حالة تتوقّف فيها حواسّنا عن العمل، التي هي ما نبحر به في هذا العالَم. وتتوقّف الذات عن التواصل مع اللوغوس، والوعي الموضوعيّ، وهذه العزلة تجعل ما نختبره في نومنا حلمًا. والاتصال الوحيد بالعالم في حالة النوم هذه هو أنفاسنا، التي تشبه جذرًا يبقينا مرتبطين بالواقع. في المقابل، عندما نكون مستيقظين، فإننا نؤسّس علاقة واعية مجزّأة لكنها حقيقيّة مع الواقع واللوغوس. وإذا كان سيكستوس يفهم هيراقليطس الفهم الصحيح، فإن هيراقليطس يرفض أيضًا أولئك الذين يزعمون أنهم تلقّوا الحكمة من الإله أثناء نومهم.
في شذرة أخرى، يبدو أن هيراقليطس يدافع عن أنه يمكننا الوصول إلى معرفة موضوعية باللوغوس. قد يبدو أن هذا يتعارض مع مذهبه في الجريان المستمرّ، ما يعني أن المعرفة التجريبيّة لا معنى لها لأن الاشياء تتغير طوال الوقت. ومع ذلك، يدعو هيراقليطس هنا إلى استخدام الملاحظات التجريبيّة المتغيّرة للوصول إلى معرفة ثابتة بالواقع:
«على الرغم من أن هذه الكلمة [اللوغوس] حقيقة دائمًا وأبدًا، إلا أن الناس لا يستطيعون فهمها عندما يسمعونها لأول مرة كما كان حالهم قبل أن يسمعونها في الأصل؛ لأنه، على الرغم من أن كل الأشياء تحدث وفقًا لهذه الكلمة، يبدو أن الناس لا يتمتعون بأيّ خبرة بها، عندما يجرّبون أقوالًا وأفعالًا مثل ما أشرت إليه، ويقسمون كل شيء وفقًا لنوعه ويظهرون صحّة كونه كذلك. لكن الناس الآخرين لا يعرفون ما يفعلونه عندما يستيقظون، مثلما أنهم ينسون ما يفعلونه في أثناء النوم» (B1).
وتعليقًا على هذه الشذرة، التي يُعتقد أنها مقدمة لكتاب هيراقليطس، يقول هيغل (pp.296-97):
«كلمات رائعة ومهمّة! لا يمكننا التحدث عن الحقيقة بطريقة أكثر صدقًا أو أقلّ تحيزًا. إن الوعي باعتباره وعيًا بالكليّ، هو وحده وعي بالحقيقة؛ لكن وعي الفرد والفعل الفرديّ، الأصالة التي تصبح تفرّدًا للمحتوى أو للشكل، هو غير صحيح وسيّئ. وهكذا يتشكّل الشرّ والخطأ من عزل الفكر وبالتالي الانفصال عن الكليّ. عادة ما يعتبر الناس، عندما يتحدثون عن التفكير في شيء ما، أنه يجب أن يكون شيئًا جزئيًّا، لكن هذا مجرّد وهم».
يختتم هيغل محاضرته عن هيراقليطس بتعديل كلمات سقراط التي استخدمها في مقدّمته:
«ما تبقّى لنا من هيراقليطس ممتاز، ويجب أن نخمّن أن ما فُقد كان ممتازًا. أو إذا كنا نرغب في التفكير في قدَرنا كما هو الحال دائمًا في ما يتعلّق بما هو الأفضل لنحفظه للأجيال القادمة، فيجب أن نقول عما لدينا من شذرات هيراقليطس أنها تستحقّ هذا الحفظ».
أنطونيوس شالياكوبولوس Antonis Chaliakopoulos عالم آثار من أثينا مهتمّ بالاحتفاء بالفنّ والفلسفة الكلاسيكيّين.
