إن فرع فلسفة الأخلاق الذي يحمل المسمى الخيالي ""ما وراء الأخلاق"" يُعنى بالأساس بمسألتي المعنى والواقع في الأخلاق. يمكننا اختصارًا لتلك القصة الطويلة، القول بأن هناك في الأساس فريقان من المفكرين الذين يدرسون ""ما وراء الأخلاق"": أولئك الذين يعتقدون أن هناك حقائق أخلاقية موضوعية أو يعتقدون على الأقل أن هناك وسائل موضوعية لإثبات صحة فعلٍ ما أو خطئه، وأولئك الذين لا يعتقدون ذلك. يعتقد هذا الفريق الثاني بالأحرى أن الأخلاق، أيًا كانت الصورة التي تبدو بها، هي في الواقع مجرد مسألة ذوق، أي مسألة تعتمد في الأساس على القبول أو الرفض؛ وهكذا فإنه لم يكن غريبًا أن يشتهر الفريق الأول باسم ""فلاسفة الواقعية الأخلاقية"" بينما يشتهر الفريق الثاني باسم "" فلاسفة الذاتية الأخلاقية"".
ديفيد هيوم وجـورج إدوارد مور بريشة عيسى سامتيه.
الصفحة (24) العمود الأيسر
أخلاق هيوم
يُعد الفيلسوف الاسكتلندي التجريبي العظيم ديفيد هيوم (1711–1776) هو الأكثر شهرة بين فلاسفة الذاتية الأخلاقية. يؤكد هيوم على أننا لا نتلقى أي انطباعات حسية عن خيرية أو شر أو عن صواب أو خطأ أي شخص أو فعل أو حدث. لا توجد، بعبارة أخرى، خصائص أخلاقية تمكن ملاحظتها إلى جانب الخصائص الطبيعية التي نلاحظها؛ فأنا عندما أشهد حادث طعن على سبيل المثال، أدرك (حسيًا) السكين وهو يدخل جسم الضحية والدم يسيل منه وأسمع صرخاته، ولكني لا أدرك (حسيًا) سوء هذا الفعل، بل بالأحرى أفسر ما حدث بأنه فعل سيء. وأصبح الافتراض الخاطئ بأن الخير والشر هما خاصيتين طبيعيتين للأشخاص والأفعال والأحداث يُعرف باسم المغالطة الطبيعية.
اشتهر شرح هيوم للمغالطة الطبيعية في كتابه «رسالة في الطبيعة البشرية» الصادر عام 1738، من خلال المقارنة بين جريمة قتل أحد الوالدين عند الإنسان وشجيرة تكبر لتقتل الشجرة الأم بأن تتجاوزها وتحرمها من الضوء. ويسأل هيوم عن الأساس الذي نبني عليه استنتاجنا بأن قتل الإنسان لأحد والديه أمر غير أخلاقي ومشين، بينما نستنتج أن تجاوز الشجيرة للشجرة الأم أمر أخلاقي وطبيعي، إذا كان ما ندركه حسيًا في كلتا الحالتين هو نفس الأمر بالأساس: نسل يقتل والده؟ ويضرب هيوم مثالًا أخر بمواقفنا الأخلاقية شديدة التباين تجاه سِفاح القربى بين البشر وسِفاح القربى بين الحيوانات؛ فإذا لم يكن هناك فرق بين سِفاح القربى عند البشر وسِفاح القربى عند الحيوان سواءً من حيث ماهيتهما في حدِّ ذاتهما أو من حيث ما نراه نحن، فعلى أيّ أساس إذن نُعلن أن الأول بغيضٌ أخلاقيًا، بينما الآخر بكلِّ بساطة جزءٌ من الطبيعة؟
يجيب هيوم على ذلك بأن ملاحظة حالات قتل أحد الوالدين وسِفاح القربى بين البشر والتفكر فيها يُحرّك وجداننا أو حواسنا الداخلية إلى مشاعر الاشمئزاز والاستنكار، بينما نجد في المقابل أن الملاحظة والتفكر في حالات مثل اللطف والصدق بين البشر مثلًا تُحرّك وجداننا أو حواسنا الداخلية إلى مشاعر الابتهاج والاستحسان؛ ولكن ملاحظة نفس الأشياء عند الحيوانات والتفكر فيها لا تثير فينا عادةً نفس المشاعر.
يُعارض هيوم، بعبارة أخرى، الموضوعية الأخلاقية؛ فيرى أننا لا نُجري التمييز الأخلاقي على أساس العقل والمعرفة، ولكن على أساس العاطفة والشعور والوجدان. الأخلاق بالنسبة لهيوم، من أجل ذلك، ليست متأصلة في الجزء المعرفي من طبيعتنا بل في الجزء الإرادي منها، أيّ أن الأخلاق ليست مسألة عقل، بل هي مسألة رغبة وإرادة، ولأن الأخلاق مسألة رغبة وإرادة فهي قادرة على دفعنا إلى الفعل. يرى هيوم هنا أنه لو كانت الأخلاق مجرد مسألة معرفة – بمعنى أن يفهم المرء حقائق مُعيَّنة فهمًا باردًا وأن يكون لديه أفكار معينة – فإن ذلك لن يكون كافيًا لتحفيزنا على الفعل.
يلاحظ هيوم كذلك أن واضعي الأفكار المتعلقة بالأخلاق قد اعتادوا الانزلاق بلا مسوغ من الحديث عن ما هو كائن وما هو غير كائن إلى الحديث عن ما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون، كما لو كان مجرد التفكير في المبادئ المنطقية أو المفاهيم الميتافيزيقية أو الوقائع التي يمكن ملاحظتها عن فعلٍ ما أو حدثٍ ما كافيًا لأن يوفر لهؤلاء المفكرين أسسًا أخلاقية للقول بوجوب تطبيق هذا المبدأ أو بوجوب إجراء هذا الفعل أو بوجوب عدم وقوع هذا الحدث. ويشير هيوم إلى أنه، على العكس من ذلك، لا توجد طريقة مشروعة للانتقال من عبارةٍ ما عن الوقائع القابلة للملاحظة إلى عبارةٍ ما عن القيم الأخلاقية، أيّ باختصار من المستحيل الحصول على «ما يجب أن يكون» من «ما هو كائن» . وقد أصبحت هذه الفكرة تُعرَف باسم «قانون هيوم» أو «مشكلة الوجوب والكينونة» أو «الفجوة بين الوجوب والكينونة».
يرى هيوم أن القضايا التي يكون لها معنى تقع في نوعين فقط: علاقات الأفكار والأمور الواقعية. (يُعرف اليوم التمييز بين علاقات الأفكار والأمور الواقعية باسم شوكة هيوم). ويشير تعبير «علاقات الأفكار» ببساطة إلى جميع العلاقات المنطقية البحتة بين الأفكار، كتلك الموجودة في الرياضيات والهندسة على سبيل المثال. إذ يدرك العقل البشري أن فكرة ""2 + 2"" مثلًا تعادل فكرة ""4""، وبناءً على هذا الإدراك، يمكن للعقل أن يستنتج على الفور أن العبارة ""2 + 2 = 4"" هي عبارة مؤكدة تمامًا. أما تعبير «الأمور الواقعية» فيتضمن كل تلك العبارات التي نعتقد بصحتها على أساس أدلة حاضرة من حواسنا أو أدلة مستمدة من خبرات الماضي حسبما سجلتها ذاكرتنا، ومنها مثلًا عبارة «الموزة صفراء» وعبارة «باريس هي عاصمة فرنسا» وما إلى ذلك.
إذا أخذنا شعر دونالد ترامب مثالًا للتوضيح، نجد أن عبارة «ترامب أشقر» مثلًا تُعبّر عن أمرٍ واقعي عن ترامب تثبته الأدلة الحسية إثباتًا قاطعًا. فقد لا يكون ترامب أشقر بطبيعته، ومن الصعب حقاً أن نعرف بالضبط ما الذي يفعله في شعره الغامض هذا؛ ولكن مع ذلك لا مفر لنا من التسليم بواقعة أن الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة كان أشقر. لكن العبارة الأخلاقية «ترامب شرير» لا تُعبر عن أمر واقعي – أو حتى كذبة تجريبية – عن ترامب، لأن الشر ليس جزءًا من نسيج العالم المادي الذي تمكن ملاحظته، ويذكرنا ذلك بما قاله فريدريك نيتشه في حكمة بليغة من كتابه «ما وراء الخير والشر» الصادر عام 1886: «لا توجد ظواهر أخلاقية على الإطلاق، بل يوجد فحسب تأويل أخلاقي للظواهر». عبارة «ترامب شرير» أيضًا لا تعبر عن علاقة بين أفكار، (بغض النظر عما تعتقده هيلاري كلينتون عن ترامب نتيجة شعورها بالمرارة من هزيمتها أمامه) لأن ترامب ليس مرادفًا للشر بالطريقة التي تكون فيها فكرة ""2 + 2"" مثلًا مرادفة لفكرة ""4""، بل إن عبارة «ترامب شرير» تعّبر على أفضل تقدير عن مشاعر الاستنكار تجاه ترامب بالضبط، كما تعبّر شتائم الناس أو تذمرهم عند رؤيته.
لقد كان لكل تلك الأفكار الذكية التي طرحها هيوم، أيّ نظريته الوجدانية عن الأخلاق والفجوة بين الوجوب والكينونة وشوكة هيوم، عظيم الأثر على أنصار الذاتية الأخلاقية الذين جاءوا بعده، بل وعلى بعض أنصار الموضوعية الأخلاقية الذين أدركوا ضرورة استيعاب جوهر ما يقوله هيوم حتى ينجحوا في بناء نظرية أخلاقية موضوعية ذات مصداقية.
الصفحة (25) العمود الأيمن والصفحة 26
أسئلة مور
كان جـورج إدوارد مور (1873–1958) أحد الفلاسفة الذين سعوا إلى إثبات حجية الموضوعية الأخلاقية في مقابل موقف هيوم المتشكك للفكرة ذاتها، فلقد كان مـور يفهم موقف هيوم من الأخلاق فهمًا جيدًا لدرجة أن مور (وليس هيوم) هو من صاغ تعبير «المغالطة الطبيعية» في كتابه «مبادئ الأخلاق» الصادر عام 1903، ليصف بها أحد الأخطاء المركزية التي كشفها هيوم في هجومه على الموضوعية الأخلاقية.
كان لجورج إدوارد مور نسبًا فلسفيًا استثنائيًا، فقد كان أستاذًا للفلسفة في جامعة كامبريدج وزميلًا لكلا من برتراند راسل ولودفيغ فيتغنشتاين، وقد أثر فيهما كلاهما تأثيرًا كبيرًا. وظل لأفكاره أثرًا كبيرًا في عدةّ مجالات فلسفية ولا سيما الأخلاق، كما كان كتابه الأشهر «مبادئ الأخلاق» مصدر إلهام رئيسي لمجموعة بلوزمبري التي كانت تضم فيرجينيا وولف وفانيسا بيل وغيرهما من المفكرين الذين أعجبتهم المقارنة الوثيقة التي يعقدها الكتاب بين عِلم الأخلاق وِعلم الجمال.
وكان مور قد استخدم في عنوان كتابه كلمات لاتينية هي (Principia Ethica) حيث أن المصطلح اللاتيني (Principia) يعني (المبادئ) وبخاصة المبادئ الأولى أو الأساسية. وقد استخدم مور هذا المصطلح استحضارًا لعنوان كتاب آخر غيرَّ العالم وهو كتاب «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» الذي ألفه إسحاق نيوتن عام 1687. ولكن هذا المصطلح كان لافتًا إلى النظر إلى حدٍّ بعيد جدًا، لذلك كان حريٌّ بمن يستخدمه في عنوان كتابه أن يعرف ما الذي يتحدث عنه. ولقد استخدم أيضًا برتراند راسل وألفريد نورث وايتهيد، اللذان كانا يعرفان بالضبط ما الذي يتحدثان عنه، نفس المصطلح في عنوان كتابهما المؤثر «مبادئ الرياضيات» الصادر في ثلاثة مجلدات في الفترة (1910-1913). كان مور قد ألّف كتابه «مبادئ الأخلاق» في نفس المكان والبيئة الفكرية التي كتب راسل ووايتهد كتابهما فيها ولكنه نُشِر قبل كتابهما بسبع سنوات، ويتعهد مور في كتابه هذا بأن يفعل للأخلاق ما اضطلع راسل ووايتهد بأن يفعلاه للمنطق والرياضيات، ألا وهو تأسيس المبادئ الأولى والتخلّص من الالتباسات التي سادت لأمدٍ طويل.
يهتم القسم الأعظم من كتاب «مبادئ الأخلاق» باستكشاف رأي هيوم القائل بأن أغلب النُظُم الأخلاقية مُدانة بالمغالطة الطبيعية استكشافًا تفصيليًا شاملاً، إذ يتوسع مور في تعميم رأي هيوم ولا سيما بتوجيه تهمة المغالطة الطبيعية ضد العديد من النُظُم الأخلاقية التي جاءت بعد هيوم، خاصةً نفعية بنثام وميل، على الرغم من أن هذه النظرية كانت من نواحٍ عديدة نتاجًا لنفس التجريبية التي تبناها هيوم. ويرى مور بأن الخطأ الطبيعي الأساسي في نفعية بنثام وميل هو المساواة بين الخير والمتعة، فلو أننا اعتبرنا أن الخير والمتعة هما نفس الشيء، فإن القول بأن «الخير هو المتعة» لا يعني أكثر من القول بأن «الخير هو الخير»، وهذا يعني في الواقع عدم قول أي شيء؛ فهذه المساواة بين الخير والمتعة لا تُعرّف لنا ""الخير""، ومن ثم فنحن بالتأكيد لسنا أقرب إلى فهم ما هو الخير.
قد يعترض أحدهم بالقول بأننا نعلم جميعًا ما هي المتعة، وأن المتعة هي على وجه التحديد ما هو خير. وهذا أمر بسيط، إذ يتعامل مـور مع هذا النوع من الردود البديهية فيما يبدو باستخدام ما يُعرف بحجة السؤال المفتوح، حيث يؤكد على أن الأسئلة المتعلقة بماهية الخير لا تكون أبدًا أسئلة مغلقة بل دائمًا ما تكون أسئلة مفتوحة؛ أي أسئلة دائمًا ما تكون الإجابة عليها مفتوحة للنقاش.
السؤال المغلق هو السؤال الذي تمكن إجابته بشكلٍ كامل بقول ""نعم"" أو ""لا"" واضحة أو بتقديم معلومة مُعيَّنة. ولو أخذنا مثلًا السؤال المغلق: ""أين السُكّر؟""، و السُكّر في مكانه، فإن الإجابة التي تقول: «إنه في الخزانة» ستكون إما صحيحة أو خاطئة. كان برتراند راسل (زميل مـور) قد عرَّف ما أسماه «الحشو العقيم» كأن تقول على سبيل المثال «ذو الأربع هو حيوان ذو أربع أرجل»، فهذه العبارة صحيحة من حيث التعريف، لأن «ذو الأربع» يعني حرفيًا «حيوان ذو أربع أرجل»، ولكن هذا يجعل العبارة عبارة عقيمة، لأنك إذا كنت تعرف ما يعنيه تعبير «ذو الأربع»، فأنت تعلم بالفعل أنه يعني «حيوان ذو أربع أرجل»، وهكذا لم تنقل لك العبارة أي معلومات جديدة. يؤدي الحشو العقيم دائمًا إلى طرح أسئلة مغلقة، على الرغم من أنه ليست جميع الأسئلة المغلقة منشأها الحشو العقيم ؛ فهذا السؤال المبنى على الحشو: «هل ذو الأربع هو حيوان ذو أربع أرجل؟» هو سؤال له إجابة محددة، وإذا كنت تفهم ما هو ذو الأربع وتعتزم الرد بشكلٍ سليم، فلا خيار أمامك سوى الإجابة بكلمة ""نعم"".
السؤال المفتوح، في المقابل، هو سؤال لا تمكن إجابته بشكلٍ كامل بقول ""نعم"" أو ""لا"" أو بتقديم معلومة معينة، إذ ثمّة مجال للنقاش حول الإجابة، فلا تمكن قطعًا الإجابة على سؤال مفتوح بمجرد فهم المصطلحات التي ينطوي عليها السؤال. إذا نظرنا مثلًا في السؤال المفتوح: «هل الكلاب ذكية؟» نجد أن المصطلحيْن ""كلب"" و ""ذكي"" ليسا مترادفين، فالكلاب ليست ذكية بحكم تعريفها، وبالتالي لا يمكن تقديم إجابة محددة بسيطة لهذا السؤال على أساس فهم المصطلحات الموجودة فيه. بل إنه لا تمكن الإجابة على هذا السؤال إجابة قاطعة على الإطلاق، إذ أن محبي الكلاب سيجادلون بأن الكلاب ذكية، مستشهدين بأمثلة رائعة عن ذكاء الكلاب؛ بينما سيحتجّ غيرهم بأنه لم يفز أي كلب قط بجائزة نوبل للفيزياء مثلاً.
يرى مور أن السؤال «هل الخير هو المتعة؟» هو أيضًا سؤال مفتوح، إذ أن مصطلحي ""المتعة"" و ""الخير"" ليسا مترادفين: فالخير ليس متعة بحكم تعريفه. ويمكن للأشخاص الذين يفهمون المصطلحات الواردة في السؤال أن يختلفوا حول الإجابة عليه، وهو ما يحدث بالفعل – وهو ما يكشف لنا أنه لا يمكن تعريف الخير بأنه المتعة مثلما يمكن تعريف «ذو الأربع» بأنه «حيوان ذو أربع أرجل». ويمكن قول الشيء نفسه تمامًا عن السؤال «هل الخير هو السعادة؟» أو عن أي سؤال بصيغة «هل الخير هو س؟» لأن أي سؤال يتعلق بطبيعة الخير أو تعريفه هو دائمًا سؤال مفتوح، مما يكشف عن عدم وجود (س) كمرادف للخير. أو يمكننا استخدام مصطلحات راسل لنقول أن الخير ليس مرادفًا لأي محمول (س). والمحمول هو ذلك الجزء من العبارة أو القضية الذي يحدد خاصية ما لموضوع القضية؛ ففي القضية ""العشب أخضر"" مثلًا نجد أن ""العشب"" هو حدّ الموضوع بينما ""أخضر"" هو حدّ المحمول. يرى مور، مع ذلك، أنه لما كانت المحمولات تنسب خصائص للموضوع، ولما كان ""الخير"" ليس مرادفًا لأي محمول (س) (حيث لا يمكن لأي محمول أن يقوم مقام ""الخير"")، فإنه لا يمكن أن يكون الخير خاصية لأي شيء. إن الخير، باختصار، غير موجود على الأقل بصفتها خاصية طبيعية لأيّ شيء؛ وهكذا يستنتج مور أنه لا يمكن تعريف الخير – بمعنى أنه لا يمكن تحديده.
لا يستنتج مور رغم ذلك بأن الخير غير موجود، إذ يرى أنه على الرغم من أن الخير لا يوجد كخاصية طبيعية، فإنه يوجد بوصفه خاصية غير طبيعية – أي أنه يوجد كصفة ميتافيزيقية متجاوزة غير متاحة للحواس بل يستشعرها العقل بالحدس، حتى أن بعض تفسيرات فلسفة مور تذهب إلى أن ثمّة مَلكة أخلاقية معينة هي التي تفهم تلك الصفة الميتافيزيقية المتجاوزة، وتُعرف هذه الفكرة باسم ""حدسية مور"".
يرى مور أنه من الممكن في هذا السياق مقارنة خاصية الخيرية غير الطبيعية في الأخلاق بخاصية الجمال غير الطبيعية في علم الجمال، وهو يرى أنهما قريبتان للغاية من بعضهما البعض، أي أن ما قيل للتو عن الخير فيما يخص حجة السؤال المفتوح يمكن أن يقال أيضًا عن الجمال، فالجمال أيضًا ليس مرادفًا لأي شيء نتفق عمومًا بأنه من الجمال، مثل التناسق والصفاء والأناقة والحُسن وغيرها من الخصائص. قد يعتقد المرء أنه عندما يرى تمثالًا جميلًا فإنه يرى جماله إلى جانب خصائصه الطبيعية المتمثلة في التناسق والتناسب والبياض والبرودة والصلابة والنعومة، ولكن الحقيقة هي أن جمال التمثال هو خاصية ذات نوع مختلف – خاصية تتجاوز الخصائص الفيزيائية. ونحن لا نستطيع سوى أن نلمح إلى هذه الخاصية، كما أُلمح إليها الآن، لكنا لا نستطيع تحديدها أو تعريفها بشكلٍ مباشر.
ويستلزم جمال أي موضوع جميل، سواءً كان تمثال أو لوحة أو امرأة أو رجل أو منزل أو جسر أو جبل، وجود مزيجٍ من الخصائص الطبيعية، لأن الشيء الجميل لن يوجد دون خصائصه الطبيعية. وجمال الشيء، رغم ذلك، ليس من خصائصه الطبيعية، بل هو خاصية غير طبيعية تتجاوز الخصائص الطبيعية. يرى مور، بالطريقة نفسها، أن خاصية الخير غير الطبيعية تتجاوز الأشياء الطبيعية والعواطف والأفعال والمواقف والعادات التي نعتبرها أكثر قيمة ونصفها عمومًا بأنها ""خيّرة"".
قد يكون من المفارقة أن مور قد طور رأي هيوم تجاه المغالطة الطبيعية على أكمل وجه، ولكنه ينتهي إلى تأييد ميتافيزيقيا غريبة جدًا لخصائص غير طبيعية توجد في بُعد إدراكي يفوق الحس وتستشعرها مَلكة فكرية أعلى مُعينة. لم يكن هيوم ليقبل بهذا على الإطلاق، إذ أنه في كتابه «بحث حول الفهم البشري» الصادر عام 1748 يدين جميع الكتابات الميتافيزيقية باعتبارها لا تحتوي «إلاّ على السفسطة والوهم» والتي يجب أن ""تُحرق في النيران"".
يدعو مور في الصفحات الأخيرة من كتابه «مبادئ الأخلاق»، إلى نوع من النفعية يُدعى النفعية المثالية. إذ يقول إن القيمة الجوهرية لا توجد في المتعة ولا حتى في السعادة كما يقول النفعيون الكلاسيكيون، بل توجد في وعي الإنسان بالجمال والصداقة؛ وهو يرى أنه من بين كل الأشياء الموجودة في الحياة، فإن الوعي بالجمال والوعي بالصداقة هما الأغلى قيمة وهما اللذين يستحقان امتلاكهما لذاتهما فحسب وليس من أجل شيءٍ آخر. وهذان الشيئان ليسا مرادفين للخير، بل هما أعلى الخيرات، بمعنى أنهما أغلى الأشياء قيمة في الحياة ومن ثم فهما الشيئيْن اللذين يجب السعي ورائهما والترويج لهما قبل كل شيء آخر. إذن فالوعي بالجمال والوعي بالصداقة هما الغايتان اللتان ينبغي أن يكون كلّ شيء آخر وسيلة لتحقيقهما.
© الدكتور غاري كوكس 2021
غاري كوكس هو زميل أبحاث فخري بجامعة برمنغهام ومؤلف لأكثر من عشرة كتب فلسفية، ومنها الكتاب الصادر مؤخرًا بعنوان «كيف نكون صالحين: أو كيف نكون أخلاقيين وفاضِلين في عالَم شرير». وقد تولّت دار بلومزبري نشر جميع كتبه.
