صحيح أن فيلم كازابلانكا (1942م) ضمّ نجومًا لامعة وكتّابًا من النخبة لكنّ كلَّ من عمل على إنتاجه ظنّ أنه سيكون مجرّد فيلم من مئات الأفلام العاديّة التي ستنتجها هوليوود في ذاك العام. وما عساهم يظنّون غير ذلك؟ فقصّة الفيلم لا تعقيد فيها: رجل متشائم رأى من الدنيا مرّها وشقاءها يعشق حسناء تستعيد إلى نفسه حبّه وإيمانه بالبشرية. تهجره المرأة فيتأكد من صواب رأيه في قسوة الحياة وينتكس إلى وجودٍ لا يُعنى فيه بأحد سوى نفسه. تظهر المرأة ثانيةً في حياته، ويسقطان في فخّ الهوى، لكنه هذه المرة هو من يهجرها لأجل الصالح العام. يحوي هذا الموجز البسيط مكنون فلسفات كثيرة، على رأسها فلسفة الفيلسوف الدنماركيّ سورين كيركغورد (1813-1855م) الذي يعدّه كثيرون أبا الوجوديّة. عصَفَنا كيركغورد بأفكاره حول دوّامة الاختيار، والواجب البطوليّ للشخص الحقيقيّ لرفض مُسايرة الجمع، ورأيه أن القلق هو استجابتنا لإحساسنا بالحريّة التي فاقمها مواجهتنا للربّ.
إن الموضوعات الرئيسة في كازابلانكا هي السأم والقلق واليأس، وهي كما يراها كيركغورد المشكلات الرئيسة في النفس البشريّة. يسأم الناس عندما لا يجدون محفّزًا ينعشهم جسديًّا أو ذهنيًّا، وإن انجلى السأم بالجنس أو الدراما أو الحفلات الموسيقيّة أو الخروج إلى الحانة أو مشاهدة الأفلام أو العزف أو بغيرها، فلن ينجلي إلا لحظات قليلة مؤقّتة. والسأم ليس مجرد ضيق أو انزعاج، بل أمر لا بدّ من محاولة تلافيه معظم الوقت كي تتحقّق لنا الصحّة النفسيّة. أمّا القلق فهو أحد نواتج مسؤوليتنا أمام حريّتنا في الاختيار. واليأس نتيجة توتّر الإنسان وشدّه وجذبه بين الزائل والأبديّ: يخاف البشر من الموت، ويخافون أيضًا من الوجود إلى الأبد (وكان كيركغورد يؤمن أن لكل شخص روحًا خالدة تعيش إلى الأبد). يستطيع المرء التخفيف من السأم والقلق بطرق شتّى، ما خلا اليأس الذي لا طريق للفرار منه إلا بالإيمان بالربّ. لكن الإيمان في نظر كيركغورد لا يعني مجرّد التردّد على الكنيسة وإبداء الطاعة؛ فالإيمان يتطلّب التزامًا شخصيًّا عظيمًا ورغبة في الاستكشاف والتحليل المستمرّين للنفس.
يرى كيركغورد أن الفرد يمرّ بمراحل ثلاثة في طريقه للوصول إلى نفسه الحقيقيّة أو الأصليّة: المرحلة الجماليّة، والمرحلة الأخلاقيّة، والمرحلة الدينيّة. وكل مرحلة من «مراحل طريق الحياة» تتضمّن آراء متناقضة عن الحياة. فالحياة الجماليّة تتّسم بالملذات، أي أنّ المرء الذي يعيش حياة جماليّة بأقصى درجاتها يسعى دومًا إلى مضاعفة ملذّاته. وزيادة المتع الجماليّة من وسائل طرد السأم، رغم أن كيركغورد يرى أن متعة الشيء تكون غالبًا في انتظاره.
يقرّ كيركغورد بأهمية المرحلة الجماليّة، لكنه يصفها بالمرحلة غير الناضجة. فالجماليُّ لا يعنيه إلا متعته الشخصيّة، ولأن الملذات الجماليّة وقتيّة وعابرة لا يكون لديه أي إطار متين يستمدّ منه اختيارات منطقيّة ومتناسقة. فتزول المتع الجماليّة ولو بعد حين، وينصرف الباحث عن الحقيقة إلى الحياة الأخلاقيّة. والأخلاقيّات هي القواعد الاجتماعيّة التي تحكم تصرفات الفرد، وفي الحياة الأخلاقية بعض الملذات لا توجد في الحياة الجمالية، منها أن الشخص في المرحلة الجمالية لا يفعل أبدًا شيئًا فيه مصلحة أحد سواه، ولكنّنا جميعًا نعلم أن خدمة الآخرين دون منفعة شخصيّة من الأمور المرضيّة الممتعة.
تكاد الشخصيّة الرئيسة في كازابلانكا ريك بلين -التي أبدع همفري بوغارت في تجسيدها- مكتوبة بيد كيركغورد. في بداية الفيلم نجد هذا الرجل المدافع عن الحريّة سابقًا منتكسًا من المرحلة الأخلاقيّة إلى المرحلة الجماليّة، وهي المرحلة الأنانيّة التشاؤميّة التي لا يزعج نفسه فيها برغبات الآخرين على الإطلاق. يعيش هذا الأمريكيّ وحيدًا في حانة يملكها في كازابلانكا اسمها «الحانة الأمريكيّة» خلال الحرب العالميّة الثانية، وهي ملاذ اللاجئين الذين تحدوهم آمال الحصول على تأشيرات يفرّون بها إلى أمريكا.
عاش ريك حتى تلك اللحظة «حيوات» كثيرة، وكان هو المسيطر في معظمها. كان يظنّ أنه فهم كيف يفوز في لعبة الحياة العجيبة بوضع قواعد تحكم هذه اللعبة، خادعًا نفسه بإيمانه أن القواعد التي يضعها كلما زادت أحكم سيطرته على الحياة. لكن بعد أن تدخل إيلسا لازلو (إنغريد بيرغمان) حياته مرةً ثانية يدرك أن الحياة في ظلّ كل تلك القواعد ما هي إلا حياة مجانين، وأن الحياة الحقيقيّة فيها من الثراء الشيء العظيم، ومنها الحبّ والصداقة. وهذه حقيقة لا مراء فيها: كلما حاولنا التحكّم في حياتنا ازدادت فقرًا وجفافًا، كأن تخشى مثلًا من التقرّب إلى أيّ إنسان كيلا تقع في حبّه وتعرّض نفسك لرفضٍ محتمل منه. لكن إيلسا تأبى أن تعيش بهذه القواعد لأنها تريد أن يكون وجودها حقيقيًّا عميقًا، فهي مستعدّة لأن تعطي نفسها لريك بلين -الرجل ذي الماضي الغامض، والحاضر المتهاوي، والمستقبل المجهول- رغم اقترانها بفيكتور لازلو (بول هنريد)، الرجل الفاضل الشجاع، قائد حركة المقاومة ضد النازية.
الأخلاقيّة هي المرحلة الثانية لدى كيركغورد من «مراحل طريق الحياة». فمع نضج الشخص يجب أن تنطوي صفحة الحياة الجماليّة وتفسح المجال للأخلاقيّة، التي لا تقوم على الملذّات الفرديّة وحدها بل أيضًا على منظومة متّسقة من القواعد المسنونة لما فيه صلاح المجتمع. تجعل الحياة الأخلاقية التعايش المنسجم بين أناس من مختلف مشارب الحياة ممكنًا، وتجعل مصلحة المجتمع أحد الدوافع التي يضعها الفرد في اعتباره عند القيام بأيّ سلوك. إن الشخص الأخلاقيّ يفكر مليًّا في تبعات تصرفاته على الآخرين ويقدّم السلامة الاجتماعيّة على منافعه الفردية. عندما قابل ريك إيلسا أول مرّة في باريس كان متعمّقًا في مرحلة حياته الأخلاقيّة، فقد كان يقاتل الفاشيّين في الحرب الأهليّة الإسبانيّة، ويهرّب الأسلحة إلى إثيوبيا لمقاومة الإيطاليّين الفاشيّين.
تقود الحياة الجماليّة المرء بعيدًا عن الاتساق المنتظم؛ لأن هذا من دواعي بعث السأم، لكن الشخص الأخلاقيّ لا يستمتع بالشيء لأنه جديد عليه، بل يختار اختيارات أخلاقيّة مدفوعًا بمجموعة من المُثل السامية. ويقدّم كيركغورد الزواج مثالًا على أحد خيارات الحياة الأخلاقيّة. فالإثارة والشغف التي يجدها المرء في بداية الزواج سرعان ما تنطفئ، ويعقبها خمود المتعة الجماليّة، ثم السأم بعدئذٍ. ولكن عندما يضع المرء مصلحة زوجه في الاعتبار يدرك أن ثَمّة ملذات أخرى غير الإثارة المؤقتة.
«ما جماليات هذا الموقف؟»
«دعك من الجماليات، ما الأخلاقيات؟»
(حوار محذوف من مسودة سيناريو الفيلم)
حقوق الصورة محفوظة لشركة وارنر برثرز. 1942م.
متابعة الرحلة
مع هذا لا تفلح الحياة الأخلاقيّة في إرواء النفس الروحانيّة. الحياة الأخلاقيّة تلهّي الإنسان عن التمعّن بقرارة نفسه؛ لأنها تطلب منه الانصياع وراء مجموعة من الأعراف والتشريعات المقبولة اجتماعيًّا. لكن كيركغورد يقول: إن استكشاف النفس ضروريّ للإيمان، وإنه المتطلَّب الأساسي للحياة الدينيّة الصحيحة، أي الحياة الناضجة. يسأل ريك إيلسا في لحظة ما: «من أنتِ في الحقيقة؟»، كأنه يتوقّع أن تكون إجابتها أنها ملاك مرسل لاستعادة إيمانه بخير البشريّة. وربما لم يكن ريك مخطئًا، فهي في نهاية الفيلم «ترتفع إلى السماء» مع «الملاك» فيكتور لمتابعة أنشطة المقاومة. يسألها: «من أين جئتِ؟ وماذا فعلتِ؟» فتردّ عليه باعتراض خافت: «اتفقنا ألّا نسأل»، فيرفع ريك كأسه ويقول: «سأرعاكِ دومًا يا صغيرة»؛ لأنه يدرك في تلك اللحظة أن الماضي والمستقبل لا يُمليان عليه قطّ إحساسه هنا الآن. تقول له: «إنه عالم مجنون، قد يحدث أيّ شيء. قبّلني كأنّها القبلة الأخيرة». وحتى آخر لحظات حياته ستبقى ذكرى تلك القبلة، وتلك اللحظة، جزءًا من إحساسه بالعالَم وهويّته، سيظلّ الرجل الذي كان ضائعًا حتى ابتسمت له امرأة محدّدة بطريقة جعلته يوقن أنها تحبّه. يقول لها: «سنتذكر باريس دائمًا. ضاعت منّا حتى جئت إلى كازابلانكا، لكننا استرجعناها ليلة أمس». كان معنى الحياة على مرمى بصر ريك عندما كان في باريس؛ فجنون الحرب واستعارها لم يحوِ الحقيقة الجوهريّة في نظره. عثر على حبّ جديد وثقة صافية جعلتاه يتأهّب للمرحلة التالية من الحياة: الدينيّة. ولكن للأسف هجره الحبُّ وتركه واقفًا وحيدًا تحت زخّات المطر في محطة القطار.
كان قبل ذلك مرتابًا بالعالم، يراه متقلّبًا متزعزعًا، وتأكّدت شكوكه بعد ما حدث. كان ضعيفًا بنشوة الحبّ فاستغلّت الحياة ضعفه للفوز باللعبة، وسدّدت له ضربة في مكان موجع؛ قلبِه. ومن عِظم الألم انتكس تطوّره الروحانيّ وتراجع إلى المرحلة الجماليّة الأولى، فأضحى متفرّجًا على الحياة دون التزام ولا هدف، يعيش اللحظة بجنون لأجل ملذّاتها ونشواتها الزائلة، مقدمٌ على جميع المغامرات دون اتخاذ اختيارات مصيريّة قط. إن الحياديّة الأخلاقيّة من السمات الجوهريّة في الحياة الجماليّة، ولهذا من المقدّر لها أن تكون دائمًا محاطة بالخيبات واليأس: «لا أعرّض نفسي للمتاعب من أجل أحد»، «لن أقاتل لمصلحة أحد بعد الآن سواي. هذه هي القضية الوحيدة التي تهمّني»، «ريك حياديٌّ تمامًا أمام كل شيء». وما يزيد الطين بِلّة أن ريك ما زال متمسّكًا بالجوانب السلبيّة من مرحلته الأخلاقيّة، فلا يشعر وهو منقطع في اللا هنا ولا هناك، في حانته، إلا بالعار والحسرة والشفقة على الذات، ومع هذا فليس لديه أيّ خطط تصلح حاله. عندئذٍ ترجع إيلسا إلى حياته، ولكنها هذه المرة بصحبة زوجها.
سرعان ما تكتسح المشاعر ريك، فتنسكب أحاسيسه المكبوتة من خلال زجاجة ويسكي، والعازف سام يوقظ بنغمات البيانو ذكرياته. يودّ ريك في أعماق نفسه لو يتغير، لكن التغيير دائمًا شاقّ. تخبره إيلسا أنه يحاول الهرب من نفسه لكنه لن ينجح في الفرار قطّ. يردّ أنه لا يحتاج إلى مساعدة أحد إلّا نفسه. تصفه بأنه جبان، فتنزل كلماتها عليه كالصاعقة. تصوّب المسدس إليه، يستفزّها ويأمرها أن تطلق النار عليه، إنه لا يأبه لحياةٍ أو موتٍ، بل إن الموت راحة من همومه. لكنه يعلم أنها لن تقدر على قتله أبدًا، فتقدّم نفسها بين يديه، ولكنه يعلم كذلك أنه إن قَبِلَ حبّها فسوف يعرّض حركة المقاومة للخطر. ولتلك اللحظة أهمية عظيمة؛ لأن على هذا القرار يتوقف مستقبل العالم بأسره. أصبح ريك فجأة ممثّلًا لكل فرد في المجتمع ولاختياراتهم، يحمل على عاتقه عبء الاختيار والمسؤولية العالميّة. فقفز قفزةً إيمانيّة عظيمة من المرحلة الجماليّة إلى الدينيّة، متأهبًا لفقدان كل أمل في حياته. اختار حبّ المقاومة على حبّه الشخصيّ. قال: «مشكلات ثلاثة أشخاص لا تعني شيئًا أبدًا في هذا العالم المجنون».
قبل أن يصعد فيكتور وإيلسا إلى الطائرة ويرحلا إلى الأبد، يقول فيكتور لريك: «مرحبًا بعودتك إلى القتال. بارك الربّ فيك»، ثم يرتقي المَلَكَان إلى السماء، بينما يرحل ريك مع الكابتن رينالت نحو الشمس الغاربة. يقول ريك: «قد تكون هذه بداية صداقة جميلة»؛ لأن الكابتن في تلك اللحظة هو كلّ شخص سيقابله في المستقبل ريك الجديد الذي استرجع إيمانه، فترسّخت هذه المرحلة الدينيّة الجديدة من حياته بكل جمال.
آه، ما أجمله من فيلم!
الحقوق محفوظة لبراين مكاسكر. 2021م.
براين مكاسكر مؤلّف، يعمل حاليًّا على المسودّة الثانية لرواية تدور أحداثها في ألمانيا زمن الحرب وفي بريطانيا وقت الستينيّات.
