القائمة الرئيسية

معنى الموت

معنى الموت
ملخص المقال

الربط بين الموت ومعنى الحياة قد يكون سوء فهم؛ فبعض الناس يعتقدون أن الموت يجعل الحياة بلا معنى، ولكن هذا ليس صحيحًا. على الرغم من أن الموت ليس ضرورة فيزيائية أو بيولوجية، إلا أنه له دور تطوري مهم، حيث يساعد في تجديد الأجيال وتوفير الموارد. الموت ليس عقبة أمام حياة ذات معنى، بل جزء من دورة الحياة التي تسمح بالتكيف والنمو. حتى إذا لم يكن للحياة معنى محدد، فإن وجود الموت قد يمنح الحياة غرضًا في سياق التطور، لكن الإجابة النهائية عن معنى الحياة تظل مفتوحة وتحتاج إلى مزيد من البحث.

انشغال الناس بمعنى حياتهم غير مستغرب. كذلك يظن كثيرون أن الموت هو المقابل الموضوعي للمعنى. لكن ماذا لو كان ذلك سوء فهم؟ بل هل لو اكتشفنا معنى الموت (إن كان له معنى) فهل سيوضح ذلك معنى الحياة؟

كلنا سمع كلمة نحو «كلنا سنموت، إذًا فلا معنى للحياة». وقد يزيد أحدهم في استخدام هذا المنطق فيقول: «إن الدمار الحتمي للعالم - سواء كان بموت حراري، أو انسحاق عظيم، أو تشقق عظيم - يجعل وجود الجنس البشري بالكلية لا معنى له»، وقد تبدو هذه الاستدلالات البسيطة صحيحة، ولا تزيدها مخاوفنا الداخلية العميقة في أعيننا إلا واقعية.

يكون للأشياء معنى لأنها ذات معنى عند شخص ما، فإذا مات هذا الشخص لم يعد يهمه شيء، أوليس ما كان له معنى في حياته لا يعود ذا معنى بعد وفاته؟ الاستنتاجات المتسرعة عادة ما تكون مضللة، وفي حالتنا هذه تكون هذه الاستنتاجات خطأ بالفعل؛ فيمكن لبعض المعاني وحامليها أن تبقى بعد وفاة شخوصنا - كما يبقى ذلك في أولادنا أو مساهماتنا في المجتمع. وقد تستمر كثير من الأهداف والإنجازات الخارجية بعد موتنا، بل إنه في بعض الحالات الخاصة - مثل من يضحي بنفسه لأجل قضية نبيلة - قد يكون الموت ضروريًا حتى يُفهم معنى حياة فرد على الحقيقة.

ماذا عن غياب معنى للبشرية على المستوى الكوني؟ لا يضر أن نعرف أن العلم يخبرنا أنه كلما بعُد أمد التوقع أو التقدير قلت موثوقيته، وأن أي تخمين أو تنبؤ بلغ أمده مليارات السنين فأقل ما يقال فيه: إنه غير يقيني. وإن كنا لا نعرف ما يكون 95% من الكون فإنه لا يمكننا أن نكون واثقين من توقعاتنا حياله، لا يمكننا أن نكون متيقنين من أن الكون سيفنى يومًا ما؛ وعلى هذا يصعب جدًا أن نستنتج أن وجودنا لا معنى له اعتمادًا على سيناريوهات غير يقينية عن نهاية الكون يُتوقع حدوثها بعد مليارات السنوات في المستقبل.

قضايا الحياة والموت:

إذا أردنا أن نصيب الحق في معنى الحياة في مواجهة الموتفإنه يجب علينا أن نفهم أولًا بعض الأساسيات عن الموت.

«للحياة» تعريفات كثيرة اعتمادا على المنظور والنهج المعرف لها. فقد يقول قائل: إن أهم خصائص الحياة استهلاك الطاقة الحرة، والتناسل، والقدرة على الأيض. لكن الحياة لا تقتصر على تعريف واحد صحيح، فللفلسفة والأحياء - بل ولعلم الفلك - توصيفات متباينة. 

وكذلك الأمر فيما يتعلق بالموت؛ فقد كنا حتى وقت قريب نعد من لا يتنفس من الناس ميتًا، وكانت هذه الخصيصة من عدم الموثوقية بمكان، لدرجة أن تكرر دفن الأحياء بلغ إلى أن صار للخوف منه مصطلح معروف؛ هو «تافوفوبيا» taphophobia [رهاب الدفن حيًا]. وتناقصت الثقة في وسائل التيقن من الموت: من عدم وجود نبض في الذراع أو الصدر إلى مراقبة توقف وظائف الدماغ.

وإذا كان لدى علم الأحياء والعلوم الطبية تعريفات متعددة للحياة والموت فعلينا أن نغوص في ذلك أكثر، ونبين وجهة نظر الفيزياء في ذلك؛ فعلم الأحياء في نهاية الأمر قائم على الكيمياء، والكيمياء قائمة على الفيزياء. ونجد في أول المستويات التأسيسية في الفيزياء قانون حفظ الطاقة والمادة. يمنع هذا القانونُ الفناءَ بالمعنى الحرفي، ويقتصر على تحول المادة والطاقة؛ فالمادة أو الطاقة لا تفنى ولا تختفي، ولكنها ربما تتغير فقط.

فإن لم يكن ثَمّ تجل للموت على المستوى التأسيسي للفيزياء فكيف لنا أن نفسر هذا المفهوم؟ إن الموت - وفقًا لكل من علم الأحياء، والفيزياء، ونظرية الأنظمة - هو ما يسمى «ظاهرة انبثاق» في طيات أنظمة الحياة أو المحيط الحيوي (البيوسفير)؛ فيمكن مثلًا حصر تعريف الموت بانتهاء العلامات الحيوية في الكائن، فلا يكون الموت بدون الحياة البيولوجية، ويكون الموت أمرًا يفتقر إلى الحياة ابتداءً.

والعلاقة أحادية الاتجاه؛ لأن الموت لا يمكن أن يحدث بلا حياة - لكن الحياة يمكن أن توجد بلا موت. نعم - وفقًا للفيزياء - الموت ليس ضرورة. وعلى المستوى التأسيسي للفيزياء، كل الكائنات الحية تجدد أجسادها باستخدام الطاقة الحرة في بيئتها، ولا يوجد سبب فيزيائي أصيل يمنع الكائنات من فعل ذلك بلا توقف. كثير من الكائنات أحادية الخلية المتكاثرة (مثل سلسلة خلايا «هيلا» الخالدة) لا تموت بسبب «التقدم في السن|»؛ لا تموت إلا بسبب تأثيرات أو حوادث بيئية، فالكائنات أحادية الخلية التي تعيش في يومنا هذا هي نفسها السلسلة التي بدأت في الانقسام من مليارات السنين؛ استمرت في الانقسام والبقاء. فالخلود - أو إن شئت الدقة قل: تجاهل الشيخوخة، أو الشيخوخة الضئيلة؛ أي غياب أعراض التقدم في السن في الكائنات - قد توجد في حالة الكائنات متعددة الخلايا؛ مثل: الهيدرا [أو العُدارة: من الجوفمعويات]، وهي لا تشيخ. وكثير من الكائنات شديدة التعقيد - مثل: الأشجار - تعيش لآلاف السنين، وعلى المدى الطويل يزيد بالطبع احتمال موت الأفراد - حتى من تلك الكائنات - إلى 100%؛ بسبب الحوادث، والكوارث، والمرض، والكائنات المفترسة. ومع ذلك فإن ذلك قد يستغرق زمنًا طويلًا نسبيًا، ولا يفسر الموت بسبب الشيخوخة المعتاد في أكثر أنواع الكائنات. بل يمكننا أن نقول: إن في الموت الحتمي المعتاد بسبب الشيخوخة أمرًا غريبً؛ إذ نجد - مثلًا - أن للأنواع المختلفة متوسط أعمار مختلفًا؛ فالوقت المعتاد للموت ""الحتمي"" بسبب الشيخوخة لكل من ذباب مايو، وللفئران، والأفيال، والشجر، يتباين بشدة من نوع إلى نوع، ويتراوح بين أيام إلى آلاف السنين؛ إذًا فالموت بالشيخوخة ليس نتيجة للحياة بوجه عام، بل هو نتيجة لعوامل خاصة بكل نوع؛ أي أن الموت الطبيعي وظيفة لتركيبها البيولوجي، وسلوكها وبيئتها. فالموت بعد التلاقح يسهل التكاثر، وكذلك استمرار حياة فرد ييسر رعاية النسل.

وهذا يبين مدى فاعلية دورات حياة الكائنات. لقد بدأ يظهر للموت فوائد تطورية؛ فالموت - المحدد الوقت، والمؤسس في الجينات، والخاص بكل نوع - يوفر ويتيح الموارد الطبيعية. وفي كل نوع يمثل النسل - الذي يحتاج مساحة وموارد للعيش - المقدرة على التحور؛ وبهذا يمكن التكيف التطوري. ولو ظل كل الأسلاف على قيد الحياة لكان ذلك تضييقًا عظيمًا على النسل؛ ولَسبَّب ذلك نفاد الموارد والمساحة في أمد قصير، مانعًا بذلك التكيف على الأمد البعيد؛ وبهذا فإن الموت يخدم الحياة من منظور أوسع، وليس يفسدها؛ فعادة ما تثبت المميزات التطورية للموت الحتمي - المؤسس في الكائنات - أنها أعظم من مميزات عدم الموت الموجود في صاحباتها من الكائنات الأخرى التي لا تشيخ، إذًا فإن التطور قد فضل الفناء الوراثي في أغلب الحالات، وهذا عين ما نراه في الطبيعة؛ إذ إن عدد الكائنات الفانية من الأنواع متعددة الخلايا أكثر كثيرًا من تلك الخالدة منها.

إذًا فالموت ليس نتيجة لضرورة فيزيائية، أو كيميائيةـ أو بيولوجية، بل هو نتيجة لآثاره المفيدة. فليس الأمر ببساطة أن الموت ""يعتمد"" على الحياة (بما أنه لا يموت إلا الحي)، بل إن الحياة - أو على وجه الدقة: العمليات التطورية - ولدت الموت «لأغراضها» الشخصية مع تكوين أول كائنات معقدة قبل حوالي سبعمائة مليون سنة، ومع ذلك فإننا - باعتبارنا الفردي - نعتبر الموت كارثة بسبب ضلوعنا الشخصي والخوف والفقدان. يمكننا أن نرى مجيء الموت لكن لا يمكننا أن نرى آثاره المفيدة بعد هلاكنا.

إعادة النظر في الحياة والموت:

إذًا فما معنى الموت؟ المعنى: مساهمته في النجاح والبقاء والتكيف وتطور الحياة؛ فكون الحياة موجودة في كل موضع من كوكبنا بهذا التنوع العظيم إنما صار ممكنًا بسبب الموت. وعلى هذا المنوال فإن الموت قد أسهم كذلك في نشأة البشرية.

بل إن الخلود في ذاته لن يسوغ حياة تبدو بلا معنى. والحقيقة أن غياب الموت قد يجعل الحياة لا تطاق على المدى الطويل، ولا يمكن الإبقاء عليها. وعلى الأغلب قد يسبب الخلود تكدس الأرض بالسكان في مجتمعات تضج بالظلم والتوتر الاجتماعي في نظام بيئي متداع. وسيكافح القادة الأقوياء وأصحاب الثروات؛ للحفاظ على سطوتهم وثروتهم؛ وستؤدي قلة العقول الجديدة المولودة إلى تناقص الابتكار والإبداع. سيكون أثر الخلود كارثيًا على البيئة وعلى مواردنا الطبيعية التي تئن لتوفية الاحتياجات بالفعل.

هل معنى الموت كذلك يهدي إلى معنى الحياة؟ رأينا أن الموت ليس عقبة أمام حياة ذات معنى، وكذلك فإن له في ذاته معنى بمساهمته في الحياة؛ وعلى ذلك فإن للحياة معنى كذلك. أليس كذلك؟

ولكن يا للأسف؛ لا يلزم من وجود غرض للموت أن يكون للحياة معنى. وإذا تبين أن ليس للحياة معنى فحينئذ سيكون الموت بلا معنى، حتى ولو كان له قيمة تطورية. ما فعلناه ببساطة أننا أزلنا بعض المفاهيم المغلوطة عن الموت وأثره على معنى الحياة. وبالتالي فقد قللنا - إلى حد ما - احتمال الإجابة بإجابات سلبية عن سؤال معنى الحياة. لكن الإجابة الإيجابية لهذا السؤال القديم ما تزال تحتاج المزيد من البحث، هذا إن كانت تلك الإجابة ممكنة أصلًا.

لازلو ماكاي، جورج ماروسن الابن، ديڤيد ڤاتاي، 2020

مقالات ذات صلة