القائمة الرئيسية

من الثَّرى إلى الثَّرى

من الثَّرى إلى الثَّرى
ملخص المقال

قصيدة ""مزمور الحياة"" لهنري وادزورث لونغفيلو تدعو لإيجاد معنى في حياتنا عبر ترك بصمات تلهم الآخرين، لكن هذا الفكر يثير تساؤلات حول فاعليته في ظل تأثيراتنا السلبية على البيئة. الفوضى جزء أساسي من الكون، كما يوضح ""القانون الثاني للديناميكا الحرارية""، الذي يفيد أن الأنظمة تميل إلى التدهور. رغم جهودنا لمقاومة هذا التدهور باستخدام التقنيات مثل المكنسة الكهربائية، فإن الحياة تتجه في النهاية نحو الفوضى والتدهور الحتمي.

قليلة هي القصائد التي لها شهرة قصيدة هنري وادزورث لونغفيلو: مزمور الحياة. وقليلة هي الأبيات الشعريّة التي يُستشهد بها (ويُساء الاستشهاد بها) أكثر من هذا البيت: «أنتَ ثرى، وإلى الثرى تعود». قصيدة المزمور تستحقّ مكانتها في الذاكرة الجمعيَّة، ليس لأنها حسنة السَّبك فقط، بل لأنها أيضًا تحاول أن تُنجِزَ المأثرة المذهلة بإيجاد أسبابٍ للابتهاج في وجه زوالنا السريع. يجادل لونغفيلو أن «بمقدورنا أن نجعل حياتنا سامية/ وعندما نُغادر، نترك خلفنا/ بصمات على رمال الزمن»، وهكذا نُلهِم من يجيء بعدنا. 

ليس من الواضح مقدار العزاء الذي يمكن أن يُستفاد من هذه الفكرة. إن نحّينا جانبًا حقيقة أن بصمتنا الأكيدة ستكون «بصمةً» كربونيّة -ستجعل حياة من يأتون بعدنا صعبةً، بل ربما تحرمهم من الوجود- فإن فكرة النظر إلى أثرنا في حياة الآخرين لجعل حياتنا ذات معنى، لا تفعل شيئًا سوى أنها تدفع سؤال معنى الحياة قُدُمًا من دون إجابة. التعليق الساخر للشاعر ويستن هيو أودن يبدو هنا لائقًا: «نحن على الأرض لمساعدة الآخرين؛ أمَّا لِمَ -بحق السماء- الآخرون موجودون، فهذا ما ليس لي به علم». 

السؤال الضمنيّ لأودن له (ربّما) وقت آخر، ومقال آخر. الآن أريد أن أركِّز على الفترة الفاصلة بين الثرى والثرى، ورحلتنا بين الغبار الذي جئنا منه إلى الغبار الذي إليه نعود؛ على التحديد، أريد أن أركّز على تنظيف الغبار الذي يجري في هذه الفترة. 

أستخدم «تنظيف الغبار» بوصفها عبارةً جامعةً لجميع نشاطات التنظيف التي تشغلنا بين خمول الثرى قبل ولادتنا وخمول الثرى بعد موتنا. والهدف المشترك بينها هو فرض النظام أو إعادته في الأماكن المختلفة التي نجد أنفسنا فيها، بدايةً بأجسادنا. وهي لا تقتصر على تنظيف الغبار، بل تشمل: الغسيل (الوجوه والملابس والأطباق والسيارات الشوارع)، والتجفيف (الشيء نفسه)، والمسح (عدد لا يحصى من الأسطح)، والتلميع (الأحذية والأواني والنصوص النثريّة)، والترتيب (الغرف ورفوف الكتب والسجلّات التاريخيّة)، والفرك والكنس وإزالة الأعشاب الضارّة، والتقاط النفايات ووضعها في أكياس النفايات... والقائمة لا تنتهي من الطُّرق والتقنيات التي وضعناها لمساعدتنا في تنظيف الغبار، بين الثرى الأوّل والثرى الثاني. إحدى الطرق المفضّلة عندي (كفكرة، أكثر من كونه نشاطًا) هي التنظيف بالمكنسة الكهربائيّة («الفراغيَّة»). فكرةُ تطويع اللّا شيء -الفراغ- لمساعدتنا في إحداث النظام، هي فكرة -بحدِّ ذاتها- نافعة عمليًّا ومجنونة على نحو لذيذ. ولكنَّ العواء الحزين للمكنسة الكهربائيّة قد يبدو للأذن المُدوزَنة فلسفيًّا مُعبِّرًا عن عبثيّة ترتيب العالم وعكس أو تحاشي التغيير غير المرحب به، من بينها تلك التغييرات التي تدفعنا من الثرى الأول إلى الثاني. لا شيء يبرّر هذا القنوط أكثر من فكرة أن الأفعال التي نتّخذها لتجنّب أو تقييد التدهور، ترسل تموّجات من العواقب غير المقصودة التي قد تُخلُّ بالنظام الذي نحاول تحقيقه. وهذا ينطبق أكثر ما يكون على ملايين الأشياء التي تساعدنا في مشروعنا الحياتيّ الهادف إلى تقييد الفوضى، حتى عندما نعتني بها أعظم عناية ونتَّبع التعليمات تمامًا. المنازل التي تُؤوينا من العالَم الطبيعيّ تصيبها الفوضى بنزولنا فيها. الملابس التي تبقينا دافئين وجافّين تهترئ عندما نلبسها. الفُرشاة تُفرِّش نفسها إلى العدم. كل ميل يُقرِّب المركبات إلى ساحة التشليح. لا عجب أن المكانس الكهربائيّة تنعى نفسها بصوت عالٍ. 

 

الفوضى تتزايد

في الحقيقة، المشكلة أقرب إلينا ممّا نتخيَّل، أقرب من الأجهزة الكبيرة والصغيرة، البسيطة والمعقّدة، التي نستخدمها لاستبقاء المسافة بيننا وبين الغبار الذي سنكونه. قُوَى الفوضى نشطة حتى فينا: في رؤوسنا وأذرعنا وسيقاننا، وفي الجيش الخفيّ من الأعضاء والخلايا والعُضيَّات التي تدعمها. ومع أننا قد نبقيها بعيدةً وندفع الأحداث التي تُناقِض مقاصدنا لبعض الوقت، إلا أن الاضطراب نزعة متأصّلة في الكون الذي نعيش فيه. العالَم الماديّ ليس مُنبهرًا بأفكار النظام التي نحاول، نحن المنظفون والماسحون والمزارعون والبناؤون والمشرِّعون ورجالات الدولة، الحفاظ عليها. ربما تستطيع الآن توقُّع هوية هذه النزعة، إنها تسمَّى «القانون الثاني للديناميكا الحراريّة». 

القانون الأول مُطمْئِن: إذ يقول إن شكل الطاقة يمكن أن يتغيّر، ولكن كمية الطاقة أثناء العمليّات الفيزيائيّة -بما فيها الطاقة المخزونة في المادّة- تبقى ثابتة (باستثناء العمليّات التي جاء بموجبها الكون).

 القانون الثاني أبعد ما يكون عن الطَّمْأنة. توجد طرق مختلفة لعرض هذا القانون الذي وصفه الفيلسوف ألفريد نورث وايتهد، عن حقٍّ، بأنه «القانون الأكثر ميتافيزيقيّةً من بين جميع القوانين الفيزيائيّة». إحدى طرق عرضه هي بالقول إن النُّظُم المُغلقة تنزع إلى أن تصير مضطربةً اضطرابًا مُتزايدًا. عندما يُطبَّق القانون على نطاق أوسع، فهو ينطوي على أنَّ الكون بجملته يتطوَّر نحو «توازن حراريّ»، بعبارة أخرى: «موت حراريّ»، حيث لا توجد حالات منظّمة، ولا حتى كيانات منفصلة، بل ضربٌ من السُّكون الجُسَيْميّ في عموم الكون: غُبارٌ كونيّ.  

القانون الثاني يُرَى في جميع حقائق الحياة اليوميّة: ما ينسكب يصنع بقعًا، لكن البقع لا تجمع نفسها إلى قطرات وتعود إلى القنّينة من تلقاء نفسها. الأشياء تصير، تلقائيًّا، مبعثرةً ومفكّكةً ومتكسّرةً ومتّسخةً ومُختلّةً. وقليلة هي الظروف -إن وُجِدَت أصلًا- التي تصير بها الأشياء، من تلقاء نفسها، منظمةً أو مرتّبةً ومكتملةً أو منظَّفةً. وبينما القوانين الفيزيائيّة الأخرى تعمل وفق فكرة أن التغيّرات الفيزيائيّة قابلة للعكس -ذَرَّةٌ تتحرّك إلى اليسار يمكن أن تتحرّك إلى اليمين- فإنّ الانتقال من حالة نظام نسبيّة إلى حالة فوضى نسبيّة هي طريق ذو اتّجاه واحد؛ لأن هناك عددًا أكبر بكثير لطرق الفوضى من طرق النظام. التغيير غير الموجَّه سينتج عنه فوضى متزايدة. 

لذا فرصنا، نحن الذين خرجنا من الثرى، ليست جيّدة. أجل، بمقدورنا أن نؤجِّل، بشكل مؤقّت وموضعيّ، سقوطنا في الفوضى. وقدرتنا على فعل هذا قد حُسِّنت بشبكات كبرى من التعاون بين الأفراد وعبر الأجيال. إن تعرُّضنا لرياح التغيير العشوائيّ قد خفّفتها المعارف التي طُبِّقت فيما لا يُحصى من الطرائق، ويشهد عليها أفق لا حدَّ له من الأدوات. هذا يتجلّى على أحسن ما يكون في الزيادات المتواضعة في متوسّط الأعمار المتوقّع، الذي يوسِّع الشَّرطة بين الثرى الأول والثرى الثاني.

 

ضد الموجة

السَّريان الكُلِّيّ للقانون الثاني يسلّط الضوء على القدرة الغامضة للحياة على السباحة -ولو مؤقّتًا- ضدّ الموجة. والغموض يتعمَّق عندما نتأمّل أننا، بقدر ما، جزء من الموجة. الحياة العضويّة -القصّة التطوريّة التي ينتمي البشر لمخرجاتها المتأخّرة- وتجاربنا الفرديّة أيضًا، جميعها ظهرت ضدّ التوجُّه العامّ للكون، على الرغم من أنها تجلّيات للقوانين الطبيعيّة. وإن غضضت النظر عن مظهر كاتب المقال، فإنه كائن منظَّم للغاية: فلكيانه الجسديّ هرميّة مذهلة من البنى المتّصلة اتّصالًا مُعقَّدًا، التي تعمل على مستوى الجزيء والخليّة والعضو والنظام الفيسولوجيّ والجسد بعمومه. وفي كل هذا هو خارق للعادة فيما يخصّ الديناميكا الحراريّة. إنه أكثر خَرْقًا للعادة حتى من -على سبيل المثال- أكثر الأعمال الفنيّة جمالًا، هذا لأن وجوده لا ينفكّ عن التغيير.

لقد وصف عالِم الكيمياء الحيويّة العظيم فريدريك غولاند هوبكنز الخليّة الحيّة على أنها «توازن ديناميكيّ في نظام متعدّد الأطوار». القول: إن الخلية، وبالتالي الحياة التي توجد فيها، نظام متعدّد الأطوار -نظامٌ ينطوي على عدّة خطوات ومراحل- بخسٌ لها. حتى لو حاولتُ وصف الخطوات والمراحل الأساسيّة للتغيّرات البيوكميائيّة، فهذا سيستهلك حدود الكلمات المطلوبة مني مرّات ومرّات. ولكنَّ تعدّدها يجعل حقيقة أن الخليّة متوازنة ديناميكيًّا أكثر إذهالًا. هذا يعني أنه في داخل الخليّة ثَمّة تغيّرات متعدّدة لا تنتج تغيُّرًا صافيًا؛ إذ إن التغيّرات في أحد الاتجاهات تُلغيها التغيّرات الأخرى. طفرة الحياة -خصوصًا تلك الطفرة العضويّة المعقّدة من قبيل كاتب هذا المقال وقارئيه- تعتمد على روح «التنظيف أولًا بأول»، الجليَّة على المستويَيْنِ المجهريّ والعيانيّ. وبالفعل، هذه الحالة الأنيقة من التوازن الديناميكيّ تتجلّى في العديد من الطرق وعلى مستويات عديدة في جسدي؛ كاستقرار البوتاسيوم الخلويّ، واطِّراد حرارة جسدي، وقدرتي على الوقوف مستقيمًا. لا شيء أكثرُ من هذا تعارضًا مع اتجاه الكون العامّ نحو توازنٍ عديم الشكل.

ما هو أكثر إذهالًا هو العمليّة التي من خلالها أجسادنا -في أجساد أمّهاتنا- تُركِّب نفسها. لقد احتفل بهذا على نحو جميل الشاعر آلفريد إدوارد هوسمان:

«من بعيد، من حوَّاء والصَّباح،

وتلك السماء ذات الرياح،

هبَّت مادّة الحياة من هناك

وها أنا ذا صرت».

(من بعيد، من حوَّاء والصَّباح، 1896).

 

التلاقي بين الأشتات التي سيكون منها الإنسان يشرف عليه جسد الأمّ حيث ينمو، وهذا المعنى ليس بالضرورة أكثر إذهالًا من النموّ الذي يقع بعد الولادة للوليد. ومع ذلك، علينا أن نأخذ في الحسبان الاستهتار الظَّاهر بالقانون الثاني، الذي يبدو أنه يُفضِّل أن تذرونا الرياح. 

يمكننا أن نحقّق تقدُّمًا تجاه فهمه إن تذكرنا أننا لسنا نُظُمًا مُغلقةً. يجادل إرفين شرودينغر (صاحب القطّة الشهيرة)، في كتابه الصادر عام 1944 «ما الحياة؟»، أن الكائنات الحيّة تتجنَّب الانحلال «بالأكل والتنفُّس والشرب، و(في حالة النباتات) بالتمثُّل». ومع ذلك، تفاعلنا الفيزيائيّ مع العالم بالكاد يكون كشفًا، وليس من الواضح كيف أن الكائن الحيّ «يشرب الانتظام من بيئةٍ مناسبة»، وكيف أن تمثُّل الطاقة من الخارج يحول دون أن يقع نظامٌ من التوازن الديناميكيّ في الفوضى. لفهم هذا، علينا أن نُقدِّر دور الجُزيئات الضخمة في تنظيم ما يحدث في الخلية، ودور الخلايا في تنظيم ما يحدث في الأعضاء، ودور الأعضاء في تنظيم ما يحدث في الكائنات الحيّة من شاكلتي وشاكلتك. 

المثال الأوضح على جزيء ضخم هو بالطبع الحمض النوويّ، الذي ينظّم إنتاج المُنظِّمات الأخرى، كالبروتينات والإنزيمات. احتمالات أن تنتظم الجزيئات من تلقاء نفسها في حمض نوويّ احتمالات ضئيلة (من باب التلطيف) -نحو 1 في4300,000,000 - ولكن زُهاء أربع مليارات سنة ومرجل يغلي على شكل كوكب، قد يكون كافيًا لحدوث هذا بالصدفة. وقدرة الحمض النوويّ على الانقسام والاستنساخ تعني أن التغلُّب على عدم الاحتمالية هذه لا يجب أن تتكرّر لكل حياة جديدة. 

ولكن، في نهاية المطاف، ستنتصر الفوضى، وبطرق قانونيّة. البوتاسيوم يتجاوز الحدود المتوافقة مع الحياة، انقسام الخليّة يفشل أو يخرج عن الانتظام، العظام تتهشَّم والمفاصل تتعطَّل، ويسقط كاتب هذا المقال لآخر مرة. العمليّات التي صوَّرت الكائن الحيّ في الرحم، والتي أبقت يده اليسرى وابتسامته وأظافر قدمه معًا بوصفه شيئًا واحدًا ذا اعتبار، تبدأ الآن بالتهافت. الموجة، التي سبحنا ضدّها، تغمرنا من داخلنا وخارجنا؛ ويتبيَّن أننا سمكة قابلة للذوبان. نثور ونحاول أن نُبقي على نظافة أنفسنا وترتيب منزلنا، عبثًا. وفي النهاية تجرفنا الموجة. ننفض الغبار آخر مرةٍ، ثم نصير غبارًا. 

© البروفيسور ريموند تاليس 2021

كتابُ ريموند تاليس الأخير: «الحرّيّة: وقع مستحيل» نُشرَ مؤخّرًا. 

 

مقالات ذات صلة