القائمة الرئيسية

نقض الشر

نقض الشر
ملخص المقال

تناقش الفلسفة الدينية مشكلة الشر في الأديان الإبراهيمية، حيث يُطرح سؤال كيف يمكن لإله خيّر وقدير السماح بالشر. في القرن التاسع عشر، واجه المفكرون الأمريكيون من أصل إفريقي هذه المسألة في سياق العبودية، حيث استخدم البعض تبريرًا دينيًا لها، بينما انتقدها آخرون باعتبارها شرًا لا يمكن تبريره. مع إلغاء العبودية، أصبح الاستعمار يُعتبر وسيلة إلهية لنقل المسيحية إلى إفريقيا، لكن سرعان ما تبين أنه كان نقمة.

ترجمة: آية علي

يولي فلاسفة الدين اليوم اهتمامًا كبيرًا لمشكلة الشرّ: إذا كان الإله خيِّرًا وقديرًا، فلماذا يوجد في العالم معاناة وشرٌّ؟ تشكّل هذه المسألة تحديًا كبيرًا للدين اليهوديّ والمسيحيّ والإسلاميّ (أو ما يُعرف بالأديان الإبراهيميّة)، لأنه إذا كان الإله خيّرًا، فلا بدّ أنه سيرغب في منع حدوث المعاناة والشرّ، وإذا كان قديرًا، فمعنى هذا أنه يتمتّع بالقوّة الهائلة التي تجعله قادرًا على تحقيق ذلك. تُسمّى محاولة معالجة هذه المشكلة بـ""الثيوديسيا""، أو نظريّة العدالة الإلهيّة. 

وتماشيًا مع عادات الفلسفة التحليليّة، فعادة ما تُناقَش المشكلة على نحو متخصّص ومستقلّ إلى حدٍّ ما. ولهذه الطريقة مزاياها. من ذلك مثلًا أن الفلاسفة وضعوا تمييزًا مفيدًا بين النسخة ""المنطقيّة"" من المشكلة، والتي يتعارض بحسبها وجود الشرّ تعارضا تامًّا مع وجود الإله الإبراهيميّ، وبين النسخة ""الإثباتيّة""، والتي يمنحنا من خلالها الشرّ -ببساطة- دليلًا قويًّا على عدم وجود مثل هذا الإله. 

تَصَارع العديد من مفكّري القرن التاسع عشر كذلك مع هذه المشكلة العويصة، ولكنهم تناولوها بعاطفةٍ أكبر بكثير. كان على اللاهوتيّين والفلاسفة الأمريكيّين من أصل إفريقي أن يوفّقوا -بطريقة ما- بين إيمانهم العميق بالإله المسيحيّ وبين بغضهم للعبوديّة. كيف يمكن لإلهٍ خيّر أن يسمح بحدوث مثل هذا الأمر الشنيع؟ لم تكن هذه مجرد مشكلة منطقية، بل كانت معضلة وجوديّة مؤلمة. ويأتي المثال الأول على هذا الأمر بداية تاريخ الولايات المتحدّة؛ مع لمويل هاينز الذي قاتل بالفعل في حرب الاستقلال الأمريكيّة. كان هاينز من أنصار البروتستانتيّة الكالفينيّة، ولهذا كان يؤمن بأنّ الإله سبق وأن قدّر كل شيء في الحياة، بما في ذلك ضمان أن يسود الخير على الشر. بالنسبة لهاينز، فإنه لم يكتف بإلقاء اللوم بشرور العبوديّة على النخاسين وحدهم دون أن يلوم الإله، إذ كان على المرء أيضًا تفسير ما يجعل الإله يسمح بوجود هذه الشرور من الأساس. قد يبدو وقع إجابته صادمًا على الآذان الحديثة، حيث قال: ""أولئك الزنوج الذين هاجروا إلى هذه المستعمرات يخرجون من ظلمات بلادهم تحت راية نور الإنجيل، ولهذا فإن [العبودية] ليست نقمة عليهم، بل نعمة عظيمة لهم"". وهكذا، تعامل هاينز مع تحدٍّ عميق يواجه إيمانه عن طريق التذرّع بذلك الدين نفسه: صحيح أن الأفارقة الذين أُخِذوا من أوطانهم الأصلية وأُحضِروا إلى أمريكا تعرضوا لأبشع أنواع المعاملة، لكنهم اكتسبوا فائدة مطلقة في أثناء كل ذلك، إلا وهي التنصير.

بيد أن هذا مسوّغ خطير يقدم نيابة عن الإله؛ إذ بوسع مالكي العبيد استخدامه أيضًا، فغالبًا ما كانوا يبررونها بقولهم إنّها أمرٌ يصبّ في مصلحة الطرفين: العبيد والسادة. وهذه الحجّة -رغم كونها مسيئة وباعثة على الضحك- لا يمكن رفضها على الفور؛ إذ بوسع المبررّين للعبودية كذلك التذرّع بفوائد التحوّل للمسيحيّة. لكن منتقدي العبوديّة قدموا ردًّا قويًّا: إذا كان الإله ""ينقض"" الخطيئة عبر استخدامها لتحقيق غاية خيّرة، فالخطيئة في حدّ ذاتها لا تزال شريرة. يتصرّف تجّار العبيد بدافع الجشع والوحشيّة، وسيُعاقبون على ذلك، حتى وإن كانوا وسائل لتحقيق غاية خيّرة. وكان من الواضح أن دوافعهم كانت شريرة بالفعل. فبعد كل شيء، لو أن هدفهم كان تحويل الأفارقة للمسيحيّة، لتمكّنوا من تحقيق ذلك دون استعباد أيّ أحد.  

على ما يبدو أن ثيوديسيا القرن التاسع عشر تفترض مسبقًا أنّ على الأفارقة الذين جلبوا إلى أمريكا محاولة استيعاب الثقافة المسيحية هناك والاندماج فيها. إلا أن تسلسل الأفكار هذا يمكن أن يقود أيضًا للاتّجاه المعاكس: الانفصاليّة عوضًا عن الاستيعاب الثقافيّ. حثّ بعض المفكّرين الأمريكيّين من أصلٍ إفريقي أولئك الذين نالوا حريتهم على التخلّي عن أمريكا والانضمام إلى المستعمرات التي أُنشِئت حديثًا في إفريقيا، مثل سيراليون وليبيريا؛ حاملين معهم مبادئ التعلّم والتجارة والتقوى المسيحيّة. كانت هذه الفكرة مثيرة للجدل، وقد وصفها ديفيد ووكر بأنها ""مؤامرة خبيثة من وضع إبليس نفسه""، حيث رأى أنّها خطّة بقيادة البيض لإخراج السود المحرَّرين، تاركين المُستَعبدين تحت رحمة مضطهديهم. لكن المدافعين عن عودة الأفارقة جادلوا بأن أمريكا لن تقدم أبدًا المساواة للسود. وعلى حدّ تعبير بول كوفي، ففي إفريقيا وحدها ""يمكن لهؤلاء الناس أن يصبحوا شعبًا حقيقيًّا"". 

بعد إصدار قانون إلغاء العبودية، بات بالإمكان تصوير تصدير التعليم والمسيحيّة إلى إفريقيا على أنه النتيجة الحميدة التي لا بدّ وأن الإله كان يُخطّط لها طيلة ذلك الوقت. جديرٌ بالذكر هنا أن ألكسندر كروميل، وهو قسّ كان يرى بأنه كرّس نفسه لجلب نور ""الحضارة"" لـ""وثنيّي"" إفريقيا (كتاب مستقبل إفريقيا، 1862). بالنسبة له، كانت الحضارة تعني ببساطة المدارس والدين. كان يريد توسيع استخدام اللغة الإنجليزيّة في إفريقيا، حيث إنها بالنسبة له ""لغة الحريّة"" التي تحمل بين جنباتها ""أفكار الفضيلة"" و""الحقيقة الأخلاقيّة""، نظرًا لارتباطها التاريخيّ بالبروتستانتيّة. وبالمثل، رأى هنري ماكنيل تورنر، وهو معاصر لكروميل، أنّ ""مهمة جلب الحضارة لأرض الأجداد"" هي خطة بتدبيرٍ إلهيّ. كان ماكنيل يعترف بأن دعم البيض للاستعمار كان في معظم الأحيان بدوافع خبيثة، ولكن بالنسبة له، كان هذا الأمر مجرّد ""دليل آخر على أن التدابير الإلهيّة تتجاوز الشرّ من أجل تحقيق الخير"" (كتاب الزنجيّ في كلّ العصور، 1873). كان استعمار إفريقيا الوسيلة التي هدفت ""الحكمة المطلقة إلى استخدامها في استخراج الخير المُطلق من رَحِم شرٍّ مؤقّت"". 

عفا الزمن على هذا التفكير بمجرّد أن أصبحت حقيقة أن الاستعمار كان أقلّ ما يقال عنه نقمة على إفريقيا جليّة كفلق الصّبح. وقد تزامن التقدير المتنامي لقيمة الثقافة الإفريقيّة التقليديّة مع زيادة المخاوف بشأن الضرر الذي يحدث باسم ""الحضارة"". وكما أشار المُؤرّخ الرائد كارتر جي وودسون في ثلاثينيّات القرن الماضي: ""تعرضت أجزاء كبيرة من إفريقيا للغزو والقهر والاستعباد في سبيل إنقاذ الأرواح. كم هو مكلف خلاص الزنوج! من الحجج القوية المدافعة عن العبودية أنها أخرجت الزنجي من الظلمات إلى نور الخلاص. ومع ذلك، ها هم الزنوج اليوم لم ينالوا شيئًا سوى الضياع"" (كتاب سوء تعليم الزنجي، 1933).

© البروفيسور بيتر آدامسون 2021

بيتر أدامسون: مؤلّف كتاب ""تاريخ الفلسفة دون أي فجوات""، 5 مجلدات، متاح من دار نشر جامعة أكسفورد. هذه المجلدات مبنية على مدونته الصوتيّة الشهيرة تاريخ الفلسفة.

مقالات ذات صلة