أهلًا بك بروفيسور ""هارمان"". كيف كانت أول معرفتك بالفلسفة؟
من المفارقات أن أمي رأت أني فيلسوف قبل أن أرى ذلك بنفسي، وإن لم يكن ذلك مفاجئًا. حين كنت في الثالثة عشر - أو الرابعة عشر من عمري - قدم أستاذ فلسفة كان يعيش في مدينتنا دورة موجزة في الموضوع، وسجلت أمي اسمي من دون أن تسألني. كانت التمهيد المعتاد إلى حد بعيد، قرأنا كتب «أفلاطون»: دفاع سقراط، وكريتو وفايدو. لم أر في تلك المحاورات في ذلك السن إلا أنها نقاشات مملة تدعي الورع عن الفضيلة والحكمة وما إلى ذلك. لم يكن لدي الاستعداد الكافي لـ«أفلاطون». وفي وقت ما – بعدها بسنة أو اثنتين - سجلت أمي اسمي ثانية في دورة مسائية أقيمت في مدرستنا الثانوية عن فلسفة القانون، كان يدرسها معلم ذو شخصية جذابة. أثارت تلك الدورة اهتمامًا أكبر داخلي. تناقشنا في تاريخ حالات مثل: حين أكل رجلان في قارب رجلًا ثالثًا ليتمكنوا من البقاء على قيد الحياة، هل يحكم بإدانتهم بالقتل أم لا؟ ومع ذلك فلم أشعر وقتها بميل داخلي إلى مثل هذه الأمور. ولكن كان لدينا مجموعة من دوائر المعارف في البيت - مرة أخرى كانت أمي من اشتراها، وقد كانت شديدة الذكاء رغم أنها لم تحصل تعليمًا نظاميًا واسعًا - فاعتدت قراءة المقالات في دوائر المعارف تلك. وذات ليلة - حين كنت في السادسة عشر من عمري - قررت قراءة مدخل «الفلسفة» في دائرة المعارف. وعلقت بحبها منذ تلك اللحظة. ما أثار الاهتمام فيّ وقتها كان أسلوب عرض المقالة لتاريخ الفلسفة وكأنها مجموعة متنافسة من النظريات المتطرفة عن الواقع، أو بعبارة أخرى: كانت تلك المقالة أول اطلاع لي على الميتافيزيقا، وليس على الفلسفة باعتبارها خطابًا عن العدالة أو القانون، وكان أول ما ذقت من الميتافيزيقا أقرب إلي وأشد تأثيرًا. وأنا في القلب عالم ميتافيزيقا، وكان هذا مدخل الفلسفة الذي احتجته.
في عام 1999 أطلقت على منهجك «فلسفة الأشياء»، ثم أطلق عليها «ليڤي براينت» عام 2009 «أنطولوجيا الأشياء (أ.أ)»، وهي التسمية التي شاعت وبقيت. كيف تُعرّفها أنت؟
أرى لأنطولوجيا الأشياء خصيصتين هما الأهم، وإن كانت جماعتنا لم تتفق إلا على الأولى منهما فقط. الخصيصة الأولى هي فكرة «الأنطولوجيا المسطحة»؛ وهذا يعني أن كل الأشياء تتساوى في كونها أشياء، وأهم من ذلك كله أن البشر لا يختلفون في النوع عن كل ما سواهم، وكأن الكون ينقسم إلى نوعين أساسيين من الموجودات. الخصيصة الثانية للـ«أ.أ.»، وهي مهمة جدًا عندي - وإن لم يوافقني براينت مثلًا عليها؛ وهذه الخصيصة هي معنى أن هناك نوعين فقط من الثنائيات يحكمان الكون؛ الثنائية الأولى: تمييز الـ«أ.أ.» المعروف بين «الحقيقي المنسحب» [عالم «كانط» كما هو في ذاته، Ed] والعالم الذي يمكن التواصل الحسي معه مباشرة. والثنائية الثانية: هي الفجوة التي لا تقل أهمية بين الموضوعات وصفاتها. وهذه النقطة الثانية عادة ما يغفلها نقادي تمامًا، بل وحتى بعض المتفقين معي، ولكن لا يمكن فهم الـ«أ.أ.» بدون الانتباه إليها.
ما الذي توافق فيه «برونو لاتور»، ونظريته «شبكة الفواعل»، وما الذي تنتقده؟
سيدخل «لاتور» كتب التاريخ؛ لتمييزه التركيب الحقيقي للحداثة والحاجة إلى تجاوزه. تنزع الحداثة إلى تعريف الواقع في نطاقين اثنين متمايزين فقط؛ هما: (1) الإنسان (2) كل شيء آخر. وهذا أسلوب التفكير الحداثي السيء الذي أسميه «التصنيف» أو «التصنيف الأنطولوجي». لكن حل «لاتور» ليس حلًا جيدًا؛ فإنه رأى أن الحل النهائي للتخلص من هذه الثنائية الحداثية أن يقال: إن كلًا من الإنسان وما سوى الإنسان موجود في كل مكان وزمان في خليط هجين. وهذا يودي به إلى مزلق طريق يبدو مثاليًا، يقول بأنه لا يمكن لشيء أن يوجد من دون الإنسان الذي يجمعه إلى الوجود. انظر مثلًا قوله: إن السل لم يكن ليوجد في مصر القديمة لأنه لم يكن قد اكتُشف بعد. وهذا سبب كراهية أكثر العلماء لـ«لاتور»، وإهمال أكثر العلماء الواقعيين له. لكن تقريره لمشكلة الحداثة تقرير بارع، وسينظر إليه - باعتباره نقطة فاصلة - بمجرد أن نتجاوز حقبة «التصنيف الأنطولوجي».
أنت واقعي لكنك لست ماديًا. كيف تصف موقفك؟
عادة ما أسمي نفسي «شكلاني»، وأقصد بذلك «الشكل الجوهري» بالمعنى القروسطي واللايبينتسي الذي يشير إلى الأشكال المتوارية في الأشياء نفسها وليس في الأشكال المجردة من الأشياء في ذهن الإنسان.
مشكلة المادية أنها تؤول إلى شكل من الاختزالية. المادية التقليدية تختزل كل شيء إلى جزيئات تسبح في الفراغ. وهذه طريقة «التقويض» التي لا يمكن الاعتماد عليها في نشأة الأشياء الجديدة ما فوق المستوى الأصغر. والمادية الأحدث المتعلقة بالدراسات الثقافية تعني ببساطة أن كل شيء تاريخي، محتمل مصادف، تَكوّن من خلال الممارسات الاجتماعية، وما إلى ذلك. وهذا نموذج مقلوب من المادية الميتافيزيقية التقليدية؛ لأنها تختزل الأشياء إلى الأعلى، إلى علاقاتها الاجتماعية. وهذا يجعلها عرضة لأي نقد يمكن أن يورده عليها أي فيلسوف واقعي؛ فمثلًا: إذا لم يكن لشيء ما إلا علاقاته الاجتماعية الحالية،فكيف سيمكنه أن يدخل علاقات جديدة في المستقبل؟ يجب أن يكون كل شيء جامدًا في مكانه في شبكة علاقاته الحالية، من دون أن يتحرك شيء على الإطلاق.
هل نعود إلى «إيمانويل كانط»؟
لعل «إيمانويل كانط» هو رمز الفيلسوف المعاصر، أكثر حتى من «رينيه ديكارت». فإذا أردنا أن نعود ونتناول النقطة التي حادت فيها الفلسفة الحديثة إلى الطريق الخطأ، فلا أرى سبيلًا لفعل ذلك من دون مصارعة «كانط» مباشرة، بدلًا من مصارعة خلفائه - ولديه عشرات من الخلفاء المهمين، وإن كان «هوسرل» و«هايدغر» هما المفضلين لدي.
أشهر المقولات الناقدة لكانط وأشدها تأثيرًا: نقود المثاليين الألمان. نحن «لا يمكننا أن نفكر في أمر خارج الفكر من دون أن نعيده إلى الفكر؛ وبهذا فالشيء نفسه [العالم المستقل عن إدراك الإنسان وفكره] فكرة تناقض نفسها.» منطق هذه الحجة الوحشي - فيما يفترض - يعتمد في الحقيقة على المساواة بين نوعين مختلفين من «الفكر». بينما تعتقد الـ«أ.أ.» أنه يمكننا أن نشير إلى شيء خارج الفكر من دون أن نفكر فيه بالمعنى الحرفي للوصول الذهني إلى صفاته. تتجاهل المقولة المثالية الألمانية أي أمر كالإشارة؛ فإما أن تفكر في أمر بالمعنى الضيق للتفكير، وإما أن تُترك بإيماءات مشوشة وتلويحات باطنية. ويبدو أن أحدًا آخر لم ينتبه إلى أن هذه مقولة ضعيفة في صورة مغالطة «مينو»: [إذا لم نكن نعرف ما هو س بالفعل؟ فكيف سنعرف س حين نجده؟].
وعلى أي حال فالمشكلة الحقيقية مع «كانط» ليست الشيء- في ذاته - أو المحدودية، وإني أعد كليهما اكتشافين فلسفيين مبهرين. المشكلة الحقيقية أن «كانط» يظن أن الشيء -في ذاته - لا يؤرق إلا البشر، بينما يمكن لانسحاب الواقع من الاتصال المباشر أن يوجد في الحقيقة حتى في العلاقات الهمجية العادية.
يقول بعض النقاد: إن منهجك بالغ التطرف؛ لأنه يجعل الإنسان شيئًا من الأشياء. كيف ترد على ذلك؟
إن أنطولوجيتي المسطحة: «كل شيء شيء كغيره»، هي نقطة البداية لا أكثر. لكن الميتافيزيقا يجب أن تبدأ بعدم قبول أي مقولات معتادة سابقة عن كون العالم مقسًّمًا. إن أخطر التحيزات في هذا الشأن - بداية من العصور الوسطى وصولًا إلى كانط (1724-1804) - كان افتراضهم أن الخالق والمخلوقات مختلفين تمامًا في النوع. والخطر بالنسبة للمحدثين - وهذا ما يزال يضمنا نحن في مطلع القرن الحادي والعشرين - أننا لدينا نموذجَ أن البشر في جانب، وكل شيء آخر في الجانب الآخر.
أشار «ألكسندر غالواي» - في مقالته: «فقر الفلاسفة» (2012) - إلى أن «أنطولوجيا الأشياء» تضع البشر على مستوى القمامة نفسه. ما يزعجه في الأنطولوجية المسطحة أنه يريد شكلًا مشوشًا من اليسارية السياسية تضع شروط الولوج إلى سائر الفلسفات. وهذا يصير مستحيلًا بمجرد أن منعت أنطولوجيا الأشياء الإنسانَ من أن يكون المدخل الوحيد إلى الفلسفة. والحقيقة أن اليسار كما نعرفه - وإن كان أفضل من اليمين كما نعرفه - نشأ عن حقبة من المثالية الفلسفية؛ ولذلك أرى وجوب إعادة النظر فيه من أوله إلى آخره. ولكن الأهم، أنه أيًا كانت آراؤك السياسية، فإن الأنطولوجيا المسطحة تعني أن تلك الآراء لا يمكن أن تُبنى في الميتافيزيقا الخاصة بك.
كتبتَ ذات مرة أن الأنطولوجيا [علم الوجود] لا علاقة لها بالسياسة. ما الذي تقصده بذلك؟
أفضل صياغة ذلك بطريقة مختلفة قليلًا، فأقول: إنه ليس بين الفلسفة وتداعياتها السياسية طريق مباشر مختصر. ضع في اعتبارك أن أكثر أو كل الفلاسفة العظماء قد انتموا إلى فئات من الناس على جانبي الطيف السياسي. فهناك يساريون ويمينيون من الهيغليين والنيتشويين والهايدغريين. «هايدغر» نفسه كان نازيًا، لكن كان له أتباع كثر من اليسار؛ منهم «هيربرت ماركوزه». وكلهم يستخدم «كانط».ولكن انظر مثلًا إلى حالة مثل الميتافيزيقي والفيلسوف السياسي الفرنسي المعاصر «ألان باديو»، أظن أنه لم يتبين بعد كيف ستكون أهميته في تاريخ الفلسفة. لكن أكثر ما يشغلني حياله الآن انتماؤه إلى اليسار السياسي الذي يراه مدافعًا منظرًا قويًا عن أهم آرائهم. ولكن يظهر لي أن هناك أمرًا اعتباطيًا في أن «باديو» لا يسمح إلا بأن تكون الفعاليات السياسية في شكل ما من «الثابت الشيوعي». فهل يظن حقًا أن لا يوجد ما يمكن تعلمه من أي مكان سوى اليسار؟ هل من المستحيل حقًا أن تعقد فعالية سياسية تعلم درسًا به نوع من التوسط أو حتى التحفظ؟ لست متيقنًا. لا يكون ذلك إلا إذا كنت مستعدًا أن تأخذ كل إخفاقات اليسار وتسميها نجاحات. فمثلًا: أليس علينا أن نضع في الاعتبار أن الثورة المصرية عام 2011 قد أخفقت؟ يتفق «باديو» و«تشيتشيك» على تأييد تلك الثورة، وقد كانت حدثًا جللًا بالطبع - وقد كنت في مصر وقت وقوعها، لكني أعرف الكثير من المصريين ممن يفضل أن لو عادت أيام «مبارك»، ولكن قبل أن ننفض أيدينا منهم - باعتبارهم توفيقيين ضعيفي العزم - علينا أن ننظر عن كثب إلى ما أساء تقديره ثوار ميدان التحرير.
أظن أننا نتعلم درسين سياسيين مهمين من «لاتور»، رغم أنه لا ينظر إليه عادة باعتباره فيلسوفًا سياسيًا؛ أولًا: تدور الفلسفة الحديثة حول سؤال ""حالة الطبيعة"": هل البشر بطبيعتهم أخيار أم أشرار؟ وبانتقال «لاتور» إلى اعتبار الدور السياسي للأشياء غير الحية يظهر لي اضمحلال أهمية الطبيعة الإنسانية. وإحدى أهم المقولات التي يحب المحافظون تكرارها وشرحها هي أن طبيعة الإنسان لم تتغير البتة؛ أي أننا حيوان خطِر. ومن خلال المعرفة العميقة بالفكر والتاريخ القديم سيتبين لنا كيف تعلمت الجماعة الأكثر حكمة من قبح الطبيعة الإنسانية لتبنيَ الحذر اللازم للدولة المدنية [بوليس- Polis]؛ هذه المحاولة لخلق مدينة فاضلة عادة ما يؤول بها الحال إلى أن تكون جحيمًا على الأرض، وهكذا. لكن لو لم تعد طبيعة الإنسان مفتاح الصورة السياسية فهذه الحجة ضعيفة جدًا. ثانيًا: شاع نزوع في اليمين واليسار – وإن كان شيوعه في اليسار أكثر - بأن المعرفة السياسية ممكنة؛ فمعرفة أننا ولدنا أحرارًا مثلًا، ثم وضعنا مجتمع فاسد في السلاسل، أو أن الطبقة الرأسمالية استغلتنا لاستخراج فائض القيمة … ولو كنا سنتعلم شيئُا من ذوي الفكر المحافظين فسيكون أمرًا له علاقة بزيادة حذرهم في عالم السياسة. ففي حالات متعددة يكون حفظ ما لدينا أكثر الأهداف حكمة. لا يمكننا أن نطوف العالم ونحن نصرخ منددين بما فيه من انعدام أخلاق وظلم. وفي النهاية فإن السياسة والأخلاق نمطا وجود منفصلان، وهذا أيضًا مما يستفاد سياسيًا من فكر «لاتور».
من غير «برونو لاتور» يمكن أن تقول عنهم: إنهم مرجعياتك الأساسية في النظرية الاجتماعية؟ هل منهم «مانويل دي لاندا»؟
نعم، «دي لاندا» في هذه القائمة عندي قطعًا؛ تعلمت كثيرًا من كتابه: «فلسفة مجتمع جديدة» A New Philosophy of Society (2006). ورغم أني أسمع المنظرين الاجتماعيين يشكون من بعض جوانبه، لكنهم ما يزالون يحيلون عليه ويقتبسون منه كثيرًا، بل إنهم يقتبسون منه أكثر مما يقتبسون من كتبه السابقة، إذًا فلابد أنهم يستفيدون شيئًا منه على أي حال.
الصفحات الأولى من الكتاب هي المفتاح عندي فيما يتعلق بعملي. في هذه الصفحات يميز «دي لاندا» تمييزًا سيكون شديد الأهمية لأنطولوجيا الأشياء، رغم أنه لا يستخدم الاصطلاح الذي أستخدمه. فيقول: إنه على الرغم من كون البشر جزءًا من المجتمع الإنساني فللبنى الاجتماعية حقيقة لا تعتمد على تصور العقل البشري لها. وقد اعتدت أن أذكر هذا الفرق بين الإنسان باعتباره «مكوِّنًا»، وباعتباره «مراقبًا» في أي سياق. كان لهذا الفرق دور مهم في كتابي الذي صدر مؤخرًا: «الفن والأشياء» Art and Objects (2020)، وستزيد أهميته في نقدي للتصنيف الأنطولوجي. والأهم من ذلك كله أنه يتيح لنا أن نرى الخطأ في كل هذه العصرية ""الهبسترية"" التي ظهرت في العقود الأخيرة عن «الانعكاسية الذاتية» «self-reflexivity»؛ لأن تفكر الإنسان في المجتمع الإنساني ليس «انعكاسًا ذاتيًا»؛ لأن «أنا» الذي هو جزء من المجتمع ليس هو - باعتبار ما - «أنا» الذي يراقبه ويتكلم عنها.
ترى أن عالم الفن محوري لأنطولوجيا الأشياء. ما هو دور الفن في نظريتك؟
أنطولوجيا الأشياء تتوجس من كل أشكال «الحرفية»، وليست المعرفة إلا نموذجها الأبرز.
تعرّف أنطولوجيا الأشياء الحرفيةَ بأنها الخلط بين الشيء وبين مجموع خصائصه، كما كان الأمر عند «ديڤيد هيوم""»الذي لم يكتف باختزال التفاح إلى مجموعة من الصفات، بل اختزل أيضًا الذوات الإنسانية إلى مجموعة إدراكات. وأرى أن التجربة الجمالية هي نوع التجربة التي تضع الحد الفاصل بين الأشياء وصفاتها، وهو ما يتطلب من الناظر أن يميل إلى جانب ""الشيء"" من الثنائية؛ لأن في التجربة الفنية ينسحب الشيء من المشهد ونحتاج أن نحل مكانه بأنفسنا. وبعبارة أدق: أتكلم هنا عن ""التجربة الفنية""، وليس ""الجماليات"" بمعناها في أنطولجيا الأشياء؛ لأن الجماليات في أنطولوجيا الأشياء تشير إلى تمييز أوسع بين الشيء والصفة، الذي نجده في إحساسنا بالزمن، بل وفي المعاملات العادية أيضًا. ويشيع في الحقبة الحديثة نزوع إلى افتراض أن أصدق المفكرين وأعمقهم هم العلماء. بالطبع لدي إجلال شديد لنيوتن ولاڤوازييه وماكسول وأينشتاين وبور، لكن لم يجب عليّ أن يكون إجلالي لهم أكثر مما أُجل شكسبير أو بيتهوڤن أو بيكاسو؟ للجنس البشري إنجازات إدراكية فكرية في اتجاهات وعوالم مختلفة عن عالم المعرفة.
لقد قلت: إن الفلسفة لا تتكلم عن المعرفة وإنما هي حب للمعرفة، وبذا لدينا فقط تواصل غير مباشر مع المعرفة. كيف ذلك؟
هذا مشابه لاهتمامي بالجماليات. مارس «سقراط» الفلسفة، ولم يمارس نظرية المعرفة ولا العلوم الطبيعية. سأل عن تعريفات الأشياء، ولكن لم يصل قط إلى أي تعريف مُرض. يصف نفسه بالجهل، ويصر على أنه لم يكن قط أستاذًا لأحد. ولا أفهم من ذلك أنه تعبير فيه مفارقة عن سموه عن الجماهير، وإنما وعي صادق بجهله. المعرفة أمر عظيم. يحتاج الجنس البشري المعرفة حتى يبقى، لكن المعرفة ليست كل شيء.
قلت ذات مرة: إن الفلسفة يجب أن تكون ظريفة. هل هذا أمر تعلمته من ""برونو لاتور"" و""سلاڤوي تشيتشيك""؟
لا شك أن «لاتور» و«تشيتشيك» من الظرفاء بشكل لم يكن عليه «هايدغر». والحق أن ذلك كان واحدًا من الأمور التي جذبتي إلى أعمال «لاتور» حين وقفت عليها لأول مرة عام 1998. وبعد ذلك أخبرني الفيلسوف اللاتوري الهولندي البارز ""جيرارد دي ڤريز"" أنه انجذب إلى أعمال «لاتور» قبل ذلك بأعوام للسبب نفسه. لكن الفكاهة كانت مهمة عندي من حيث كونها موضوعًا منظريًّا منذ مدة طويلة قبل أن أقرأ «لاتور» لأول مرة. ولعل أفضل الأوراق البحثية التي كتبتها من ضمن متطلبات إنهاء الفصل الدراسي كانت ورقة كتبتها في جامعة ""دي بول""، وكانت محاولة لإعادة بناء نظرية ""أرسطو"" في «الملهاة» ؛ بناء على بعض الإشارات في كتاب الشعر له. كتبت تلك الورقة منذ مدة طويلة، لعل ذلك كان عام 1991، في وقت كانت أولى إرهاصات أنطولوجيا الأشياء مازالت في بداية التشكل. ولعل هذا لأن ما أعده أول آرائي الفلسفية الأصيلة - وكان ذلك في سنوات الدراسة الجامعية عام 198 - كان ملاحظة أن تعريف ""القصدية"" عند « هوسرل» وتعريف «الملهاة""» عند «أرسطو» بينهما جوانب مشتركة معتبرة. القصدية تعني أن في أي فعل ذهني يأخذ الذهني شيئًا بجدية، بينما الملهاة تتعلق بملاحظة عامل يأخذ شيئًا بجدية نعتقده نحن أدنى منا باعتبار ما. هذه هي فكرة أرسطو التي تقول بأن ""الملهاة عن أناس أسوأ منا""، حيث لا تعني كلمة «أسوأ» إلا أنهم يأخذون بجدية أمورًا لا نأخذها نحن على نفس محمل الجد، حتى ولو كانوا أعلى منا في أوجه أخرى.
في رأيك ما هي أشد الأسئلة إلحاحًا أمامنا اليوم؟
أرى أنها الأسئلة البيئية، وليس النظام الرأسمالي. لقد أفسدت الكتلة الشيوعية البيئة بما لا يقل عن إفساد الرأسمالية الغربية، وسنحتاج استعمال بعض الأدوات الرأسمالية سواء أحببنا ذلك أو كرهناه؛ للخروج من هذه الأزمة البيئية. ويبدو أن الرأسمالية تتفكك إلى مرحلة بلوتوقراطية لا تملك لنفسها مخرجًا. لكنني أنزعج من سهولة تحقيق مكاسب الاستعلاء الأخلاقي هذه الأيام بمجرد التنديد بالليبرالية المحدثة [النيوليبرالية]. أخشى أن معظم من قابلت من المعادين للرأسمالية يبدو أنهم يظنون أنهم يعرفون كل شيء، وذلك دومًا أخطر حال يمكن أن يتلبس بها أحد. والقضايا البيئية على الأقل تتميز بكونها مراوغة وهي في الوقت نفسه عاجلة، وهذا عندي يعني أن الاحتباس الحراري أقرب إلى استثارة فكر جديد من أي نقد مستقر للرأسمالية اكتفى بتكرار الشكاوى نفسها لمدة قرن.
ما الذي ينبغي على فيلسوف صغير تعلمه؟
ما يزيد كثيرًا عن الفلسفة وحدها. من المهم أن ينفتح على أي مجال آخر، ويكون له فضول للاطلاع عليه، بما في ذلك ما قد لا يكون مثيرًا لاهتمامك البتة. أنا مثلًا لم يكن لي أدنى اهتمام بتاريخ الحدائق الإنجليزية، إلى أن اكتشفت أثناء بحثي لكتابي عن المعمار أهميته العظيمة في تاريخ الجماليات. وتمثل الحدائق أثرًا مفاجئًا للصين في تطور الجماليات الإنجليزية، وهي بدورها تؤثر في الرومانسية وفي جماليات كانط نفسه. دقق النظر وأنصت السمع فربما تجد نفسك فجأة مولعًا بأمر لم تكن تعلم عنه شيئًا قبل ذلك. دائمًا ما أحاول أن أتذكر أني عام 1987 لم أكد أعلم شيئًا عن «هايدغر»، لكن بعدها بعقد أو يزيد قليلًا صرت متقنًا لكل كتاباته، لا لشيء سوى أنها صارت مهمة لي لسبب لم يكن مهمًا لي من قبل.
تياغو بينيو: طالب دكتوراة في العلوم الاجتماعية في جامعة «باهيا» في البرازيل.
