كيف ينبغي علينا تقييم مفكّري الماضي المثيرين للجدل؟ لقد أثارت هذه المسألة مؤخّرًا العديد من المخاوف حيث تتمثّل إحدى الصّعوبات فيها بأنّنا ننزع إلى إدانة الشّخصيّات التّاريخيّة انطلاقًا من آرائنا الأخلاقيّة الحاليّة، ولكنّ هذه النّزعة إشكاليّةٌ أحيانًا، وعلينا اتّخاذ حذرنا كي لا يتمّ إلغاء النّاس ظلمًا.
خذ الفيلسوف إيمانويل كانط (1724-1804) مثلًا جيّدًا على ذلك، فهو المعروف بمساهماته الأساسيّة في النّظريّة الأخلاقيّة وغيرها من المجالات. فعلًا أدّت نظريّته في الأمر القطعيّ «Categorical Imperative» إلى اعتباره فيلسوفًا من بين أهمّ الفلاسفة الأخلاقيّينَ. لذا سيعجب المرء إذا عرف أنّ لدى كانط كتاباتٍ يمكن اعتبارها لا أخلاقيّةً تمامًا في عصرنا، وذلك وفقًا لبعض الأكاديميّين. على سبيل المثال، عبّر كانط عن اعتقاده بتفوّق الأوروبّيّينَ البيض على الأعراق الأخرى (في الأعراق البشريّة المختلفة «Of The Different Human Races»، 1777). طبعًا يرفض معظم النّاس هذا الرّأي لأسبابٍ لا تحتاج شرحًا مطوّلًا. أمّا السّؤال الذي ينبغي علينا الإجابة عليه إثر هذه المعلومات فهو الآتي: ما معايير تقييم مفكّري الزّمن الماضي؟
ثمّة بعض الأجوبة الشّائعة التي أظنّها مبسّطةً، والحقّ أنّ محاولة وضع طريقةٍ للإجابة ليست سهلةً كما يخال البعض. أودّ أنْ أشرحَ كيف سأحاول التّطرّق إلى هذه المخاوف في مقالتي. سأركّز على كانط، وذلك لأنّ حالته مهمّةٌ وتثير مسائلَ مثيرةً للاهتمام، ولو أنّ ما سأقوله فيه يمكن تطبيقه عمومًا.
تمييزٌ مهمٌّ
عندما يصطدم النّاس بعبارةٍ إشكاليّةٍ غالبًا ما يركّزون على الفرد الذي وضعها وعلى ملامح الفرد نفسها. وهذا أمرٌ طبيعيٌّ لأنّه يساعدنا على توضيح ما أمكنه فعله، وما كانت دوافعه. لكنّني لا أظنّ أنّ التّركيزَ على الشّخص هو المسار السّليم الذي يجب اتّباعه في حالة مفكّري الزّمن الماضي؛ فهناك اعتباراتٌ أخرى غير حياتهم الخاصّة لا بدَّ لها أنْ تدخلَ في الحسبان.
ما أعتقد أنّنا بحاجةٍ إليه هو إقامة تمييزٍ بين الشّخص وأفكاره. وتحديدًا ثمّة اختلافٌ ما بين الفرد، وما بين الأفكار أو النّظريّات المكتوبة أو الموثّقة في كتاباته. مثلًا، يوجد الفرد في مكانٍ وزمانٍ محدّدَينِ، لكنّ الأفكارَ هي أعمّ أو لا زمنيّةٌ.
إنّ هذا التّمييز مهمٌّ؛ لأنّ ما يعنينا هو ما أسهم به الشّخص بأفكاره ونظريّاته، لا الشّخص بصفته فردًا. فالمفكّرون أمثال كانط يدوم ذكرهم بسبب تأثير نظريّاتهم على تقدّم الفهم البشريّ لا بسبب طريقتهم في العيش. وهذه نقطةٌ مهمّةٌ لأنّ واقعةَ نطق الفرد كلامًا لا أخلاقيًّا لا يشير بالضّرورة إلى أنّ إحدى نظريّاته مرفوضةٌ ولا بدَّ من إسقاطها. يجب علينا تقبّلُ واقعة أنّ الأشخاص الذين أخطأوا في أمرٍ محدّدٍ يمكنهم أنْ يكونوا مصيبينَ في مسائلَ أخرى.
وإحدى الطّرق التي يمكننا من خلالها توضيح هذه الواقعة هو اتّخاذ ألبرت أينشتاين مثلًا. لقد أشار بيتر دراير مؤخّرًا (‘Was Albert Einstein a Racist?’, The American Prospect ,2018) إلى أنّ أينشتاين عبّر عن آراءَ تنبذها معايير عصرنا، إذ قدّمَ في كتاباته الخاصّة ملاحظاتٍ غير ملائمةٍ حول بعض الفئات. وعلى الرَّغم أنّ هذا الكلام محزنٌ لصدوره عن لسان عالمٍ وإنسانٍ ملهمٍ فلا أظنّ أنّه سيدحض نظريّته في النّسبيّة العامّة «General Theory of Relativity»، كما لا أعتقد أنّ ذلك يعني وجوب توقّفنا عن تدريسها.
ويمكن اعتماد هذه المقاربة التي اتّخذتُها أعلاه لتقييم الفلاسفة أمثال كانط. يجب علينا أنْ نسلّمَ بوجودِ اختلافٍ ما بين آراء المرء الخاصّة وما بين (مثلًا) نظريّتهم الأخلاقيّة. لذا إنْ تكن نظريّته الأخلاقيّة صحيحةً أو ذات قيمةٍ فهي لا تقوم على ما إذا تفوّه خلال حياته كلامًا نجده معذورًا أخلاقيًّا. إنّما في حال كانت النّظريّة صحيحةً فهو أمرٌ يجب تقييمه بناءً على المزاعم التي تطرحها النّظريّة نفسها، وكيف تتطابق هذه المزاعم مع الأدلّة الموجودة.
ما المعايير؟
حالما أقمنا هذا التّمييز بين الفلاسفة بوصفهم أفرادًا وبين نظريّاتهم لا بدَّ لنا من مراجعة المعايير التي اعتمدنا عليها في تقييمنا. عند تقييم مفكّرٍ من الماضي أعتقد أنّه ينبغي علينا الشّروع في مراجعة نظريّاته، ثمّ التّطرّق إلى مواقفه الإشكاليّة.
ولا بدّ لنا من اتّخاذ معيارٍ واحدٍ عند التّطرّق إلى مواقف الفلاسفة الإشكاليّة وهو ما إذا كانت هذه المواقف محوريّةً في نظريّتهم أم لا. وفي هذا الإطار باستطاعتنا التّفكير بثلاثة احتمالاتٍ لمراجعتها: إذا قال أحدهم كلامًا مرفوضًا وغير مرتبطٍ بنظريّته، كمثل حالة أينشتاين، فلن أعتبر موقفه يشير إلى إشكاليّةٍ في النّظريّة نفسها. وفي هذه الحالة أقصى ما يمكن اعتبار هذا الموقف موقفًا طارئًا أو عرضيًّا على النّظريّة. أمّا إذا قال أحدهم كلامًا مرفوضًا ذا ارتباطٍ هامشيٍّ بنظريّته، فهو أمرٌ مؤسفٌ، ولكنْ لا يجب الخلط بينه وبين حقيقة أو قيمة النّظريّة بعامّةٍ. أمّا إذا قال أحدهم كلامًا ذا ارتباطٍ محوريٍّ بنظريّته، كمثل شخصٍ يدافع عن علم تحسين النّسل «eugenics»، فعندئذٍ لدينا سبب في التّسليم بأنّ النّظريّة نفسها هي إشكاليّةٌ وينبغي رفضها. ستساعدنا هذه المقاربة على إسقاط الآراء الإشكاليّة «محوريًّا»، فيما تفسح مجالًا للنّقاش في حالاتٍ مشابهةٍ أخرى. أمّا مدى محوريّة الرّأي قبل إثارته القلق فهو أمرٌ يجب أنْ يؤخذ في الحسبان عند تقييم المرء للنّظريّة. ويتطلّب تحديد هذا الأمر مراجعةً متأنّيةً لمحتوى النّظريّة وطبيعة الرّأي المطروح ومدى ارتباطهما. وفي هذا السّياق علينا تجنّب أيّة إسقاطاتٍ قائمةٍ على التّقييمات المتسرّعة من دون اعتبار الموقف العامّ كما ينزع الإلغائيّون عادةً.
أظنّ أنّها مقاربة معظم الباحثين الذين يدرسون أفكار كانط ولكنّهم لا يتّفقون مع آرائه الإشكاليّة (انظر مثلًا: (‘Kant Was a Racist: Now What?’, David McCabe, APA Newsletter ,2019)). ليست المسألة ما إذا قال كانط كلامًا عنصريًّا أم لا، فهذا أمرٌ مسلّمٌ به، إنّما ما إذا لعبت هذه العنصريّة دورًا في نظريّته الأخلاقيّة الواسعة التّأثير. لقد ظنّ الكثير أنّ آراء كانط المؤسفة لا يجب اعتبارها مؤثّرةً على الجوانب الرّئيسة في نظريّته الأخلاقيّة عمومًا. على سبيل المثال، ينصّ المبدأ الأخلاقيّ الأساسيّ عند كانط والذي بُنيت عليه مقاربته كلّها أنّه يجب علينا «معاملة الآخرينَ كغاياتٍ لا كوسائلَ محضةٍ». وهذه القضيّة عامّةٌ إلى حدّ أنّها تنطبق على كلّ شخصٍ على هذه الأرض، وستحافظ على قيمتها على الرَّغم من مواقف كانط الأخرى، وكذلك على الرَّغمِ من عدم تطبيقه المبدأ على نفسه في هذه الحالات. لذا لا أظنّ أنّه ينبغي علينا إنكار أهمّيّة مساهمات كانط العامّة في فلسفة الأخلاق، ولو كنّا أشرنا إلى تلك المشكلات في بعض ما قاله. (إنْ لم تكن مقتنعًا بهذا الأمر فقد تساعدك معلومة أنّ كانط في آخر حياته الفلسفيّة عبّرَ عن مواقفَ أفادت بتغيّر رأيه عن مواقفه السّابقة في الأعراق، وبدأ يميل نحو رأيٍ أكثر حداثةً في هذه المسألة (انظر مثلًا: (Toward Perpetual Peace, 1795).
إلغاء الماضي
ستساعد هذه المقاربة أيضًا في حالاتٍ أخرى نقرأها يوميًّا. ونظرًا إلى مقارباتنا المختلفة تجاه الماضي، لا عجبَ أنّنا سنعثر على شخصيّاتٍ تاريخيّةٍ قد صرّحت بمواقفَ نخالفها تمامًا. إذ لا يهمّ تواتر هذه المواقف إنّما مكانتها المحوريّة في المساهمات التي قدّمها الشّخص للمجتمع. ستمكّننا هذه المقاربة من إفساح مجالٍ أمام النّقاش المطلوب، كما ستساعدنا أيضًا على تجنّب النّزعات الإلغائيّة الانفعاليّة لأعمال الفرد الكاملة، وهي نزعاتٌ باتت شائعةً جدًّا في ثقافة الإلغاء «cancel culture».
إنّ مشكلتنا الحاليّة قائمةٌ؛ لأنّ الماضي مؤلّفٌ من أفرادٍ ذوي عيوبٍ في شخصيّاتهم، كحال البشر جميعهم، وطريقة استجابة النّاس لظروفهم التّاريخيّة يمكنها أنْ تكونَ معقّدةً. وعلينا التّطرّق إلى هذا التّعقيد عند مراجعة المفكّرين التّاريخيّين أمثال كانط، ومن ضمنه العلاقة المعقّدة بين أحكام الفرد المسبقة وبين النّظريّات اللّا زمنيّة التي أورثها للأجيال اللاّحقة. ولا يجب علينا تبسيط المسائل عبر اعتماد مقاربةٍ إقصائيّةٍ في طريقة التّعامل مع مفكّري الزّمن الماضي. فما نحتاج إليه هو الاعتدال والحذر عند مراجعة الحسن والسّيئ في تاريخ الفلسفة.
© MARK COUCH 2022
مارك كوتش هو أستاذٌ مشاركٌ في الفلسفة في جامعة سيتون هول «Seton Hall University» في نيوجيرسي حيث يعلّم علم الأخلاق ومواضيعَ أخرى.
