قرّر عالم الفيزياء ستيفن هوكيغ في يونيو 2012م الاحتفال بتاريخ ميلاده مطلقًا تحذيرًا تنبئيًّا، حيث قال: «أعتقد أنّ كارثةً ستحلّ على كوكب الأرض خلال ألف سنةٍ، كاندلاع حربٍ نوويّةٍ أو حدوث احتباسٍ حراريٍّ» (BBC Radio 4 interview, 6th Jan 2012). وما جعل الأجواء أشدّ قتامةً قوله: « سيكون على العلماء مرة أخرى في مرحلة التّغيّر المناخيّ غير المعهود مسؤوليّة إعلام المجتمع والقادة بشأن المخاطر المحدقة بالبشريّة». وعلى إثر التّصريح النّاريّ للمسؤول السّابق في هيئة المناخ في الأمم المتّحدة ييفو دي بوير الذي أفاد أنّ تقرير المناخ للأمم المتّحدة لعام 2014م «سيرعب الجميع رعبًا»، تنفّست تحذيرات هوكينغ الأوكسجين الصّحّي، بينما صاحبها ازدياد ثاني أوكسيد الكربون.
ولكنْ إذا أملَ أستاذ الفيزياء في تجنّب نهاية العالم عبر لعب دور النّبيّ إرميا، فقد أخفق في التّنبّه إلى العيب الكامن في مقاربته. فتحذير المجتمع شيءٌ، ودفعه نحو التّسليم بحتميّة حصول هذه الكارثة شيءٌ آخر. وإذا كانت الأدلّة المتكاثرة على ظاهرة الاحتباس الحراريّ البشريّة المنشأ باتت ملموسةً، فلا تزال أعداد الذين ينكرون حدوثها مرتفعةً أيضًا. فقد أظهر استطلاعٌ للرّأي قامت به شركة غالوب «Gallup» أنّ 52% من الأميركيّين يعتقدون أنّ تأثيرات الاحتباس الحراريّ أصبحت وشيكةً، وهذا رقمٌ أدنى من الاستطلاع السّابق الذي أظهر 61%، وأمَّا سبب هذه الظّاهرة فقد أكّد 53% أنّها بشريّة المنشأ «anthropogenic». إذن فلماذا يبقى هذا العدد الكبير من النّاس مشكّكًا رغم وفرة الأدلّة؟
لعلّهم يعتبرون أنّ العلم على خطأ، لكنّ أكثر العلوم دقّةً تدهش خبراء كثيرون، حيث يتمّ فيها عرض معدّل الاحتباس الحراريّ ومن ثَمَّ ازدياد المخاطر البيئيّة. وعوضًا عن ذلك، يبدو أنّ كثيرًا من هذه المواقف يولّدها مثيرو التّشكيك، وهي آراء أقلّيّةٍ اكتسبت تمثيلًا مفرطًا في الإعلام الشّعبيّ. أمّا النّتيجة «فخطأٌ فادحٌ» بشأن قوّة الأدلّة العلميّة في هذه المسألة؛ فالثّقل غير المتوازن يولّد مع المعطيات المبهمة نتائج مغلوطةً. أيضًا تسبّب الدّعوات تقليل انبعاثات الكاربون اعتراضًا شعبيًّا. فالتّفاعل ضدّ تعرّضنا للإرشاد أمرٌ شائعٌ؛ إذ أظهر التّأثير الرّجعيّ «boomerang effect» أنّه يشكّل تحدّيًّا للمبادرات الدّاعية إلى تخفيض نسبة التدخين عند المراهقين.
ولكن ثمّة تفسيرٌ آخر لموقفنا المتحفّظ عن التّسليم بالحقيقة المؤلمة والبديهيّة بشأن الاحتباس الحراريّ لكوكب الأرض. وليس تفكير التّمنّي «wishful thinking» أمرًا جديدًا، أي: اعتقادنا بما نتمنّاه أن يكون. لكنّ التّحقيق العلميّ في هذا الموضوع انطلق في بدايات تسعينيات القرن العشرين إثر مقالٍ نشرته عالمة النّفس زيفا كوندا تحت عنوان"" «دفاعٌ عن التّفكير المحفّز» «The Case for Motivated Reasoning».
تحييز تفكيرك.
يصف مقال: «التّفكير المحفّز» كيف تؤثّر الارتباطات الانفعاليّة على طريقة استيعابنا المعلومات. ونمثل لمعاينة ذلك بتجربة فكريّة . تخيّل زيارتك للطّبيب بسبب سعالٍ. إذا كان سعالك متقطّعٌ جدًّا، فقد يتدخّل الطّبيب العام ويطلب صورة أشعّةٍ لصدرك. وتخيّل أنّك أثناء عودتك لتسلّم نتائج الصّورة وجدت طبيبك شاحب الوجه على غير عادته يقول: «سأكون صريحًا معك. ليس الخبر جيّدًا. ثمّة نتوءٌ مريبٌ يشبه الورم. علينا التّحضير لإجراء فحوصٍ أخرى». ستكون ردّة فعلك الأولى -كحال معظم البشر- التّشكيك: « متأكّد دكتور؟ ألا يمكن حصول خلطٍ في صور الأشعّة؟ هل طبيب الأشعّة مخطئ؟ أيمكنني الحصول على رأي طبيبٍ آخر؟» إنّ الأخبار السّيئة زائرٌ غير مرحّبٍ به، ولا تمرّ عليك مرور الكرام. فلن يُسمعَ اعتراضٌ إذا كانت صورة الأشعّة واضحةً، بل ستصفّي حسابك مع عامل الاستقبال وتمضي في طريقك مطمئنًّا وراضيًا؛ إذ لا تثار مشكلةٌ عند تشخيص حالةٍ صحّيّة سليمةٍ.
يصوّر هذا المشهد الصّغير نوعًا شهيرًا من التّفكير المحفّز، وهو التّحيّز للتّأكيد «confirmation bias». نميل إلى التّسليم بالمعلومات التي تتوافق مع نظرتنا إلى العالم، بينما نهمل المعطيات التي تتناقض معها. وقد أكّدت كثير من الدّراسات هذا الأمر، فالأشخاص الذين قيل لهم: إنّهم حازوا على درجاتٍ متدنيّةٍ في اختبار الذّكاء «IQ test»، سيفضّلون قراءة المقالات التي تنتقد صحة هذا الاختبار على تلك التي تؤيّدها، والنّساء التي تشرب القهوة كثيرًا أسرع في لحظ مغالطات دراسةٍ مُختلقةٍ ربطت استهلاك الكافيين بسرطان الثدي.
إذن، هل يرفض النّاس توقّع حدوث الاحتباس الحراريّ لأنّه يعكّر صفاء منظورهم للعالم؟ يجزم جون كوك من جامعة كوينزلاند بذلك في مقالٍ نشره في المجلّة الإلكترونيّة «النّقاش» «The Journal» في السّادس من شهر سبتمبر 2012م. استند كوك إلى أعمال أنتوني ليزيروفيتز وزملائه من جامعتي ييل ومايسون الذين اقتضت مهمّتهم معاينة أكثر من ألف أمريكيّ لإيجاد أدلّةٍ على اختلاف المواقف حول الاحتباس الحراريّ حسب التّوجّهات السّياسيّة. ورغم أنّ الانقسامات السّياسيّة ليست حادّةً، فللدّيمقراطيّين اعتقادٌ راسخٌ بأنّ هذه الظّاهرة بشريّة المنشأ أكثر من الجمهوريّين أو مناصري حركة حفل الشّاي «Tea Party». يرى كوك أنّ استدلال النّتيجة بديهيّ؛ إذ «يشكّل تعديل الصّناعات المُلوّثة لتخفيض الاحتباس الحراريّ أمرًا مكروهًا عند مناصري السّوق الحرّة غير المنظّمة حتى إنَّ ذلك يدفعهم إلى رفض [فكرة] التّغيّر المناخيّ». وليس كوك وحده من أدرك هذا الأمر، فقد خصّص مركز دراسة القرارات البيئيّة في جامعة كولومبيا صفحةً كاملةً للتّحيّز للتّأكيد في دليلهم تواصل التغير المناخي في علم النفس «The Psychology of Climate Change Communication» (2009م). ولا ريب أنَّ التّحيّز للتّأكيد –كما يذكر المشككون دائمًا- سيفٌ ذو حدّينِ. فذوو النّزعة اليساريّة في السّياسة المتحمّسون لرؤية كبرى الشّركات الباعثة لثاني أوكسيد الكربون تدفع الثّمن؛ سيتحيّزون للمعطيات المحذّرة بخطورة الوضع. أمّا ما يكسر المعادلة فكون هذه التّوقّعات المحذّرة مسندةً بوقائعَ علميّةٍ مثبتةٍ. ورغم أنّ العلماء ليسوا بغريبين عن مسألة التّحيّز، فثمّة عنصرٌ يضمن الموضوعيّة، وهو أنَّ على المقالات المنشورة أنْ تمرّ أوّلًا بمراجعة النّظراء النّقديّة. وعلى حدّ تعبير مات ريدلي في مقالٍ نُشِر مؤخّرًا في صحيفة وال ستريت جورنال، إذ يقول: «لا يحاول أكثر العلماء تكذيب أفكارهم، وإنّما يقوم أخصامهم بهذه المهمّة. وعندما يعجز الأخصام عن تكذيبها تكون النّظريّة متينةً مُحكمةً». (27 يوليو، 2012م) أمّا التّحيّز لهذه النّتائج التي اجتازت العقبات النّقديّة فهو أمرٌ سيّءٌ حتمًا.
هكذا نجد أنَّ التّحيّز للتّأكيد شوكةٌ في خاصرة الذين يناقشون المناخ، ولكنّ الرّهانات مرتفعة. فالمعركة دائرةٌ حول الحقيقة، والعدوّ هو التّفكير المتحيّز. لذا لا بدّ من تفحّص آليّات التّحيّز؛ كي نكتسب المعرفة الضّروريّة للانتصار.
فخّ الفكرة السّعيدة.
على طالب التّفكير المحفّز أنْ يطرح سؤالينِ: «كيف يعمل؟» و«لماذا نقوم به؟»، وفي السّؤال الأوّل ثمّة مدرسةٌ تفيد أنّ تفكير التّمنّي يخفّض التّنافر الإدراكيّ «cognitive dissonance». أمّا التعليل المنطقيّ لذلك فهو كالآتي: تخيّل أنّ أحلامنا ستتحقّق تحقيقًا، وهذا ما سيشعرنا بالتّحسّن. ولكنْ عندما يطرح أحدهم الأمر المعاكس، تصبح تخيّلاتنا مرتابةً، وهذا ما سيشعرنا بالإحباط. فما أمامنا سوى خيارينِ: إمَّا أن نتخلى عن أحلامنا، وهذه مهمّةٌ صعبةٌ، وإمَّا أن نحطّ من مصداقيّة المعترض، وهذا أفضل الخيارينِ.
أمّا السّؤال الثّاني -أي: «لماذا نقوم به؟»- فهو السّؤال المهمّ، ورغم غياب نظريّةٍ حاسمةٍ، فلا تزال بعض النّظريّات شبه محسومة. وتفيد النّظريّة الشّائعة أنّنا اكتسبنا الأحاسيس بالتّطوّر؛ كي تدفعنا عند الخطر نحو النّجاة والنّجاح في التّناسل. فليس وهج الطّعام والمأوى والرّفاق وليد صدفةٍ لدى الإنسان؛ لأنّ مشاعرك هي ضمانة جيناتك التي يجذبها سلوكك، ويكون غالبًا قبل أنْ يدركَ الأمر الجزء المفكّر من قشرة دماغك الذي تأخّر في بلوغ التّطوّر عند البشر.
لا تحتاج إلى عالم أرصادٍ جويّةٍ لمعرفة مهبّ الرّياح.
حسب عالم النّفس بول سلوفيك، تعمل الأحاسيس الشّعوريّة أو «العاطفة» كأنّها «استدلاليّةٌ» «heuristic». إنّ الاستدلاليّات طرقٌ مختصرةٌ في اتّخاذ القرار. ونستعمل هذه المختصرات الشّعوريّة يوميًّا؛ لأنّها تعطي الإجابة الصّحيحة بموثوقيّة، وهي أسرع من الجلوس والثّرثرة حول المساوئ والمحاسن. مثال ذلك: مهمّة توقّع رابحي بطولة ومبلدن. صحيح أنَّ بإمكانك مراجعة شكل اللاّعب وتاريخه، وآخر إصاباته، وهكذا دواليك. لكنّ جيرد جيجرنزر وجد أنّك ستكون في موقعٍ أفضل إذا سألت نفسك ما إذا أدركت اسم اللَّاعب. فالمبتدئون الذين يتّبعون قاعدة «إذا أدركت الاسم أتوقّع الفوز» قد تفوّقوا على المعلّقين الخبراء في بطولة ومبلدن سنة 2003م.
وعلى هذا النّحو تعمل العاطفة الاستدلاليّة «affect heuristic» مستعملةً المشاعر. وخير مثالٍ على ذلك الاشمئزاز، فالإمساك بالأنف والرّغبة في التّقيّؤ يشيران إلى فساد الطّعام، فيحافظان على سلامة الصحّة قبل اجتياح البكتيريا جسمك.
كذلك تدفعنا «العاطفة الاستدلاليّة» إلى إسقاط مشاعرنا في المستقبل. فحينما يُطرح أمامنا عددٌ من الخيارات نتخيّل كيف سينتهي كلّ واحدٍ منها، ثمّ نلحق به المشاعر. وستعدّ النّتائج المتخيّلة ذات الأحاسيس الإيجابيّة أقوى المحفّزات للسّير بها. ويعطي هذا الأمر مزيّةً تطوّريّةً؛ لأنّ ما ينطبق على الشّيء ينطبق على غيره.
وما يحدث في التّحيّز للتّأكيد أنّنا لا نلحق المشاعر بالنتائج المتخيّلة فحسب، بل بالاعتقادات أيضًا؛ وكذلك إن كانت الاعتقادات نفسها جيّدةً أو سيّئةً لنا، فسنعتنق نحن تلك الاعتقادات الموسومة بالشّعور الإيجابيّ بينما نُسقط تلك التي تثير الازدراء. وقد عبّر كريس موني بدقّةٍ عن هذا الأمر في مقالٍ نُشر سنة 2011م على موقع موذر جونز «Mother Jones» تحت عنوان: «عِلم لماذا لا نؤمن بالعلم»؟ «The Science of Why We Don’t Believe Science»: «ننفر من المعلومات الخطيرة، ونرحّب باللّطيفة. نحن لا نعتمد على استجابتَيِ المواجهة أو الكرّ تجاه المهاجمين فحسب، بل على المعطيات نفسها».
لكن لماذا نجعل مشاعرنا أساسًا للاعتقاد دون الأدلة؟ في هذا الإطار تنحرف المدارس –في هذا الصدد- عن خطّ المذهب الدّاروينيّ المُحدث «neoDarwinist»، أي: إنّ القيام بذلك إمّا يمنح المزيّة التّطوّريّة مباشرةً، وإمّا يكون نتاج تكيّفٍ تطوّريٍّ آخر.
فلنعاين ما يتولّد عن الحجّة الأولى. يفيد الحسّ المشترك أنّه ينبغي على الاعتقادات أنْ تتطابق مع الأدلّة لا مع الرّغبة. فحينما ينطلق وحيد قرنٍ نحونا قد ننزع إلى إنكار حدوث هذا الأمر، لكنّ الخضوع لهذه النّزعة دليل ضعفٍ خطيرٍ. ويرجع عالم النّفس الأمريكيّ جورج أينلي هذا الحدس إلى المال منذ ما قبل التّاريخ: «عندما ترتبط المكافأة ارتباطًا وثيقًا بالموارد المطلوبة للنّجاة -أي: الطّعام، والدّفء، وتجنّب الإصابة- تكون كلفة الاعتقاد الكاذب الحرمان أو الألم؛ لذا تُحدّد الاعتقادات الأساسيّة وفقًا لتوقّعها». (Behavioral and Brain Sciences, 32, 2009). وبمعنى آخر: لمّا كانت الأمور أبسط آنذاك لحقت مكافأةٌ بالاعتقادات الصّحيحة عادةً، ومن ثَمَّ تاليًا تبعها الشّعور الجيّد. أمَّا الذين يراودهم شعورٌ جيّدٌ دائمًا عند الاعتقادات المتوقّعة الباطلة فلم يحضروا دورسًا في التّنشئة الأبويّة. ولكنّ أينلي يقول:إنّ شعور اعتقاداتِنا لم يعد دليلًا على دقّتها؛ لأنّ ما يربط الاعتقادات بنتائج النّجاة قد ضعف بمرور الزمن بنمو ذكائنا وبصيرتنا. و لتخيّلاتنا اللّجوء إلى الأحلام، وقد كانت بعض الاحتمالات مدهشةً. توصّلنا إلى أنّ الأشياء الجيّدة تحدث مصادفةً، بينما تشعرنا الاعتقادات بشعورٍ جيّدٍ. لكنّ أيّ اختبارٍ لتبيان دقّة الاعتقادات يحتاج زمنًا في المستقبل البعيد. لقد كانت المشاعر الجيّدة مكافأةً على الاعتقادات التي لا ينكشف بطلانها في معترك الانتقاء الطّبيعيّ. وهكذا قد يدوم الشّعور الجيّد بلا أنْ يؤثّر على النّجاة مطلقًأ. وبإيجاز إنّ الشّعور الجيّد عند المرء تجاه اعتقاداته لا يشير إلى صحّتها؛ فيمكننا أنْ نفرح ونرتاح عند أيّ نتيجةٍ.
ليست نظريّة «النّتاج» «by-product theory» الاحتمال الوحيد، فقد يقدّم التّفكير المحفّز بذاته مزيّةً تطوّريّةً. وقد عرض رايان مكاي ودانيال دينيت في كتابهما تطوّر الاعتقاد الخطأ «The Evolution of Misbelief» (2009م) احتمالين لحدوث ذلك.
أوّلًا: قد يفيد طلاء لوحتك النّفسيّة باللّون الورديّ؛ لأنّه يخفّف من التّوتّر. إنّ تأمّلك مستقبلًا زاهيًا عوضًا عن كونه محفوفًا بالمخاطر لا يثير لديك قلقًا كبيرًا، والحاجبان غير العاقدينِ يخفّضان هرمونات التّوتّر، مثل: الكولسترول والأدرينالين. وستثيرهذه الهرمونات في مدة قصيرة استجابات الكرّ أو المواجهة التي تنقذ حياتك. عندما يخور وحيد القرن معلنًا نيّته في الهجوم ترفع هذه الهرمونات معدّل نبض القلب، وتوسّع حدقتي العينينِ، وتغلق العاصرات، ، تحضيرًا لجسدك؛ كي يواجهَ أو يفرّ سريعًا. لكنّ التّوتّر المزمن يبقي هذه الهرمونات مضخوخةً في مجرى الدّم، وهو أمرٌ مضرٌّ. وأولى النّتائج الخطيرة: ضغط الدّم المرتفع، وتصلّب الشّرايين، ونوبة قلبيّة، وجلطة، وضعف كثافة العظام، وداء السّكّريّ؛ إذ تهوي جرّاء ذلك حيوانات المختبرات ذات التّوتّر المزمن؛ حيث تُظهِرُ الفئران عوارضَ ما يساوي السّلوك الاكتئابيّ عند البشر، فتصبح جامدةً، وتصاب بفقدان الشّهيّة، ثمّ تموت. وخلاصة ذلك أنّ البشر الذين يواجهون مستقبلًا مجهولًا سيستفيدون كثيرًا إنْ خفّضوا مستويات توترهم، وذلك بالاهتمام بالإيجابيات، حتّى وإن لم تُزَلْ الأمور السّلبيّة من حياتهم تمامًا. وقد أثبتت هذه المقاربة أهمّيّتها عند انتقال البشريّة من مرحلة البحث عن القوت إلى مرحلة الزّراعة، فبعد تحمّل مواسم عجافٍ ومواسمَ مثمرةٍ استطاع الفلَّاحُ أنْ يتفضّى إلى تأمّلاته اللّيليّة. وإذا تجنَّب التّوتّر فقد يضحك المتفائل أخيرًا على أخيه الهالك.
تدعم دراسات أخرى فوائد التفاؤل الصّحّيّة المختلفة، فقد وجد عالم النّفس شيلي تايلور وزملاؤه أنّ مرضى الإيدز المتفائلين بمرضهم عاشوا تسعة أشهر أكثر من أولئك الذين اتّخذوا موقف «التّسليم بالواقع»؛ إذ ينجح ما يُسمّى «الأوهام الإيجابيّة» «positive illusions» بتحفيز السّعي عند الإنسان. وعلى حدّ تعبير تايلور: «قد يخفّض التّفاؤل أشكال الإحباط والهواجس المتعاظمة، ويدفع جهود التّكيّف النّاشطة للتّأثير على ما يهدّدك».
إذا كانت فرضيّتا فوائد التّفاؤل صحيحتين، فالنّتيجة المقلقة هي أنّ العقلانيّ المحفّز قد يمنح ذلك التّفاؤل الذي يرفض ما يتوصّل إليه العلم حول المناخ مزيّةً، فإذا كانت الكارثة البيئيّة ستحدث بعد مئة سنةٍ، ألا ينبغي علينا الحدّ من قلقنا حولها وحصد فوائد انخفاض الكورتيزول؟ وربّما تعدّ النّفسيّة الإيجابيّة حينئذٍ سدًّا منيعًا عند ارتفاع منسوب المياه؟
تعرض مشكلاتٌ لهذا التّحليل. فالإحساس الكبير بـ«أستطيع فعل» والسّعي في سبيل تحقيقه هما مركزا التّأثير الوقائيّ للأوهام الإيجابيّة. ولكنْ يبدو أنَّ كثيرًا من المشكّكين في المناخ يتّخذون من توقّعاتهم المتفائلة سببًا للتّقاعس لا للاستعداد الإيجابيّ. أضف إلى ذلك أنّ الفوائد التّطوّريّة لتفكير التّمنّي لا تظهر إلَّا عندما تكون النّتائج غير أكيدة، مثل عدم اليقين من خِصب المحصول أو إجدابه في الموسم المقبل. وإذا لم يكن ثمّة شكٌّ في ضآلة المحاصيل، فستبرز المقاربة الواقعيّة والاعتماد المباشر على خططٍ بديلةٍ حتمًا. أمّا التّغيّر المناخيّ فإنّ توقّعاتنا يتزايد يقينها؛ لذا لا بدّ أنْ نشرع في العمل. وعلاوةً على ذلك، إن يكن أينلي محقًّا في كون الإحساس بالشّعور الجيّد إزاء اعتقاداتنا لا يرتبط بمدى صحتها، فينبغي علينا ألَّا نناصر أيّة نظريّةٍ من نظريّات محاسن التّفكير المحفّز أبدًا.
إذن كيف يمكننا إقناع المشكّكين؟ فالمشاعر تقود التّحيّز للتّأكيد. يطرح عالم النّفس جوناثان هايت التّماثل الآتي: مشاعرنا شبيهةٌ بالفيل، أمَّا عقلنا فهو الفارس. قد توجّه العقلانيّة الحيوان ببعض الضّربات والقرص، ولكن متى يتّخذ المخلوق مساره، فلن يكبحه أيّ لجامٍ. وكما علّمنا فيلسوف التّنوير ديفيد هيوم، فإنَّ العقل يصبح عبدًا للانفعالات. لذا لا بدّ للمعنيّين بالتغيّر المناخي من استمالة المشاعر.
وليس هذا خبرًا جديدًا على المسوّقين الذين يدركون تمامًا سيكولوجية استمالة المشاعر. إنّ تأثير «الحيويّة» «vividness» مثلًا يشير إلى القوّة المحفّزة العظيمة للصّوت والصّورة. فالإحصائيّات التي تفيد موت ملايين الأطفال جرّاء أمراضٍ مستعصيةٍ يمكن قراءتها دون أيِّ تأثّرٍ، لكنّ المشاهد المروّعة لطفلٍ يموت قد يؤدّي إلى إجراء اتّصالاتٍ وإطلاق حملاتٍ. فالأصوات والصّور المثيرة تلهب المشاعر، وتحيّز القرارات، وتحثُّ على العمل. إنّما غالبًا تصل رسائل التّغيّر المناخيّ نصوصًا أو محادثاتٍ، وتنطلق من علماء، لا وكالات تسويقٍ. إذن ربّما تكون البداية في خَرْط رجال ونساء تقاطع ماديسون في العمل. ولكنّ التّسويق ليس التّرياق الشّافي؛ لأنّ النّاس بدأوا يتنبّهون لمسألة تلاعبه، فراحوا ينتقلون من استخدام التّلفاز إلى الاعتماد على البرامج المحمّلة الخالية من الإعلانات. وثمّة حلٌّ أكثر دهاءً وإعلامًا، وهو توجيه الرّسائل توجيهًا يصيب الوقائعَ والقيم.
لقد قدّم دان خان وزملاؤه رؤيةً مدهشةً إلى طريقة نجاح هذه المقاربة. فقد نشروا دراسة سنة 2007م تحت عنوان: «محاولة استيعاب حرب الثّقافة الأمريكيّة وإحداث تغييرٍ تقدّميٍّ فيها» «Making Sense of – and Making Progress in – the American Culture of War of Fact»، ونجد في هذه الدراسة أَنْ قرأ المشاركون مقال جريدةٍ مُختلقًا، حيث تجد فيه ثلاثة مزاعم:
- كوكب الأرض في احتباسٍ حراريٍّ.
- البشر هم السّبب.
- قد ينتج عن ذلك نتائجُ اقتصاديّةٌ كارثيّةٌ.
لكنّ المقال حمل عناوين بديلةً أحدها كالتّالي: «يقترح العلماء حلًّا خاليًا من التلوّث للاحتباس الحراريّ»، والآخر: «يقترح العلماء حلًّا نوويًّا للاحتباس الحراريّ». وكانت النّتائج مذهلةً، فالفردانيّون التّراتبيّون «Hierarchical individualists»، أي: أولئك الذين يفضّلون تخفيض الضّرائب على الثّروات، ويناصرون حقوق الأفراد على حساب حقوق المجتمع، أقنعتهم أكثر تلك المزاعم حول المناخ لمَّا وُضِعتْ جملة الحلّ النوويّ في العنوان. وتتوافق هذه النّتيجة مع رغبة الجماعة ومناصرتها للسّوق غير المنظّمة. أمّا التّشاركيّون المساواتيّون «egalitarian communitarians» -أي: أولئك الذين يقدّرون مصالح الجماعة ويدافعون عن التّشارك العادل للثّروات- فقد اعتبروا أنّ مزاعم تغيير المناخ أكثر إقناعًا تحت عنوان: ""الخالي من التلوّث"". لذا كان المحتوى نفسه مقنعًا إقناعًا مختلفًا حين أُلحقت به عناصر تحاكي قيم المشاركين. وعلّق كريس موني على الدّراسة قائلًا: إنّه « يترجح أنَّ المحافظين سيسلّمون بعلم التّغيّر المناخي إذا حدَّثهم رجل أعمالٍ أو زعيمٌ دينيٌّ يستطيع وضع المشكلة في إطار قيمٍ مختلفةٍ عن تلك القيم التي غالبًا ما ينطلق منها البيئيّون أو العلماء للمحاججة». (المصدر نفسه).
أمّا عبرة القصّة فهي تقوم على أوجهٍ عدّة. يبدو أنّه ثمّة نسبةٌ كبيرةٌ من البشر تتجاهل متقصّدةً دعوات الاستعداد للتّغيّر المناخي. ويبدو أنّهم مدفوعون بتموضعٍ مسبقٍ لسماع الأخبار الجيّدة وإن لم تعتمد هذه الأخبار على الوقائع. وإذا صحّ ذلك، فستكون الصّرخات التي تُطلق في الحشد السياسيّ أفضل وسيلةٍ لاستمالة القلوب؛ لأنّ الإحصائيّات والنّثر الجافّ لن يبلغا أحدًا. ولكنْ ثمّة مسألةٌ أخرى في هذا الإطار، وهي أنّ أولئك الذين يشكّون في انزلاقنا إلى كارثةٍ مناخيّةٍ قد يملكون الأفضليّة. فإذا اختاروا الحدّ من خسائرهم، وبدأوا يستعدون للأسوأ دون القلق المفرط، فسيتمكّنون من تجاوز الأمر تجاوزًا أفضل من مطلقي دعوات النّهاية المحتومة. ولكنّ العلم قد نجح في إثبات كثير من الأمور، لذا فإنَّ أحدًا لن يستفيد إذا اخترنا تجاهل هذا الأمر.
© DR PAUL BIEGLER 2014
بول بيغلر باحثٌ مساعدٌ في مركز أخلاقيّات علم الأحياء البشريّة «Centre for Human Bioethics» بجامعة موناش «Monash University»، بملبورن، أستراليا. إنّه طبيب طوارئ سابق، وصاحب كتاب: ""العلاج الأخلاقيّ للاكتئاب"" «The Ethical Treatment of Depression» (MIT Press 2011) الذي حاز على جائزة يوريكا الأستراليّة للدّراسات في مجال الأخلاقيّات.
