القائمة الرئيسية

نظريّات ساخرة

نظريّات ساخرة
ملخص المقال

في عام 2020، اجتاحت المدن الكبرى أعمال شغب وفوضى أدت إلى تدمير الممتلكات واحتجاز الشرطة من قبل المتظاهرين. في كتابهما *نظريات ساخرة*، ينتقد جيمس ليندسي وهيلين بلوكروز الأيديولوجيات التي تقف وراء هذه الحركات، مثل ""النظريات النقدية"" و""العدالة الاجتماعية""، والتي تعود جذورها إلى الفلسفة ما بعد الحداثية وأفكار ميشال فوكو وجاك دريدا. يعتقد المؤلفان أن هذه الأفكار تؤدي إلى تدمير القيم الليبرالية التقليدية مثل الحرية والفردية. ورغم أن الكتاب يعرض نقدًا قويًا لهذه النظريات، إلا أنه يغفل عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه القيم الليبرالية، مما يضعف حجتهما. يبقى الكتاب مرجعًا مهمًا لفهم تأثير الأيديولوجيات المعاصرة على المجتمعات الغربية.

مشهد المدن المظلمة التي اجتاحها اللّصوص وهم يرتدون ملابس سوداء، وإعلانهم وسط المدن منطقة واقعة ""تحت سيادتهم""، فضلًا عن نهب الشركات، وإشعال الكنائس، وفرق الشرطة المحاصَرة من قبل المتظاهرين الغاضبين في البلدان الديمقراطية الرائدة في العالم، أثار ذهول الجمهور في عام 2020. تدهور الحضارة إلى مثل هذا الدرك، هو واحد من العديد من الأعاجيب التي تجعل أيّ شخص يعترف بأنّ هذا العام كان عامًا لا يُنسى.

في هذا الصدد، صدر كتاب جديد من تأليف جيمس ليندسي، وهيلين بلوكروز تحت عنوان: ""نظريّات ساخرة: كيف تصنع أبحاث الناشطين كلّ شيء عن العِرق والجنس والهوية - ولماذا يضرّ هذا بالجميع (2020)"". دعوني أذكّركم أوّلًا بأنّ ""بلوكروز"" (Pluckrose) وليندسي (Lindsey) هما الكاتبان اللذان اشتركا مع شخص ثالث في عمليّة نصب أكاديمي عرفت بـ ""Sokal Squared Hoax""؛ نشرت المجموعة أوراقًا أكاديميّةً مزيّفةً عن موضوعات متنوعّة؛ منها على سبيل المثال ما إذا كانت حدائق الكلاب جزءًا من ""ثقافة الاغتصاب'' أو مثلًا، التحليل الإثنوغرافي للرجال الذين يرتادون المطاعم التي تعمل فيها نساء نصف عاريات. عناوين ساخرة مثيرة للضحك، ولكنّها مصقولة بلغة أكاديميّة ما بعد حداثيّة؛ والغريب أنّه تمّ إرسال العديد منها إلى المجلّات المحكّمة لنشرها؛ باعتبارها مساهمات جادّة في دراسات العدالة الاجتماعية. منذ ذلك الحين والأصداء المتقلّبة ما بين المرح والسخريّة -الناتجة عن الفضيحة- تُسمع في كلّ الأوساط الأكاديمية. بيدَ أنّ الكاتبين، في هذا الكتاب، يتوليان مهمّة أكثر جديّة، ألا وهي تسليط الضوء على سقطات المجتمع الأكاديمي في مثل هذا المستوى المنخفض من الوعي الذاتي النّقدي، وكيف التحق بهم العامّة من خلال استجابات متنوّعة يمكن وصفها بـ «حماقات ما بعد الحداثة».

أن يكون المرء ناقدًا للنظريّات

يمتدّ فضول الفلاسفة إلى ما هو أبعد من مجرّد تفاصيل الأخبار، أو حتى الجانب السطحيّ من علم الاجتماع، إلى التفكير الجذريّ الذي يحرّك مثل هذه التطوّرات. عادةً ما تكون تصرّفات الناس العاديّين في نهاية المطاف ناتجة عن بعض الانعطافات الأيديولوجيّة المهمّة، وهذا هو الحال هنا. إنّ حجة النظريّات السّاخرة، تَكمُنُ في أنّ الأيديولوجيا المشتركة بين الحركات الشعبيّة مثل ""حياة السّود مهمّة"" (Black Lives Matter) و ""أنيتفا"" (Antifa) -والتي أسفرَت أيضًا، عن تنامي أعمال الشغب في المدن الكبرى في العالَم المتقدّم- تنبع في الأساس من شكل من أشكال التّفكير النيو-ماركسي الذي أرست قواعده مدرسة فرانكفورت، وأفكار أنطونيو غرامشي والتحليل النقدي ما بعد الحداثيّ بحسب ميشال فوكو. إذا كان هذا هو الحال فإنّ تتبّع جذور هذه الحركات وأهدافها يكون في مصلحة أيّ شخص مهتمّ بفهم عناوين الأخبار اليوم.

يُطلق على ""الجاني الأساسي"" المسؤول عن تنامي هذه الحركات اسم ""النظريّة النقديّة"" (Critical Theories)، وهي الإطار الفلسفي الذي طوّرته مدرسة فرانكفورت؛ يشتمل هذا الإطار على مجالات مختلفة، مثل الدراسات النسويّة، ودراسات التنوّع الجنسي (Queer Studies) ودراسات النّوع الاجتماعي (Gender Studies) فضلًا عن  دراسات ما بعد الكولونياليّة (Postcolonial Studies)، دراسات السمنة (Fat Studies)، دراسات الإعاقة (Disability Studies)، نظريّة العِرق النقديّ (Critical Race Theory). في تطبيقاتها العمليّة، انبثقت عن هذه التخصّصات، الحركات المختلفة الناشطة على مستوى الشارع والّتي تعرفها اليوم تحت مظلّة ""العدالة الاجتماعية"". كان لبعض هذه الحركات دور في إشعال النار في مدننا مؤخرًا. يقوم مؤلّفا ""النظريّات السّاخرة"" بتفكيك ""أحشاء"" النظريّة النقديّة، موضّحين اشتقاقها وتاريخها وعواقبها المستقبليّة.

بدأت القصة بشكلٍ عامٍّ على النحو الآتي: من الستينيّات إلى التسعينيّات، بدأت أفكار ما بعد الحداثة تترسّخ في الجامعات والمدارس في الغرب. تميل ما بعد الحداثة عمومًا، باعتبارها إطارًا ذهنيًّا مشككًا ونقديًّا، إلى اتّباع مقولة عالِم النفس جاك لاكان الشهيرة «الشكّ تجاه السرديّات الكبرى». هذا يعني أن يكون المرء مشككًّا في كلّ القصص الكبيرة حول التاريخ أو الأخلاق أو الحقيقة؛ مثل أسطورة التقدّم، أو الأخلاق اليهودية-المسيحية التقليديّة، أو أفكار الحقيقة المطلقة، أو روايات التاريخ التي ترفع من شأن الغرب. ولكن مع بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين افتقر هذا النّوع السلبي البحت من التحليل إلى التطبيق العملي ولم تكن له القوّة الفاعلة لإحداث تغيير سياسيّ.

في الآونة الأخيرة، تغيّر ذلك ولكن كيف؟ وفقًا لـلكاتبيْن، كان التطوّر الرئيس هو أنّ الناس العاديّين، وليس الأكاديميّين فقط، قد بدأوا يُشجّعون على الأخذ بالاعتبار مقولات ما بعد الحداثة، بما في ذلك بعض معتقدات جاك دريدا وميشال فوكو مثل: «كلّ البِيض عنصريّون، كلّ الرجال يميّزون على أساس الجنس، العنصرية والتمييز الجنسي هما نسقان... الجنس ليس بيولوجيًّا، واللّغة يمكن أن تكون عنفًا حرفيًّا، وإنكار الهويّة الجنسيّة يقتل الناس، والرّغبة في علاج الإعاقة والسمنة أمرٌ مقيت، وكلّ شيء يحتاج إلى تحرير» (ص 183). مثل هذه المعتقدات، تمّ جمعها في ما يمكن أن نسمّيه «إنجيل العدالة الاجتماعية»؛ «بُشرى سارّة» تجسّدت في مجموعة من «المعارف اليقينيّة» المطلَقة الّتي لا يمكن أن تخضع للشكّ أو الفحص من دون أن يدين الناقد نفسه على الفور بأنّه «قامع للحريّات»!

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ أصول النظريّات النقديّة اللّيبرالية التقليديّة المتمثّلة بالمنطق والعقل والأدلّة والعلم، يتم تجنّبها تمامًا من قِبل النّقاد الاجتماعيّين اليوم، على افتراض أن هذه الأخيرة ""ملوّثة"" أو ""مستعمرة"" بأفكار النظام البطريركي وتفوّق البيض. من جانبهم، جعلوا التجارب التي يعيشها ""الضحايا"" و""الفئات الاجتماعيّة المضطهدة"" ترتقي إلى مرتبة البيانات، ما يمنح ""المدافعين عن العدالة الاجتماعيّة"" (SJW) الحقّ في إسكات كل الأساليب التقليديّة التي تفرز ما بين الحقائق العالمية والتحيّزات. وهكذا أصبح الناشطون يدمنون الدفاع عن فضيلة ""العدالة الاجتماعيّة"" بعروض مختلّة، بما في ذلك عنف الشوارع، في حين أن القضايا الحقيقية مثل الفقر وحقوق الإنسان والهوية والأخلاق والحقيقة والظلم الفعلي، غالبًا ما تبقى أسيرة الأزقّة والشوارع الضيّقة. والأسوأ من ذلك كلّه، أنّ القيم اللّيبراليّة التقليديّة كالحُريّة، والاختيار، والفرديّة، وتكافؤ الفرص، وما إلى ذلك...قد تم تقويضها تمامًا من خلال هذه الطريقة الاندفاعيّة المثيرة للجدل والقائمة على المنظور الجماعي في النظر إلى قضايا العالَم.

في النهاية، القيم اللّيبرالية التقليدية هي الهدف الّذي ينشده الكاتبان؛ إنّهما يدافعان عن ضرورة العودة إلى المنظور العلمي الوسطي واللّيبراليّة الكلاسيكيّة. ويختتمان كتابهما بمجموعة من المقترحات لإعادة التفكير في مفاهيم مثل ""العدالة"" و""الإنصاف""، والتي يُزعم أنّها أكثر انسجامًا مع العقل، والحجّة، والمنطق، والأدلة، والفردية، وحُريّة الاختيار، وأقل تعقيدًا وارتباطًا بالخطاب الجماعي التحريضي وأفكار المظلوميّة الجماعيّة، كما أنّها أقلّ اعتمادًا على البروباغندا، وتدعو في المقابل إلى المزيد من الإنسانية، وهذا هو الهدف الأسمى المرجو.

 

بالرّغم ممّا سبق، تظهر هنا أيضًا، إحدى نقاط الضعف الرئيسة في أطروحتهما؛ بالنسبة إلى ""ليندسي"" و ""بلاكروز"" يبدو أنّهما يلمحَان إلى أنّ العقلانية العلمانيّة، والمنهج العلمي، وفكرة حقوق الإنسان، قفزت إلى الوجود من العدم في القرن الثامن عشر، كنعمة خالصة منبثقة من التنوير، دون شروط اجتماعية أو إرهاصات سابقة. ولا يبدو أنّهما يتساءلان عن سبب ظهور هذه القيم وأين ومتى ظهرت؟ ولماذا ظهرت في أوقات وأماكن محدّدة من التاريخ؟ على سبيل المثال، لا يتساءلان من أين اشتقّ  فرانسيس بيكون أفكاره عن المنهج العلمي، أو من أين جاءت مفاهيم جون لوك عن حقوق الإنسان، على الرغّم من أنّ كلاهما يمثّل حجر الأساس للعقلانيّة العلميّة اللّيبراليّة الّتي يتبنّاها الكتاب. لذا، في حين أنّه من العدل تمامًا أن ينتقد ليندسي وبلوكروز ""ما بعد الحداثة"" لأنّها اعتباطيًّا أعفت طروحاتها من أن تخضع للتفكيك النقدي، فإنّ تهمة ""الإنكار التاريخي"" نفسها يمكن توجيهها ضدّهما في المقابل. وهذا أمرٌ مؤسفٌ؛ إذا كانت الحداثة بذاتها، كما يصرّون، قد أدّت إلى نشأة الظروف التي أنتجت ما بعد الحداثة والنظريّة النقديّة، فمن الصعب أن نرى كيف من المرجّح أن تؤدّي العودة إلى القيم الحداثية إلى إصلاح أيّ شيء في المجتمع. في الواقع، لللّيبراليّة العلمانيّة الكلاسيكيّة تاريخها الخاصّ وتاريخها الأيديولوجيّ، ويمكن أن يكون فهم التفاصيل مفتاحًا لفهم الخطأ الفعلي في تطبيقها. أعتقد أنّ هناك حاجة إلى شيء أكثر من ذلك.

لا يخفى على أحدٍ أنّ كلّ كِتاب وضعه مؤلّفان، يحتمل وجود بعض التفاوت في أسلوب الكتابة؛ أحدهما لاذع وواضح، ولكن مقتضبٌ بشكلٍ غير منصِف؛ والآخر أكثر حذرًا، وأكثر احترامًا لمختلف فروع دراسات العدالة الاجتماعية، ولكن يغلب عليه الحشو والإطناب. إلّا أنّ التباين في الأسلوب ليس عيبًا، فهذا ميزة الكتاب؛ كلما أصبح الوصف مفصلًا للغاية، سرعان ما تدخل الكتابة في فضاء الفكر المفتوح وتطلق العنان للقارئ أن يُفسّر كما يريد.

هذا ليس كتابًا صعبًا للقراءة، وهو بالتّأكيد مناسب لقرّاء ""الفلسفة الآن"" (Philosophy Now)، لكنّه موثّق بدقة، لذا فهو ليس عرضًا يقدّم ما يريده الجمهور. إنّه يتأرجح بين المستويات الأكاديمية والشعبية. بشكل عام، وعلى الرّغم ممّا سبق، هذا كتابٌ يجب أن يقرأه أيّ شخص لديه اهتمام جادّ بأصول الأحداث الراهنة، بخاصّة ما يتعلّق بأيديولوجيا العدالة الاجتماعية. كلّ سياسيّ يجب أن يكون لديه نسخة منه، وسيكون مفيدًا كثيرًا في مقررات العلوم الإنسانية في الجامعات الحديثةما بعد الحديثة. إذا كان هذا الكتاب يجب الاطلّاع عليه بالتزامن مع قراءة نصوص العدالة الاجتماعية المختلفة، فهذا الأمر واجب بالفعل ليس فقط لتوفير التوازن الأيديولوجي المطلوب، ولكن لأنّه يحتوي على نصٍّ عادل يشمل تاريخ الحركة بأكملها، من منظور عام.

© Dr. Stephen L. Anderson 2021

مقالات ذات صلة