القائمة الرئيسية

قوانين الطبيعة

قوانين الطبيعة
ملخص المقال

في مقاله، يناقش ريموند تاليس فكرة ""قوانين الطبيعة""، معتبرًا أنها ليست قوى دافعة، بل تعبيرات عن انتظام طبيعي في الكون. يشير إلى أن العلم لا يكتشف جوهر الطبيعة، بل يضع أدوات تفسيرية لها. كما يقترح استخدام مصطلح ""عادات الطبيعة"" بدلاً من ""القوانين""، حيث تعكس هذه العادات انتظامًا طبيعيًا غير مفروض، مما يسمح للبشر بالاستفادة منها لتحقيق أهدافهم، ويعزز فكرة الحريّة الإنسانية.

منذ فترة وجيزة تطرّقتُ إلى موضوع «قوانين الطبيعة» في سياق الدفاع عن حريّة الإرادة (في مقال «لغز الحريّة» في العدد 140)، وقد جادلتُ في ذلك المقال بأنّنا إذا كنا نخضع خضوعًا تامًّا لهذه القوانين فلن يكون من الممكن إقامة العلم التجريبيّ الذي تمّ اكتشاف تلك القوانين من خلاله كما لن تكون قدرتنا على استغلالها عبر التكنولوجيا ممكنة.

إن قدرتنا الثابتة على التحكّم في حالات المادّة داخل المختبرات العلميّة سعيًا وراء معرفة خواصّها العامّة، ومن ثَمّ تطبيق تلك المعرفة خارج المختبرات لدعم استخدامنا لها كأداة، ربما تكون أبرز تعبير عن الطريقة التي نتفوّق بها نحن البشر على العالَم الماديّ. ولكن «قوانين الطبيعة» (المزعومة) تستحقّ من الاهتمام أكثر مما أعطيتُها في ذلك المقال عن حريّة الإرادة.

الخيول والفرسان

لنبدأ بالفكرة الشائعة التي ترى أن قوانين الطبيعة تتمتّع بسلطات تنظيميّة في الكون؛ فهل تلك القوانين «مفسّرات دافعة» لأحداث الكون كما وصفها الفيلسوف تيم مودلين؟ وإذا كانت «دافعة»، هل هي دافعة بمعنى أنها مُحرّك التغيير في الكون ولولاها لصار الكون خاملًا، أم أن لتلك القوانين صلاحيّات توجيهيّة فقط، بمعنى أنها تشبه قضبانًا تسير عليها أحداث الكون؟ إذ ليست الخيول وحدها هي التي تجعل الأشياء تحدث، بل إن الفرسان هم من يوجّهونها لهذا الطريق دون ذاك. ولقد طرحت هيلين بيبي سؤالًا ذكيًّا يسخر من هذه الفكرة قائلة: هل قوانين الطبيعة «موجودة قبل الوقائع وتراقبها للتأكد من أنها لا تخرج عن المسار المحدد لها؟» ((‘The Non-Governing Conception of Laws of Nature’, Philosophy and Phenomenological Research, 2000). ولكن الفرق بين الخيول والفرسان هنا غير تامّ التحديد، فحتى إذا كانت القوانين هي من تقرّر اتخاذ مسار دون آخر (الفرسان) بدلًا من مجرّد التأكّد من وجود مسار ما أصلًا (الخيول)، تظل هناك حاجة إلى بعض الدفع لضمان اتّخاذ المسار (س) مثلًا دون المسار (ص).

إن الحاجة إلى الدفع لإبقاء الكون في حالة حركة تفترض مسبقًا حالة من السبات المبدئيّ في الكون، وهكذا فإن الشعور بأن الأشياء يجب أن تحدث بفعل القوانين قد يكون مرتبطًا بتوقّف تدفّق السيرورة عندما يتمّ تقسيم العالم إلى وقائع منفصلة تُقابلها سلسلة من الحالات الآنيّة. وفي مقابل ذلك، فإن فكرة القوانين بوصفها مجرّد أدلة توجيهيّة تفترض أن الديناميكيّة مضمّنة بالفعل في نظام الأشياء وأنه لا يلزم أي شيء للحفاظ على التغيّر في الكون. ولكن ما تشترك فيه هاتان النظرتان هو افتراض أن القوانين تعمل بطريقة ما على مكوّنات الطبيعة ولكن من خارجها، والحدس الأساسيّ وراء فكرة أن لقوانين الطبيعة سلطة تنظيميّة هو أنه لا يمكن وجود انتظام بدون تنظيم: أي أنه لا بد من وجود شيء ما يحافظ على نظام الطبيعة الظاهرة لنا بحيث يدور العالم في مساره المنتظم.

ومع ذلك فإن كلا البديلين -الخيول أو الفرسان- يتطلّب منّا تبنّي الفكرة الملتَبِسة القائلة بأن قوانين الطبيعة تملك قوى مسيطرة أو هي قوى في حدّ ذاتها. وقد يكون هذا التصوّر عن قوانين «دافعة» أو «قسريّة» أو «مقيِّدة» هو إسقاط على تجربتنا في التعامل مع العالَم الماديّ عبر قوانينه؛ لأننا في النهاية نختبر القوانين الكليّة للكون في صورة عوامل تقييد أو عوامل تمكين جزئيّة عندما يتعلّق الأمر بتحقيق مقاصدنا، وبهذا المفهوم تكون القوانين هي «فاعليّة ظاهريّة» أو ربّما تكون صدًى بعيدًا لفكرة وجود إله خارق للطبيعة كُلِّيِّ القدرة يدير الكون.

نكهة التفسير

نقترب الآن من جدل أنتج أدبيّات فلسفيّة كثيرة منذ أن درس ديفيد هيوم فكرة الضرورة الطبيعيّة لأول مرّة في القرن الثامن عشر، وهو الجدل الذي تصيغه هيلين بيبي بشكل جيّد عندما تقارن بين الموقفَيْنِ الرئيسَيْنِ حول ماهيّة قوانين الطبيعة: فمن ناحية يرى أحد الموقفَيْنِ أن قوانين الطبيعة «مجرّد تعميمات من أوسع وأدقّ الأنواع» تُعبّر عن الكيفيّة التي تحدث بها الأشياء مصادفةً، بينما يراها الموقف الآخر «علاقات ضرورة» تصف ما يجب أن تكون عليه الأشياء لأن القوانين تستلزم كونها كذلك. وترى الصياغة الأولى أن القوانين تعكس فقط انتظام أنماط الأحداث وكيفية ترابطها، وهذا يعني أن قوانين الطبيعة لا تُشكِّل ما يحدث ولكنها ببساطة هي شكل ما يحدث. وعلى النقيض من ذلك، يتمّ الاحتجاج بالقوانين بوصفها «علاقات ضرورة» في تفسير كيفيّة ضمان ذلك الانتظام؛ وهكذا يكون توقّع العثور على تفسير لانتظام الطبيعة هو نتيجة للاعتقاد بأن كل شيء مفرد يحدث لسبب ما (أي أن لا شيء ""يحدث وحسب"") وتعميم هذ الاعتقاد على مجمل الأشياء في الكون. 

وإذا قلّلنا من شأن قوانين الطبيعة فنظرنا إليها بوصفها مجرّد حالات انتظام موثوق بها، فإنها تنحدر من مرتبة التفسيرات إلى مرتبة وصف ما يحدث في الكون مصادفةً، مهما بلغت من الموثوقيّة والدقّة والعموميّة. وإذا كانت «القوانين بوصفها مجرّد حالات انتظام وليست قواعد منظّمة» تبدو أحيانًا كما لو كانت تفسيرات، فإن هذا يحدث عندما يتمّ الاستشهاد بها لتفسير أحداث معيّنة تغطّيها تلك القوانين كما هو الحال عندما نستخدم القوانين الكليّة للحركة لتفسير المسار الذي تتخذه قذيفة مدفع، أو عندما يتمّ عرض قانون محدود باعتباره تجسيدًا جزئيًّا لقانون أعمّ، كما هو الحال عندما ننظر إلى قانون بويل الذي يربط بين ضغط الغاز وحجمه على أنه أحد مظاهر النظريّة الحركيّة للغازات. وهنا نجد أن وصف «ما يبدو وكأنه تفسير» ينتقل من حالات معيّنة ليتحوّل إلى قوانين عامّة، وتتحوّل القوانين الأقلّ عموميّة إلى قوانين أكثر عموميّة، فنقول: إن «الأمور تسير على هذا النحو في هذه المناسبة لأن هذه هي الطريقة التي تسير بها كلّ الأشياء في هذه الفئة». ولكن هذا ينفي نكهة التفسير عند هذه النقطة، وبالتالي فإنه حتى إذا كان ربط أحداث معيّنة بقوانين وصفيّة يُعدّ «تفسيرًا»، فهو تفسير يتوقّف في النهاية عند عبارة «هذه هي الطريقة التي تسير بها الأمور». ومع ذلك، فإن وجود القوانين يبعث على الطمأنينة؛ لأنها تشير إلى شيء مستقرّ يكمن وراء كلّ التغيير في الكون، وهو ما يتضّح بشكل أكبر في قوانين البقاء الكبرى وأهمّها قانون بقاء الطاقة.

وهكذا فإن التفسير الأبسط ميتافيزيقيًّا للقوانين يتخلّى عن النظرة لهذه القوانين بوصفها مبادئ للضرورة الماديّة المضمّنة في الكون والتي تدفع التغيّر أو تنظّمه بطريقة ما، ليتبنّى مكانها نظرةً للقوانين بوصفها التفسيرات الأكثر عموميّة وموثوقيّة لسلوك الطبيعة؛ إذ لا يلزم وجود عامل ضابط مستقلّ دوره الحفاظ على الانتظام في الكون، فالعالَم الطبيعيّ ليس خادمًا مطيعًا لسيّد يقنّن عمله. ومن ثَمّ لا تمتلك قوانين الطبيعة قوة مضمّنة في ذاتها أو نوعًا من الفاعليّة الطائشة، بل إنها تعكس نزوعًا كليًّا في الكون يمكن من خلاله الوثوق في انتظام أنماط التغيّر فيه. ويكون الواجب الوحيد في هذه الحالة هو أن تستمرّ الأمور في الحدوث كما نراها تحدث، أي عندما نراها تحدث بصورة ما في مناسبة معيّنة فإنه ينبغي لها أن تحدث على هذه الصورة في جميع المناسبات المماثلة. ولكن حتى مصطلح «الواجب» هنا أقوى ممّا يحتمله الموقف، وربّما يكون من الأفضل القبول بأن «تستمرّ الأمور في الحدوث على نحو موحّد»؛ فالضرورة مصطلح لفظيّ أو منطقيّ أو لاهوتيّ، وهو على هذا النحو لا مكان له في فلسفة العلم الراشدة.

عادات الطبيعة

ربّما يكون من الأفضل إذن أن نتحدّث عن مجرّد «عادات للطبيعة» لا عن «قوانين للطبيعة»، ولكن على الرغم من أن مصطلح «عادات» غير محمَّل بمفاهيم ملتبسة عن سلطة القوانين، إلا أنه قد يظلّ مصطلحًا غير مرضٍ، فهو تعبير بسيط ومتواضع نوعًا ما، ويبدو أنه لا يعبّر بإنصاف عن عظمة الكون الواضحة. والأهم من ذلك هو أننا ننظر إلى «العادة» بوصفها شيئًا مكتسبًا، كما نؤمن أيضًا بقدرتنا على التخلّي عنها أو التغلّب عليها. ومن الواضح أن هذا لا ينطبق على حالة «عادات للطبيعة»؛ فانتظام عادات الكون ليس شيئًا يمكن للكون تنحيته جانبًا أو التغلّب عليه. ولكنّي مع ذلك لا أرى مصطلحًا أفضل منه في التعبير عن ذلك الانتظام الموجود في الطبيعة غير مفروض من خارجها وينعكس بدرجات متفاوتة في قوانين العلم. ولو أنني وجدتُ مصطلحًا أفضل سأتبنّاه بكل سرور، ولكن إلى أن يحدث ذلك سنستخدم مصطلح «العادة» محمَلًا بمعنًى أكبر من معناه المعتاد.

إن تغيير تسمية القوانين إلى «العادات» لا يجعلها أقلّ صرامة، ولكن ربما يكون هناك تفسير أخفّ وطأة لمبدأ (عدم قابليّة عادات الطبيعة الشبيهة بالقانون للكسر)، وهو أن القوانين التي تعكس العادات لا بد وأن تكون غير قابلة للكسر لكي تُسمّى قوانين، فالقانون الذي يثبت أنه يسمح بالاستثناءات سيفقد مكانته كقانون.

ولكن المشكلة لا تحلّ تمامًا هنا؛ أولًا: لأن مبدأ ﴿عدم القابليّة للكسر﴾ في حدّ ذاته يظلّ ثابتًا غير قابل للاستثناء، وثانيًا: لأن قواعد القانون المهمَل لا تكون أكثر تساهلًا من قواعد القوانين التي تخلفه؛ فصورة العالم حسب قوانين نيوتن مثلًا ليست أقلّ تقييدًا من صورة العالم حسب قوانين آينشتاين الأكثر دقّة من قوانين نيوتن.

العلم أم الطبيعة؟

تخضع قوانين العلم للمراجعة بشكل دائم، وهو ما يثير أسئلة ضروريّة حول وضع تلك القوانين؛ إذ يحتج الرأي الذي ينظر إلى العلم باعتباره «لا واقعيّ» بأنه على الرغم من تمتّع قوانين العلم بقيمة أداتيّة (كونها تساعدنا في أداء المهام)، فإن تلك القوانين لا تعكس الطبيعة الجوهريّة للعالَم. ولكن هذه النظرة للعلم، حسبما أشارت الفيلسوفة الأمريكيّة هيلاري بوتنام، من شأنها أن تجعل نجاحه المذهل في التنبؤ بالعالم المادي والتعامل معه «معجزة» (Mind, Language and Reality, 1975). ولهذا السبب أعتقد أنه مع تطور العلم بمرور الزمن ومع رفع مجموعة من القوانين (مع ما يصاحبها من القوى والكيانات والنماذج والنظريات... إلخ) لتحلّ محلّها مجموعة أخرى أكثر دقّة وأوسع نطاقًا، يقتربُ العلم أكثر فأكثر من الطبيعة ذاتها. وبغضّ النظر عن صحّة هذه القصة المتفائلة حول العلم، والتي تراه لا واقعيًّا في ماضيه وتراه واقعيًّا في مستقبله المنشود، فإنها تذكّرنا بشيء غاية في الأهمية وهو: أنه على مدار تاريخ العلم كانت هناك فجوة بين عادات الطبيعة (التي لا تتغيّر) وقوانين العلم (التي تتغيّر)، وتختفي هذه الفجوة في عبارة «قوانين الطبيعة» التي يبدو أنها تخلط بين عادات الطبيعة الدائمة وقوانين العلم المتغيرة.

وتبرز الفجوة بين عادات الطبيعة وقوانين العلم أيضًا عبر تقسيم العلم إلى تخصّصات ذات مجالات اهتمام مختلفة ومستويات اهتمام متفاوتة، لكل منها قوانينه الخاصّة؛ فالطبيعة نفسها، وعلى عكس العلم، لا تُصَنّف إلى طبيعة حيويّة وطبيعة كيميائيّة وطبيعة كيميائيّة حيويّة، بل إن الطبيعة لا تفصل بين جوانبها المختلفة هذه. ومن ناحية أخرى، فإن الطرح القائل بأن جميع التخصصات بقوانينها الخاصّة ستحلّ محلّها في النهاية فيزياء تتطور نحو «نظريّة لكل شيء» تكون فيها عادات الطبيعة وقوانين العلم أمرًا واحدًا، هو طرح عميق الإشكاليّات، وإشكاليّته الأبرز هي أنه سيفسّر ظهور نشوء الغنيّ غير المتجانس الذي يحيط بنا بأنه خرج من الكيانات عديمة الشخصيّة التي تختزل الفيزياء الأساسيّة العالم فيها.

حان الوقت الآن للعودة إلى نقطة البداية، وهي التوافق بين الطبيعة الشبيهة بالقانون وممارسة الفاعلين البشريّين للحريّة، ويكمن دليل العودة في تلك الفجوة بين قوانين العلم المتغيّرة وعادات الطبيعة (التي يجب أن نفترض أنها لم تتغيّر، على الأقلّ طوال الفترة التي بدأت منذ أن عرف البشر العلم لأول مرة)، ذلك لأن قوانين العلم تنتمي إلى فضاء افتراضيّ خارج الطبيعة من صنع البشريّة التي تشغله، وفي هذا الفضاء تتوفّر عادات الطبيعة بحيث يمكننا استغلالها لتحقيق غاياتنا. وقد تكون عادات الطبيعة الصارمة هذه أكثر ملاءمة لفكرة حريّة الفعل مما قد يبدو للوهلة الأولى؛ إذ تظلّ عادات الطبيعة ضروريّة لكي تحقّق أفعالنا نتائجها المرجوة. وهكذا نعود إلى الموضع الذي بدأت منه رحلة هذا المقال.

© البروفيسور ريموند تاليس 2021

نُشر أحدث كتب ريموند تاليس الموسوم «الحريّة: واقع مستحيل» في سبتمبر 2021.

مقالات ذات صلة