«فأكثر الأسئلة والقضايا التي يطرحها الفلاسفة إنّما تنشأ عن عدم فهمنا منطق لغتنا».
لودفيغ فيتغنشتاين، الرّسالة المنطقيّة الفلسفيّة،4.003.
كتب لودفيغ فيتغنشتاين في الثّالث عشر من مارس سنة 1919م رسالةً إلى برتراند راسل يخبره فيها بانتهائه من كتاب: الرّسالة المنطقيّة الفلسفيّة «Logisch-Philosophische Abhandlung». أمّا النّسخة الإنكليزيّة فقد حملت بعد ذلك العنوان اللاّتينيّ «Tractatus Logico-Philosophicus». وظنّ فيتغنشتاين بعد عقدٍ تقريبًا أنّ الرّسالة احتوت على حلٍّ نهائيٍّ لمشكلات الفلسفة الأساسيّة كلّها.
لا شكّ أنّ الرّسالة تُشكّل تحدّيًّا فعليًّا للفلسفة؛ فهي وليدة مجهودٍ فلسفيٍّ عميقٍ. إنّ غاية فيتغنشتاين فيها حلّ المشكلات الفلسفيّة أو إزالتها بالتّحليل المنطقيّ للّغة، وكذا بإدخال رؤيةٍ متقدّمةٍ حيال العلاقات القائمة بين الفكر واللّغة والواقع، فالكتاب الذي يأخذ على عاتقه تحقيق تلك المهمّة السّامية يُفترض أيضًا أنْ يكون واضحًا مفصّلًا مكثّفًا. وقد سُلِّمَ عمومًا بأنّ الرّسالة أبدعت في توليد نظريّةٍ عامّةٍ لهذه العلاقات، ولكنّها قد كُتِبت بأسلوبٍ مقتضبٍ بأقوالٍ مأثورةٍ مرقّمةٍ «numbered aphorisms» قد تكون ذات بصيرةٍ في الأمور أحيانًا، أو غامضةً أحيانًا أخرى. إنّه أسلوبٌ يستعصي على الشّروحات الواضحة، أو المفصّلة، أو المكثّفة. ولا عجبَ أنّه قد أثار تأويلاتٍ تحليليّةً متضاربةً وردودًا من أعلام الفلسفة، مثل: برتراند راسل، وفرانك رامزي، ورودولف كارناب، وكارل بوبر، وماكس بلاك، وبيتر هاكر، وجاكو هنتيكا، وإليزابيث أنسكومب، وستانلي كافل، وكورا دايمند، وجايمس كونانت، وغيرهم من لائحةٍ طويلةٍ. وبناءً على ما سبق فيصعب علينا تقديم الدّروس الأساسيّة في الرّسالة أو إعادة صياغتها دون إثارة الجدل عند المتخصّصين.
إنّ قراءتك الرّسالة أشبه بمحاولتك العثور على سبيل للخروج من كهفٍ تعلم أنّ فيه مدخلًا واحدًا وسبعة ممرّاتٍ، وأنَّ الرّؤية شبه معدومةٍ. وفي كلّ ممرٍّ قولٌ مأثورٌ أساسيٌّ. أمّا مدخل الكهف المُضاء فنُقشت عليه الحقيقة البديهيّة الآتية: «إنّ العالمَ هو كلُّ ما هنالك» (1)، ودونها مزاعمُ أقلّ استبصارًا. وتظهر لك جدرانٌ مليئةٌ بعباراتٍ مقتضبةٍ، وأنت تُقاد عميقًا إلى داخله، ويخفت النّور تدريجيًّا عند نزولك فيه إلى أنْ تجد نفسك واقفًا في الظّلال، ثمّ تعثر على شقوقٍ في الحيطان نقشها فيتغنشتاين بنفسه؛ لتمرّر الضّوء قليلًا؛ كي يعينك على إيجاد سبيل للخروج. ولكنْ عليك التّفتيش أحيانًا عن مصادر إنارةٍ في نفسك؛ كي تفهم هذه المغارة. أمّا في مسعاك لإيجاد المخرج فيفيد آخر ممرٍّ في الرّسالة القارئ بالتّخلّي عن المعرفة التي اكتسبها منها بعد قراءتها. يقول فيتغنشتاين: «من يفهمني سيدرك أخيرًا [أنّ قضايا الرّسالةَ] تافهة، وذلك بعد أنْ استعملها سلّمًا لبلوغ شيءٍ يتخطّاها. (وإذا جاز التّعبير، فعليه أنْ يرميَ السُّلّمَ بعد أنْ صعد عليه)». (54 /6)
البنية المنطقيّة في صلب الرّسالة.
يمكننا تشبيه الرّسالة ببناءٍ ذي ثلاثة طوابقَ (الواقع، والفكر، واللّغة)، وهيكلٍ صَلبٍ متماسكٍ يرتكز عليه البنيان كلّه (المنطق). ولا يمكن -وفقًا لفيتغنشتاين- تحديد الواقع، أو اللّغة، أو الفكر، دون الرّجوع إلى المنطق؛ لأنّه يجب على علاقاتهم المركّبة امتلاك بنيةٍ منطقيّةٍ، فلا يمكنهم تخطّي المنطق، وإلَّا فسيعني ذلك غياب البنية. إنّ المنطق أساسيٌّ لما نقوله وما نفكّر فيه، ومحوريٌّ أيضًا للواقع الذي نفكّر فيه ونتكلّم عنه. لكنّ ما نقوله أو نفكّر فيه لا يفرض البنية المنطقيّة ولا ينظّمها.
درس فيتغنشتاين الهندسة الميكانيكيّة قبل أنْ يصبح فيلسوفًا لسانيًّا، ثمّ درس أصول الرّياضيّات تحت إشراف برتراند راسل. وهذا ما يفسّر كون الرّسالة شبيهةً بكتابٍ في الهندسة الميكانيكيّة النّظريّة. إذ يصف فيتغنشتاين الواقع فيها أداةً تعمل أجزاؤها على نحوٍ متوازٍ، حيث تولّد على مستوياتٍ مختلفةٍ تجريداتٍ وتشكيلاتٍ مختلفة منها اللّغة والفكر. وتخدم الأقوال المأثورة في الرّسالة غايةً نهائيّةً، مثل عجلات الآلة، فيصف فيتغنشتاين هذه الغاية في تمهيد الكتاب بقوله:
«تكمن غاية الكتاب في إقامة حدودٍ للفكر، أو بالأحرى لا تكمن في إقامة حدودٍ للفكر، بل للتّعبير عن الأفكار؛ لأنه لا بدّ لنا في إقامة حدودٍ للفكر أنْ نجد في جانبَي الحدود ما يمكن التفكير فيه. (أي: لا بدّ لنا أن نتمّكن من التّفكير فيما لا يمكن التّفكير فيه). هكذا لا يمكن رسم هذه الحدود إلّا على اللّغة، وما يكمن في الجانب الآخر سَيُعَدُّ خاليًا من المعنى.».
(trans. D.F. Pears and B.F. McGuinness, Humanities Press, 1961)
أعلن فيتغنشتاين هدفه في الرّسالة، وهو إزالة التّرهات التي تنشأ من الاستعمالات المغلوطة للّغة عن الفلسفة. ودفعه بحثه في هذا الأمر إلى التّفكّر في حدود الفكر واللّغة، لا سيما في حدود المعنى.
وأدّت رحلات فيتغنشتاين الفلسفيّة إلى التّوصّل إلى هذا الموقف، ومفاده أنّ أيّ شيءٍ يمكن التّفكير فيه أو التّعبير عنه باللّغة، يملك معنًى. وعلى حدّ تعبيره: «كلّ ما يمكن التّفكير فيه مطلقًا يمكن التّفكير فيه بوضوحٍ. كلّ ما يمكن التّعبير عنه كلامًا يمكن التّعبير عنه بوضوحٍ». (116 /4) ولكنْ إنْ صحّ أنّ أيّ شيءٍ يمكن التّفكير فيه أو التّعبير عنه باللّغة له معنًى، فكيف يمكننا الحديث عن الخالي من المعنى؟ لا نستطيع -حسب فيتغنشتاين- التّفكير أو التّكلّم عن الخالي من المعنى؛ إذ لا يمكن -وفقًا للتّعريف- التّكلّمُ عن الخالي من المعنى على نحوٍ ذي معنى، أي: على نحوٍ منطقيٍّ. فيكاد يستحيل إظهار الخالي من المعنى، إظهاره يعني أنّك تظهر شيئًا يفتقر إلى بنيةٍ منطقيّةٍ. لذا يقوم فعل التّفلسف عند فيتغنشتاين بإظهار الخالي من المعنى دون تجاوز حدود الفضاء المنطقيّ الذي تكون حدودُه حدودَ المعنى.
إذن التّحليل المنطقيّ للّغة هو المقياس عند فيتغنشتاين. ولكن الواقع أنَّ الفيلسوف قبل شروعه في التّحليل راح يصف غاية أيّ فكرٍ أو تعبيرٍ لسانيّ. وليست عمليّة الوصف عنده مشابهةً مثلًا بتلك التي نجدها عند عالم الفيزياء الذي قد يعرضها على أساس النّظريّات والقوانين العلميّة. يمكن -وفقًا لفيتغنشتاين- اكتشاف بنية الواقع المنطقيّة وتركيبته عبر التّحليل المنطقيّ بدلًا من المعاينة العلميّة أو التّجريبيّة. والخلاصة: تهدف عمليّة وصف الواقع عند فيتغنشتاين إلى تصوير بنيته الصّوريّة أو المنطقيّة، كوصف بنيان البناء عوضًا عن وصف خارجه أو أثاثه.
تقول الرّسالة: «إنّه ثمّة أشياء أساسيّةٌ في الواقعينِ: الفعليّ والممكن». ويولّد الجمع بين هذه الأشياء ما يسمّيه فيتغنشتاين «حالات الأشياء» «states of affairs»، أو الوقائع تيسيرًا. إذ العالم عند فيتغنشتاين ليس مجموع الأشياء، بل مجموع حالاتها، أي: إنّ «العالم مجموع الوقائع لا الأشياء». (1 /1) كذا يحدّد مجموع الأشياء -أي العالم- مجموع الحالات الممكنة للأشياء التي لا تكون موجودةٍ، أو التي يكون وجودها شبه ممكنٍ.
اعثُرْ على طريقك في ممرّات كهف الرّسالة...
تصوير نظريّة الصّورة.
أمّا الآن فتدخل اللّغة والفكر على المشهد. وبناءً على هذا الوصف المجرّد للواقع يمهّد فيتغنشتاين لما دعاه الفلاسفة الآخرون «نظريّة الصّورة للّغة»: «نصوّر الوقائع لأنفسنا». (1 /2) تقول هذه النّظريّة: إنّ بنية الأشياء الصّحيحة التي تقال عن العالم (أو تُفكّر فيه) تظهر بنية العالم نفسه، أي: «إنّ الصّورةَ أنموذج الواقع» (12/ 2)، أي: «لموضوعات الصّورة عناصر الصّورة التي تتطابق معها» (13 /2)؛ إذ يمكننا قياس ما نقوله على ضوء الصّدق والكذب؛ لأنّ «الصّورة إمّا أن تتطابق مع الواقع وإمَّا أن تعجز عن ذلك؛ فتكون صحيحةً أو باطلةً، صادقةً أو كاذبةً». (21 /2) ولكنْ لا تحصر الصّور في تمثيل الوقائع، بل يمكنها تمثيل الحالات الممكنة للأشياء أيضًا. وتجدر الإشارة إلى أنْ لفظة «الصّورة» هي بذاتها صورةٌ، أي: مجازٌ؛ إذ لا يقصِد فيتغنشتاين بها الصور الذهنية، بل ما يعنيه (مجازيًّا) طريقةً في رؤية العالم باللّغة.
تُطرح نظريّة الصّورة في الرّسالة على مرحلتين:
الأولى: يُفَسَّر كيف تعكس بنية الأفكار (أو القضايا) بنية الواقع: «إنّ كون عناصر الصّورة مترابطةً ترابطًا محدّدًا يشير إلى أنّ الأشياء مترابطةٌ بالترابط نفسه». (15 /2)
الثّانية: يُفَسَّر كيف تُظْهِرُ بنيةُ اللّغة بنيةَ العالم، وكما قال فيتغنشتاين: «أن تعني حدود لغتي حدود عالمي». (6 /5) ثمّة روابط تشاركيّة بين البنية المنطقيّة للّغة وبين البنية المنطقيّة للواقع عند فيتغنشتاين. «إنّ هذه الرّوابط التّشاركيّة أشبه بحاسّات عناصر الصّورة «feelers»، إذا جاز التّعبير؛ إذ بها تتحسّس الصّورة الواقع». (1515 /2) ويعتقد فيتغنشتاين أنّ البنية المنطقيّة للعالم والفكر تظهر البنية المنطقيّة للواقع، وذلك بسبب رأي الأخير في العلاقة القائمة بين اللّغة والفكر والواقع. ولكنّنا نستطيع تصوير الواقع لا العلاقة القائمة بين هذه الصّور وبين واقع الأشياء نفسها.
قبر فيتغنشتاين في كامبردج: «إذا جاز التّعبير، عليه أنْ يرميَ السُّلّمَ بعد أنْ صعد عليه». (54 /6)
تقول الرّسالة: ""إنّ القضايا هي المركّبات ذات المعنى في اللّغة. ويقول فيتغنشتاين: «تكون القضيّة صورةً عن الواقع... أنموذجًا للواقع كما نتخيّله» (1 /4)، و«مجموع القضايا الصّادقة هو العلم الطّبيعيّ كلّه (أو العلوم الطّبيعيّة جميعها)» (11 / 4). علاوةً على ذلك «أنْ تفهم القضيّة يعني أنْ تعرف ما تكون عليه إنْ كانت صادقةً» (24 /4)، و«لا يمكن أنْ تكون القضيّة صادقةً أو كاذبةً إلا في ضوء كونها صورةً للواقع». (6 /4)
أمّا الآن فلتأخذ مثلًا القضيّة الآتية: «القطّة جالسة على الكرسيّ». تخيّل التّرتيب المكانيّ لجلوس القطّة على الكرسيّ. ويسمّي فيتغنشتاين هذا التّرتيب -أي: القطّة على الكرسيّ- اتّجاه معنى القضيّة «sense». إنّ اتّجاه معنى القضيّة هو حالات الأشياء التي تتطابق معها: «تُبيّن القضيّة كيف توجد الأشياء إنْ كانت هذه الأشياء صادقةً». (22 /4) وتتطابق الأسماء في العلامة القضويّة «propositional sign» -كما في القضيّة السّابقة: «القطّة جالسة على الكرسيّ»- مع الأشياء القائمة في حالات الأشياء التي تشير إليها العلامة القضويّة (21/ 3)، حيث «يعني الاسم شيئًا» (203/ 3)؛ إذ تعني «قطّة» مثلًا القطّة. وإذا لم يكن على الكرسيّ قطّةٌ، فالقضيّة المذكورة «لن تكون خاليةً من المعنى... بل كاذبةً» (24 /3)، ولكنْ «إنْ لم يكن للقضيّة أيّ اتّجاهٍ للمعنى، فلا شيء يتطابق معها؛ لأنّها لا تشير إلى شيء» (63 /4)، أي: إنْ لم توجد حالات ممكنة للأشياء؛ كي تصوّرها القضيّة فستكون هذه القضيّة خاليةً من المعنى. أضف إلى ذلك أنّ العلامة المفردة «قطّة» ليس فيها اتّجاهَ معنى حسب فيتغنشتاين؛ لأنّ القضايا وحدها تمتلك اتّجاهًا للمعنى.
الأفكار المنطقيّة والماورائيّة.
«ليست أكثر القضايا والأسئلة التي نعثر عليها في الأعمال الفلسفيّة كاذبةً بل خاليةً من المعنى» (3 /4). هذه هي صيحة المعركة التي لا يطلقها فيتغنشتاين في الرّسالة فحسب، بل في كتاباته اللاّحقة أيضًا. وهذه الخلاصة في الرّسالة تعتمد على تحديد لغةٍ منطقيّةٍ تُزال فيها تلك الالتباسات التي نجدها في اللّغة العاديّة. واللّغة المنطقيّة لغةٌ يحكمها التّركيب المنطقيّ، أو قل: إنّها لغةٌ تكون بنيتها المنطقيّة بديهيّة.
يحدّد فيتغنشتاين عالمًا من القواعد المنطقيّة التي تحدّد القضايا الصّادقة والكاذبة. يتألّف عالم العلاقات المنطقيّة العميقة من البنية العمقيّة للسانٍ مكتوبٍ أو محكيٍّ، مثل: الإنكليزيّة، أو الإسبانيّة، أو الألمانيّة. ولكنْ يزعم فيتغنشتاين أنّ «اللّغة اليوميّة جزءٌ من العمليّة العضويّة البشريّة، ولا تقلّ تعقيدًا عنها، لذا يستحيل منها بشريًّا التّوصّل مباشرةً إلى ما يكون عليه منطق اللّغة». (2 /4) يُعنى جزءٌ كبيرٌ من الرّسالة بمحاولة توضيح البنية الصّوريّة (المنطقيّة) لأيّ استعمالٍ لسانيٍّ أيًّا كان ظاهره، أي: سواءٌ أكان محكيًّا أم مكتوبًا.اللّغة العاديّة المحكيّة والمكتوبة –حسب فيتغنشتاين- تُبيِّن الظّاهر عادةً، لا بنيته المنطقيّة الكامنة تحته، وهذا ما أدّى إلى نشوء أخطاءٍ كثيرةٍ في الفلسفة. والحقّ -حسب فيتغنشتاين- أنّ كثيرًا من المشكلات الفلسفيّة تنشأ من تفكيرنا بأنّنا نستطيع معرفة البنية العمقيّة للواقع واللّغة والفكر، وذلك عبر ثقتنا العمياء بالطّرق التي نتكلّم ونكتب فيها عادةً. وتكمن غاية فيتغنتشاين في التوصّل إلى المنطق الكامن تحت الظّاهرات.
لجأ فيتغنشتاين أحيانًا إلى كتابة الأقوال المأثورة التي أوجزت ما سُمّيَ غالبًا بالنّاحية الماورائيّة في الرّسالة، وذلك أثناء نقاشه البنية المنطقيّة للواقع، ونظريّة الصّورة للّغة، والبنية العميقة لاستعمال اللّغة التي يُتوصّل إليها بتطوير لغةٍ منطقيّةٍ. ويكتب فيتغنشتاين في هذا الإطار: «لأنّ العالم والحياة شيءٌ واحدٌ... إنّني عالمي» (5.621، 5.63)؛ «فليس الموت حدثًا في الحياة: نحن لا نحيا كي نختبر الموت... ليس لحياتنا نهاية تمامًا كما أنه ليس لمجالنا البصريّ حدود». (6.4311). وتختتم الرّسالة بمجموعةٍ من الأقوال المأثورة التي تشير إلى آراء فيتغنشتاين في الموت، والخلود، والحياة، والإيمان بإلهٍ، والأخلاق، والجماليّات، وغيرها من المسائل الصّعبة. فليست الرّسالة وليدةَ جهدٍ عظيمٍ وأصيلٍ في التّفكير في المنطق وبنية الواقع فحسب؛ إذ يمكن لحظ انشغالات فيتغنشتاين الوجوديّة فيها. وإنّ أحد استنتاجات فيتغنشتاين الأكثر إثارةً للاهتمام في الرّسالة، أنّ الأفكار الأخلاقيّة والجماليّة تتجاوز ما يمكن قوله، ومن ثَمَّ تتجاوز الفضاء المنطقيّ، أي: فضاء المعنى. ومع هذا، فقد أقرّ فيتغنشتاين في رسالةٍ أرسلها إلى أحد المحرّرين (لودفيغ فون فيكر) بالآتي:
«يتألّف عملي من جزئين: الأوّل مذكورٌ [في هذه المخطوطة]، وأضف إليه كلّ ما لم أكتبه. وهذا هو الجزء الثاني المهمّ؛ لأنّ الأخلاقيّ يستمدّ حدوده من الدّاخل -إذا جاز التّعبير- بكتابي... قد استطعت في كتابي أنْ أضع كلّ شيءٍ في مكانه حاسمًا، وذلك بالتزامي الصّمت ه».
(Prototractatus, p.16, ed. by B.F. McGuinness, T. Nyberg and G.H. von Wright, Cornell University Press, 1971)
© CARLOS M. MUÑOZ-SUÁREZ 2014
كان كارلوس مونيوز سواريز أستاذًا مساعدًا في الفلسفة بجامعة كولومبيا «Colombia»، وهو الآن دكتور باحثٌ في جامعة برشلونا «University of Barcelona».
