القائمة الرئيسية

ميثاقٌ أم أثر إنساني؟

ميثاقٌ أم أثر إنساني؟
ملخص المقال

طرح النص مفهومًا جديدًا لتعريف الفن، حيث يُعتبر الفن نوعًا من العقود التي تتطلب تبادلًا بين المبدع والمتلقي، وتُبنى على أساس القصد والمهارة والتفاعل. يشير إلى أن الفن ليس مجرد أشياء معروضة أو مصنوعة، بل هو تعاون بين الفنان والجمهور حيث يُحقق المتلقي دورًا في تكوين المعنى من خلال التأمل والتفسير.

يُحتمَل أن يكون لكلّ رسام، أو زائر للمعارض الفنية، أو فيلسوف تعريفه الخاصّ للفن؛ رغم ذلك يكثر ما يُسمى بـ ""الحالات الصعبة"" التي توسع مفهومنا عن الفن. هل يشمل ذلك ""فنّ الأخشاب المجروفة"" التي تُسحَب مِن الشاطئ وتوضَع للعرض؟ أو الفن البيئي، مثل ""الفن التجريدي، تركيب السحاب"" لبات فالكو؛ وهي لافتة خارجية بها أسهم تشير إلى الأعلى في منظر طبيعي معتاد خارج المتحف؟ هل مِن الممكن صياغة تعريف شامل للفن؟

يجب أن أؤكد في البداية على أن تعريف الفن أمرٌ مختلف عن شرح أنطولوجيته؛ أيّ مختلف عن إيضاح ماهية العمل الفني بمجرد تحديده بوصفه فنًا. كما تشير آمي توماسون في ""دليل بلاكويل لعلم الجمال"" (ص 18): «لا يلتمس السؤال الأنطولوجي الشروط التي يجب أن يستوفيها الشيء حتى يكون عملًا فنيًا؛ وإنما يسأل عن ماهية هذا الشيء، بعد قبول عدّة أشياء بوصفها أعمالاً فنية نموذجية مِن أنواعٍ مختلفة (مثل لوحة غرنيكا (Guernica) أو مقطوعة ضوء القمر (Clair de Lune) أو رواية إيما (Emma))». لذا، بدلاً من تناول ""السؤال الأنطولوجي"" المتمثل في إلقاء الضوء على السمات التي تمتلكها الأعمال الفنية المقبولة، فلنحاول تحديد العناصر التي ينبغي أن تمتلكها. تميل  التعريفات الحالية إلى الاندراج في فئتين. أولاً، هناك مقاربات إجرائية أو مفاهيمية، تنصّ بشكلٍ أساسي على أن «الفن هو س»، حيث س عبارة عن مجموعة من الخصائص أو القواعد. ثانيًا، هناك توصيفات وظيفية، على غرار «الفن يفعل ص»، حيث تمثل ص قائمة بالأنشطة أو التأثيرات. سأحاجج، من الناحيتيْن الوظيفية والإجرائية، بأن الفن هو نوعٌ معين مِن العقود، الضمنية أو الصريحة، المبنية على صفقة أو تعاون.

المكتب والغرفة للفنان كازيمير ماليفيتش Kazimir Malevich، 1913

صفحة 11 و 12 العمود  يمين و والصورة أسفل الصفحة 12 

الفن بوصفه ميثاقًا

يتطلب الفن، على غرار العقد القانوني، بعض هذه العناصر أو جميعها:

1) تبادل شيء ذو قيمة (يطلق المحامون على ذلك ""المقابل"")؛

2) القصد من طرف المبدع (في معظم الحالات)؛

3) الأهلية، بمعنى أن المتلقي يجب أن يكون لديه «ذوق»، اهتمام، أو على الأقل تقبّل أساسي؛

4) العرض والقبول (إلاّ في حالات الاتفاق أحاديّ الطرف).

سأشرح هذه الأساسيات واحدة تلو الأخرى.

لنبدأ بمفهوم المقابل، هو مصطلح قانوني تقني لا علاقة له بمفهوم الطيبة. إنه «شيء» و «شيء» في ""الشيء مقابل الشيء""

هناك نوعان من المقابل في المعاملات التجارية: ما يدفعه المشتري، مِن ناحية، والسلع أو الخدمات التي يقدمها البائع مِن الناحية الأخرى؛ وبتطبيق هذا النظام على الفن بمفردات مالية بحتة، ستكون اللوحة أو المنحوتة أو القصيدة (إلخ..) بمثابة المقابل بالنسبة إلى الفنان، وسعر الشراء هو المقابل بالنسبة إلى التاجر، أو الجامع، أو المتحف. الفنان يرسم: هم يدفعون. لكن لا يلزم أن تكون الصفقة تجارية، ولا يلزم تداول المال عبرها. قد يقدم المبدع ببساطة فكرة أو وجهة نظر مقابل عقل مُتقبِل. فيأسر المبدع خيال المتلقي، الذي قد يستقبل المفاهيم، أو الانطباعات، أو المواقف في مؤامرة مُحبَّبة إلى النفس توحد الفنان والجمهور، وتجعلهما يتفاعلان مثل نصفي الدماغ في الاستمتاع بالتجربة. يستمر هذا المقابل النفسي، مع الفن الجيد ربما لفترة طويلة بعد خروج المتلقي من المتحف، أو تركه للمسرح، أو وضعه للكتاب جانبًا. الفن العظيم يتفادى الإشباع، فيتركك راغبًا في المزيد.

يغيِّر الفن المتلقين له، فيوَّلِد تأويلات جديدة للمنتج نفسه، ويصدم الإدراكات الحسية، ويخلق تكافلًا عضويًا بينه وبينهم. نرى، كجزء مِن جوهر المقابل لدينا، أفكارنا أو عواطفنا الخاصة تنعكس في لوحةٍ، أو أداءٍ، أو روايةٍ ما. ونعتقد أن الشاعر يكشف مشاعرنا بمجازٍ ذكي. لكن يلزم علينا الاضطلاع بدورنا أيضًا، والذي يتمثل في إعادة تَخيّل العملية أو حتى إعادة بنائها. وإذا كان الفن يعبر عنَا، وليس عن الفنان فحسب، فنحن أيضًا مبدعوه. كما أخبرت فنانة الأداء مارينا أبراموفيتش جمهورها ذات مرّة، «هذا العمل هو أنتم بقدرِ ما هو أنا»؛ فهناك إذن، رغم كلّ شيء، «نحن» الفنية. بل قد يتمادى البعض بالقول أن التعاون بين المبدع، والعمل، والمتلقي يُعرِّف الفن بصورةٍ ما.

لقد نظرنا، حتى الآن، إلى المقابل مِن وجهة نظر المتلقي، لكن ما الذي يستمده الفنان مِن الصفقة؟ بعيدًا عن أيّ مكافأة مالية بحتة، فقد تعود عليه تلك الصفقة بالرضا مِن جراء تعبيره عن أفكاره أو مشاعره فى وسطٍ ملموس، أو من جراء فعل الإبداع الفني نفسه، أو مِن جراء المتعة النفسية الناتجة عن تحقيق الذات أثناء تجسيدها لأفكارها، سواءً أكانت مرتبطة بجمهورٍ أم لا. وإذا لم تُكلّل كلّ هذه المجهودات بالنجاح، فإن الآلية غير المكتملة للإبداع الخالص قد تكفي وحدها لأن تبرر للفنان جهوده.

دعونا ننتقل الآن إلى العنصر الثاني مِن العقد الفني: القصد. قد يكون هذا العنصر مركزيًا في أغلب الأحيان، لكنه ليس ضروريًا في الواقع. فإذا قدم المبدع عملاً يقلب تصوراتنا المسبقة رأسًا على عقب أو يبهرنا بشدة جماله أو عمق تبصراته، فمن الواضح أنه يمكننا القول أنه قصد أن يصنع عملًا فنيًا. ولكن هل يتعين على الرسام أن يطمح إلى إحداث تأثير، على العكس من العبث بالألوان على لوحة الرسم مثلاً، قبل أن يمكننا وصف الناتج بأنه «عمل فني؟». عندما وقَّع مارسيل دوشامب على مبولة عادية بـ""R. Mutt""، وأطلق عليها اسم ""النافورة Fountain""، وعرضها في معرض عام 1917، هل أصبحت تلقائيًا عملاً فنيًا؟ أو عندما رسم فرانك ستيلا وآندي وارهول على السيارات العادية من أجل مجموعة ""سيارات فنية Art Cars"" من شركة بي إم دبليو (BMW)، فكيف نصف النتيجة؟ (أوضحت الشركة نفسها ذلك كالتالي: «تألَّقَ التصميم الأصلي للسيارة، ولم تُفقِد ""الطبقة الثانية"" من الطلاء الثاني السيارة خصائصها المادية ... إذ لا تزال السيارة موجودة، رغم كلّ البراعة الفنية»). إن المقصد الفني في حالتي دوشامب وستيلا ووارهول، الذين استخدموا السيارة كلوحة رسم أو المبولة كتمثال، قد يقرّر ببساطة أن يكون فنيًا؛ أو ربما، يقرّر فحسب ألاّ يكون غير فني - مثل عدم طلاء السيارة بالطريقة الميكانيكية المعتادة لدى عامل يحمل خرطوم الرشّ في ورشة السيارات.

ولكن هل هذا فن؟ لاحظ هذا التفسير الذي قدمه فرانك ستيلا نفسه، والذي لا يزيد عن كونه حشو وتحصيل حاصل: «التصميم من صنع فنان، إذن فهو فن"". هل هذه هي الكلمة النهائية؟ ربما، ولكن أود أن أضيف شرطًا ألا وهو إن نية الإبداع تتدفق عبر العمل أو الحدث وصولًا إلى العالم، إما مِن أجل الفنان أو الجمهور.

ليس فرانك ستيلا وحده مَن قدّم تعريفات دائرية للفن، فمارسيا مولدر إيتون تقول: «لا يكون س عملاً فنيًا إلا إذا وفقط إذا كان س أثر إنساني، وتم التعامل معه بطريقة تجعل الشخص المتبحر في الثقافة يُقاد إلى الانتباه (بواسطة الإدراك الحسي و/أو التأمل الفكري) إلى الخصائص الجمالية لـ س"".

ويقول جورج ديكي: «الفنان هو الشخص الذي يشارك بالفهم في صنع عمل فني ... العمل الفني هو أثر إنساني، مِن النوع الذي أُبدِعَ بغرض تقديمه إلى جمهور عالم الفن"".

دعونا، لكي نرى أن هذه التعريفات حشوية وسياقية في آنٍ واحد، نتأمل التشبيه التالي. ماذا لو قلنا – على غرار إيتون - أن الرياضي لا يكون لاعبًا لكرة القدم إلا إذا وفقط إذا لعب بجسم كروي وبطريقة يدرك مشجعو كرة القدم أنها تتماشى مع قواعد اللعبة؟ أو قلنا - على غرار ديكي - أن لاعب كرة القدم هو شخص يلعب كرة القدم أمام مجموعة مِن مشجعي كرة القدم؟ قد تؤدي المقاربتان إلى نتائج خاطئة - إما أن المرأة التي تتدرب على تسديد الكرة في الفناء الخلفي لمنزلها ليست لاعبة كرة قدم، أو أن المباراة التي تُلعَب أمام جمهور يجهل القواعد ليست صورة صحيحة لكرة القدم.

وإذا عدنا سريعًا إلى ""الحالات الصعبة"" للفن، سنلاحظ أولاً أن الفلاسفة بالفعل يميزون بين الآثار الإنسانية، أي الأشياء التي غَيَّرتها أيدي الإنسان، وبين الأشياء الطبيعية، مثل جبل ماترهورن أو أي شجرة عادية. ربما بعد ذلك بدلاً من الثنائية البسيطة لـ نعم/لا، وفن/ليس فنًا، يجب علينا التفكير وفق تسلسل هرمي للجهد المتزايد، مما يقودنا إلى زيادة ""الطابع الفني"" من الأشياء التي كانت طبيعية ؟ على سبيل المثال: أ) أخْذ صَدَفَة من على الشاطئ. ب) تأطيرها كما هي وعرضها في معرض أو متحف. ج) تغيير حالتها بالطلاء أو دمجها في ""منحوتة"" أكبر.  د) التوقيع عليها وبيعها؛  وهلم جرا. إن جوهر الأمر هنا ليس ما إذا كان المبدع قد نفذ مقصده الفني بالكامل أم لا، ولكن ما إذا كان قصد صناعة عملًا فنيًا من الأساس أم لا. قد يظن شخص، من ناحية، أن الصَدَفَة هي مجرد شيء طبيعي،  وليست عملًا فنيًا في حد ذاتها، فلا يمكن للمبدع تحويلها إلى فنٍ بمجرد عرضها. لكن قد يجيبه شخصٌ آخر بأن الفعل البسيط المتمثل في تطبيق إرادة عقل الفنان بهذه الطريقة يحوّلها إلى عملٍ فني.

ربما يكون السؤال الأكثر صعوبة هو إذا ما كان أو يمكن أن يكون هناك شيء مثل الفن غير المتعمد؟ قد ننتقل هنا إلى جورجيو فاساري، الكاتب الشهير لسِيَر فنانيّ عصر النهضة، الذي يخبرنا في كتابه ""حياة أفضل الرسامين، والنحاتين، والمهندسين المعماريين"" (1550) أنه في أواخر القرن الثالث عشر، كان البابا بنديكت التاسع يبحث عن فنانين موهوبين للعمل في روما. فزار أحد أفراد حاشيته فلورنسا، حيث كان جوتو صغيرًا مغمورًا حينئذٍ، وطلب عينة من عمل الصبي. غمس جوتو فرشاته بالحبر الأحمر ورسم دائرة مثالية يدويًا على الفور. اعتقد المبعوث أن جوتو كان يسخر منه، لكن الفنان رد قائلاً: ""هذا أكثر من كافٍ"". والحقيقة أنه كان كذلك بالفعل، فقد أدرك البابا ومستشاروه على الفور عبقرية الصبي وأحضروه إلى روما. حتى لو لم يكن القصد من الدائرة الشهيرة أن تكون فنًا، فلا يزال بإمكاننا تصنيفها على أنها فن لأن جوتو أرادها  أن تكون شيئًا.

لننتقل الآن إلى الأهلية، وهي عنصر أساسي آخر في العقد القانوني. تعني ""الأهلية"" في القانون بشكلٍ عام أنه يجب أن يكون طرفا التعاقد بالغيْن بكامل قواهما العقلية. تعني الأهلية في الفن بعضًا من المهارة أو الموهبة من جانب المبدع، ونوعًا من القبول أو الانفتاح من جانب المتلقي. هذه مجرد مسائل نسبية، رغم ذلك، وأقل مقدار يظل له أهميته. لا نفترض أن الرسام الذي يفتقر إلى القدرة على الرسم (جاكسون بولوك مثال على ذلك) - أو الرسام الأعمى - لا يمكن أبدًا تصنيفه كفنان؛ وبالمثل، فحتى أكثر الأشخاص غير المثقفين خشونة وغلظة الذين يفتقرون إلى الإحساس تمامًا (قد يتبادر إلى ذهنك شخص تعرفه) قد يمتلكون بعض القدرة على الاستمتاع بالرسم، حتى لو كان مشهدًا بسيطًا للشاطئ مِن النوع الذي يُباع في متاجر الهدايا التذكارية في المنتجعات المجاورة للمحيط. قد يحاجج المرء بأن مجرد النظر إلى لوحةٍ ما ينطوي على قدرٍ ضئيل مِن القدرة لدى المتلقي، وإن كان قدرًا تافهًا.

لننظر الآن في العرض والقبول، بوصفه أيضًا مِن معايير العقود القانونية الملزمة. إذا عرض فنانٌ ما عمله في أحد المعارض، فالأمر حينئذٍ سيكون واضحًا إلى حد كبير. ولكن حتى الصفقة الفنية غير المكتملة قد تتضمن ""عرضًا"". فقد يكون إمساك الفرشاة ومحاولة التعبير عن موقفٍ أو عاطفةٍ ما باستخدام الألوان كافيًا لأن يكون عرضًا فنيًا، سواء أكان الجمهور حاضرًا أم لا؛ وبالمثل، لا يلزم أن يتسم ""قبول"" الفن بالحماسية، فحتى الاجتماع البدائي للعقول قد يكون مؤهلًا لأن يكون قبولاً. قد نحاجج أيضًا بأنه حتى الرفض الصريح أو حتى الاشمئزاز، يعد من باب المفارقة  ""قبولاً"" من النوع النهائي للعقد. شاهد، على سبيل المثال، رد فعل رودي جولياني، عمدة نيويورك آنذاك، تجاه معرض ""إحساس Sensation"" الذي أقامه عدة فنانين بريطانيين شباب في متحف بروكلين في مطلع هذا القرن. فقد أثارت لوحة ""مريم العذراء المقدسة Holy Virgin Mary"" لكريس أوفيلي غضب جولياني، إذ  رُسِمَت عذراء بصدر مكشوف مصنوع من روث الأفيال، وتحيط بها مجموعة مِن العناصر التي تبدو للوهلة الأولى مثل الفراشات ولكنها في الحقيقة صور أعضاء تناسلية أنثوية منتقاة من المجلات الإباحية؛ وبعد أن هدّد العمدة بإنهاء تمويل المتحف، رفع المتحف دعوى قضائية في المحكمة الفيدرالية وفاز بها استنادًا إلى الحق في حُريّة التعبير. رد جولياني بعبارة أصبحت شهيرة: ""لا يوجد شيء في التعديل الأول للدستور يدعم المشاريع الشنيعة والمثيرة للاشمئزاز!""(جريدة واشنطن بوست، 26 سبتمبر 1999). قبل جولياني اللوحة، في تعبيره عن غضبه، بوصفها أثر إنساني مستفز، وبالتالي بوصفه عملًا فنيًا.

الصفحة (13) العامود اليمين والصورة أعلى العامود الأيسر 

الأنطولوجيا العُليا للفنّ

لنترك نظرية العقد جانبًا، ولننتقل الآن إلى مسألة ذات صلة بموضوعنا أسميها ""الأنطولوجيا العُليا superontology"".

العمل الفني هو كيان غير عادي له سُلطة استبدادية. كما يعرف أيّ مصمم مناظر، إن حضور مكملات المنظر يتجاوز المساحة المادية التي تشغلها. فالكرسي الموجود في منتصف الغرفة يعتبر أكثر إزعاجًا مِمّا قد يبدو للوهلة الأولى، حيث يميل المرء إلى السير في قوس عريض حوله لتجنب حتى احتمالية الاصطدام به. وهو ما يشبه الحضور الانبعاثي للفن مع صفات تخاطرية تفيض بسيولٍ من الدلالة. تحدث الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر (1889-1976) عن الفن باعتباره ""انكشاف""، حيث ""يصبح كلّ ما هو عادي ومعتاد غير موجود"". شبَّه هايدغر التجربة بـ ""إشراقة"" كما نرى ""في حقيقة ما يكون"". إذ تتجاوز الأعمال الفنية المُدرَكة بشكلٍ كامل أي شيء نختبره اختبارًا مباشرًا أو حسيًا: ""العمل الشاهق في ذاته يكشف عن عالَم، ويُبقي هذا العالَم في موقع هيمنة"". هذا الكشف هو شكل مُكثَّف مِن أشكال الاعتبار الذي يفيد المتلقي بطرقٍ لا توصف.

 يقودنا ذلك نحو نمطٍ وجودي جديد للفن. إذ قسّم فيلسوف وجودي آخر، جان بول سارتر (1905-1980)، المادة إلى ثلاث فئات: الوجود في ذاته (شيء غير واعٍ يكون ببساطة ""موجود"" مثل شجرة)؛ الوجود لذاته (كيان واع ومستقل)؛ الوجود للغير (هوية اجتماعية أو سياسية لكائن واعٍ متصل بكائناتٍ واعية أخرى محيطة به). أودُّ أن أقول، وفق هذه المصطلحات، إن الفن هو ""الوجود في ذاته للمبدع والجمهور""؛ بعبارة أخرى، إنه كيان يخلق عوالِم لكائناتٍ واعية. فنحن نتوقف عن الاهتمام بضغط أرضية المتحف على أقدامنا أو الثرثرة الجارية حولنا في الغرفة عندما نُحلِّق في مجال العمل الفني. يبدو الأمر كما لو أننا تجاوزنا أفق الحدث لثقبٍ أسودٍ وجودي، نقطة اللاعودة، حيث يجتمع المتلقي والفنان والعمل الفني معًا، بينما تجذبنا جاذبية العمل الفني ذو الأنطولوجيا العُليا. وتتناسب قوة الرابطة تناسبًا طرديًا مع جودة العمل. فالفن الأدنى يجذب انتباهنا إلى أسلوبه التقني ويعزلنا عن محتواه. أما الأعمال العُليا فتغمرنا، وتنسينا ضربات الفرشاة، وتجبرنا على العيش داخل إطارها. يبدو أن العمل الشامل يكبح كل الكلمات ويستوعب كل الصفات الممكنة.

الصفحة (14) العامود الأوسط والصورة أعلى العامود الأيسر 

المجازات والجِدالات

ذكر أرسطو في كتابه ""فنّ الشِّعر"" أن تعريف العبقرية ذاتها هو موهبة صياغة المجازات – أي القدرة على رؤية ""التشابه في التباين"". لكن هناك نوعان على الأقل مِن المجاز. المجاز البلاغي - النوع الأكثر شيوعًا - «أن تضغط الفكرة مِن أجل الانسجام، وتوسعها مِن أجل الاستحضار»""، على سبيل المثال، «ميّت كمسمار الباب». والمجاز الإدراكي، على النقيض مِن ذلك، يُستخدَم من أجل «الاكتشاف والتعلّم». سواءً أكان المجاز بلاغي أو إدراكي، فإن الفعال منه هو «ذلك الذي ينقل المعلومات بنفس سرعة ذكرها ... أو ذلك الذي تتأخر عقولنا وقتًا قليلاً للغاية حتى تفهمه""، ""؛ في الحالة الأخيرة، لا تؤدي الصور المجازية غرضها إلا «لأن دلالتها ومعناها ليسا واضحيْن تمامًا. إذ يجب، في الواقع، أن تباغتنا وتحيّرنا». إن عملية صياغة المجازات، رغم ذلك، مضلِّلة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ؛ فعلى سبيل المثال، عندما كتبتْ إيميلي ديكنسون، «البَرق هو شوكة صفراء مِن موائد السماء»، هل البَرق حقًا شوكة؟ بالطبع لا. ولكن المجاز هو كذبة متضمَنة؛ تجعلنا ندرك الحقيقة في المقارنة.

تكمن المراوغة حقًا في جذور المجاز، والشِّعر، والسيميائية – أي دراسة العلامات، وهي وثيقة الصِّلة بالفن بشكلٍ عام ولا غنىً عنها في حالة الرسم. قال الشاعر روبرت فروست: ""يوفر الشِّعر الطريقة المشروعة الوحيدة لقول شيء وقصد شيء آخر"". صاغ أومبرتو إكو الفكرة بشكلٍ أكثر جرأة فقال: «السيميائية مِن حيث المبدأ هي النظام الذي يدرس كل شيء يمكن استخدامه مِن أجل الكذب"".

سواء أكان كذبًا أم لا، يمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك بالقول أن الفن لا ينقل معنىً مهمًا إلا إذا كانت العناصر، فردية أو مجتمعة، تشير إلى شيء ما خارجها. (الإشارة هنا مرادفة للتدليل، والتحديد، والتمثيل، والتجسيد، والترميز، وما إلى ذلك - أي عملية تضيف طبقات من الأفكار إلى ما هو واضح). يمكننا بعد ذلك أن نقول إن الفن في أقوى حالاته هو نظام مِن ""اللافتات الفائقة"". ترتد الروائع بين الدال (على سبيل المثال، صورة كتاب) والمدلول (المفهوم الخاص بمجموعة مجلدة من الصفحات التي يمكن للمرء حملها بسهولة)، ولا تحتضن المرجع  (الكتاب الفعلي على الرف) إلا احتضانًا جزئيًا. ويكمن المعنى في الجسر الواصل، أو علامة التساوي، بين جانبي المقارنة - بين الدال والمدلول، بين التمثيل الفني والفكرة المُمَثَّلة. إن المعنى الحرفي، في الواقع، للكلمة اليونانية ""مجاز"" (metaphor) هو «الانتقال أو العبور بشيء» - فهي في جوهرها تشكل جسرًا. تظهر سلطة العمل الفني، أو حتى استبداده، عندما تكون الإشارات التي يستخدمها بعيدة مفاهيميًا عن مراجعها. وكلما طالت الرحلة عبر الجسر مِن الإشارة إلى المعنى، زاد ما يُنقَل على نحوٍ محتمل مِن الفهم؛ وعلى النقيض من ذلك، كلما كان الانتقال أسهل، قل التأثير.

تتطور هذه الرحلة أحيانًا في الفن الحديث إلى حركة ديالكتيكية - جدال فكري – في شكل مبدعين يتصارعون مع المواد، أو كُتاب مع الشخصيات، أو فنانين مع الأفكار، أو ألحان مع الارتجال (بشكلٍ بارز في موسيقى الجاز) - و ينتج عن ذلك بشكلٍ مثالي في جميع الحالات حالة ثالثة، تتمثل في التبصر. يحدث هذا التبصر، في بعض الأحيان، من خلال الوسائل الفنية؛ على سبيل المثال ابتكر بيت موندريان (1872-1944) في لوحته برودواي بوجي ووجي (1942) التأثير الهَلْوَسِيّ لحركة المرور بالاستخدام البسيط لمربعات صفراء ورمادية متوازنة من حيث النصوع مع الخلفية (لديها نفس درجة السطوع) - وبالتالي أربك أنظمة الدماغ التي تدرك الحركة والموقع. يمكن أيضًا للديالكتيك في الفن أن يتخذ شكلاً مفاهيميًا: كنضال بين النظرية الجمالية والتجربة الجمالية؛ أو بين الفكري والعفوي التلقائي. أو بين العقلاني والحالم. أو بين الأبولّوني Apollonian [المنظم] والديونيسي Dionysian [الفوضوي]؛ أو بين الموضوعي والذاتي؛ أو حتى بين تأملات الوعي الموجهة للخارج، والحدس المُوجَّه للداخل. يمكن، في رأيي، رؤية الصراع بين الفن والخدعة بشكلٍ مؤثرٍ أكثر في فيلم الساحر The Magician 1985 للمخرج إنغمار برغمان حيث ينتصر المصطنع.

إن الديالكتيك، بالنسبة للعديد مِن الفنانين، الذي يرغبون بشدة في استكشافه هو معركة الإنسان مع الآلهة، أو القوى الأساسية للحياة. فقد كانت الآلهة في المِيثُولُوجيا الإغريقية تحمي قواها بشدة. إذ تصادم بروميثيوس، التيتان والفنان الذي خلق إنسان من الطين، مع الآلهة عندما سرق النار منهم وجلبها إلى الأرض لصالح البشرية. وصف الكاتب أوغست ستريندبرغ الفنان بول غوغان (1848-1903) بأنه «نوع مِن التيتان [في عصرنا الحالي]، والذي بسبب غيرته مِن الخالق يصنع في أوقات فراغه مخلوقه الخاص الصغير ... الذي يجحد ويتحدى، مفضلًا أن يرى السماء حمراء على أن يراها زرقاء كغيره"". #وُصِف الرب نفسه، فيما يتعلق بهذه المسألة، في سِفر التكوين، بأنه الفنان الأعظم الذي «شَكَّلَ الإنسان مِنْ تُرَابِ الأرْضِ، وَنَفَخَ فِي أنفِهِ نَفَسَ الحَيَاةِ، فَصَارَ الإنسان نَفْسًا حَيَّةً». أتصور لقد خلق الله الإنسان بيديه من طين لازب، في شكلٍ كالفخار، وفي هذا التصور، فإن الله المصور قد أبدع فعلاً وصنعةً خلقًا جديدًا وعالمًا منفصلاً. لقد خلق الله، حرفيًّا، في هذه الحكاية الحيّة عالمًا منفصلاً.

الصفحة (15) العامود الأيسر والصورة العامود الأيمن وإضافة الكاتبة 

خاتمة 

لقد حاولت إثبات أن الفنّ يشترك في خصائصه الأساسية مع العقود القانونية، وأنه يركز على تعاونٍ شديد ومكثّف بين العمل الفني، والمتلقي، والمبدع، مما ينتج عنه كيان حتمي يهيمن على العقول بطريقة استبدادية. إنه أيضًا انعكاس بين الدال والمدلول، باستخدام إحلالات تنتقل مِن متباينٍ إلى آخر لتنتج اتحادًا آسرًا بين الأفكار. ويمكن أن يكون الفن غير مكتمل، أو مُنجز تمامًا على النحو المنشود؛ ففي كل هذه الدلالات، يكون الرسم انتصارًا على العدم، والموسيقى انتصارًا على الصمت، والفيلم انتصارًا على الجمود والظلام، والنحت انتصارًا على المادة؛ ويكون الفن بشكلٍ عام انتصارًا على الواقع.

مقالات ذات صلة