امتلأت السماء ليلًا في الآونة الأخيرة بالنيازك والكويكبات التي تقترب اقترابًا مقلقًا من الأرض، بل قد تسقط علينا، كما سقط نيزك تشيليابينسك Chelyabinsk في روسيا في فبراير 2013م. لقد فتن مذنّب لوفجوي Lovejoy (أو C/2011 W3 للذين هم أقل رومانسية) -مراقبي النجوم- طوال معظم عام 2011م والأعوام التالية. لكن ماذا تعني هذه المشاهد السماوية؟ هل هي إشارات لأشياء قادمة، أو رسائل من إله غاضب يأمرنا بالتوبة، أو حتى نُذُر هلاك؟
الفيلسوف الفرنسي بيير بايل Pierre Bayle (1647-1706) في عمله عام 1683م بعنوان: ""أفكار مختلفة بمناسبة مذنّب Various Thoughts on the Occasion of a Comet"" تناول هذه الأسئلة بعينها مباشرة، مستهزئًا بالخرافات الشعبية المرتبطة بالذعر من الأجسام الموجودة في السماء. وجادل -كمضاد للمنذرين بنهاية العالَم- بأنَّ هذا الظهور المتكرر يجب أن يكون لها أساس طبيعي، ولا ينبغي تفسيرها على أنها أكثر من ذلك. إنها ليست رسائل من إله. بل ذهب بايل إلى أبعد من ذلك، واغتنم الفرصة للقول: إنَّ مجتمع الملحدين سيكون فاضلًا مثل مجتمع المؤمنين الدينيين، إن لم يكن أكثر فضيلة.
كان هذا الموقف موقفًا غير تقليدي تمامًا في ذلك الوقت، إن أردنا أن نستخدم تعبيرًا مخففًا. كان لحجج بايل تأثير عميق على الكُتاب المتشككين والإنسانيين، مثل: ديفيد هيوم، وفولتير، ولودفيغ فيورباخ [انظر، ""سِيَر موجزة Brief Lives"" في هذا العدد- المحرر]، ويعتبره الكثيرون أبًا لعصر التنوير. ومن المفارقات أنَّ بايل كان على الأرجح كالفينيًّا متدينًا، كان يعتقد بإخلاص أنَّ أكثر الناس عليهم لعنة الجحيم. وقد خلص ريتشارد بوبكين Richard Popkin الذي درس كتابات بايل دراسة موسعة، إلى أنَّ «بيانات السيرة الذاتية تشير إلى أنَّ بايل كان ملتزمًا ببعض جوانب الكنسية الإصلاحية الفرنسية، باستثناء بعض النكات الخاصة الغريبة. وأصر على الانتماء إليها، وأعلن التزامه المخلص بها». (Encyclopedia of Philosophy, Vol.1, p.61, Macmillan, 1967) ومع ذلك، قدّم بايل أحد أكثر دفاعات التسامح شجاعة وجدلًا على الإطلاق، وما زال له تأثير استفزازي حول حرية الفكر وأفكار الفصل بين الكنيسة والدولة.
المذنّبات والخلافات.
ما زال ظهور المذنّبات يُولِّدُ في كثير من الأحيان خوفًا ورجفة شديدين. وأستطيع أن أشهد على هذا بنفسي؛ لأني تلقيتُ فعام 1996م عندما كنتُ محررًا في مجلة ""التحقيق الحر Free Inquiry"" مقالة من زميل يُدعى توماس بوب Thomas Bopp، وهو فلكي يهوى الفلك يعيش في ولاية أريزونا. وكان قد اكتشف مع آلان هيل Alan Hale -مدير المعهد الجنوي الغربي لأبحاث الفضاء- مذنّبًا بعيدًا، وقررا أنه سيكون في أقرب نقطة من الشمس في مارس 1997م، وسيكون أحد ألمع الأشياء التي تراها بالعين المجردة على الإطلاق. توقع بوب أنَّ المذنّب المسمى على النحو المناسب ""هيل-بوب Hale-Bopp"" من المرجح أن يثير قدرًا كبيرًا من الاهتمام. كان خوفه وغرضه من الاتصال بي، يكمن في أنَّ قدرًا كبيرًا من التغطية ستكون على الجانب الغريب، بدلًا من استخدام الحدث وسيلة لتعزيز تعليم العلوم من خلال كونه ""لحظة تعليمية"" لتشجيع الناس على تعلم المزيد عن المذنّبات والأجسام السماوية الأخرى، وقد شعر بأنَّ وسائل الإعلام الشعبية من المرجح أن تستخدم ظهور المذنّب كمناسبة لإحياء الخرافات القديمة بشأن نهاية الزمان أو نُذُر الكوارث القادمة.
نشرنا مقالته في أواخر عام 1996م، وأتيحت لي الفرصة لمقابلته في مرصده الشخصي ومشاهدة مذنّب هيل-بوب بتلسكوبه، وذلك قبل وقت قصير من دخول المذنب في الوعي العام. لم يخمن أحدنا مدى غرابة الأشياء التي ستحدث بمجرد أن يصبح هيل-بوب معروفًا على نحو أفضل. كان الارتباط الأشهر هو الارتباط الذي قالت به طائفة بوابة السماء Heaven’s Gate، وهي مجموعة يوم الحساب مقرها في سان دييغو شعرت أنَّ كيانًا غامضًا كان مختبئًا خلف المذنّب، وقاموا بانتحار بجماعي من أجل الدنو منه بطريقة ما.
إذا كان الظهور المفاجئ لمذنّب عام 1997م يمكن أن يكون له مثل هذا التأثير الغريب، فتخيل كيف جرى تصور الظهور المبكر المتكرر قبل عصر التلسكوبات والمعرفة الفلكية. كثير من الناس في زمن بايل قد اعتقد بشدة أنَّ المذنّبات كانت أحداثًا إعجازية رتّبها الله لقلب نظام الكون من أجل غرض إلهي. كان هذا المفهوم هو الهدف الرئيس لكتاب بايل الأول المثير للجدل. ومقالاته التي كُتبت في الأصل عام 1682م كسلسلة باسم متنكّر حول المذنّب العظيم لعام 1680م، قد نُشِرَتْ في كتاب باسمه عام 1683م. وقد كان من أكثر الكتب مبيعًا من فوره، وجعل مؤلفه شخصية معروفة في المناظرات اللاهوتية في عصره (اشتهر بايل لاحقًا بعمله « القاموس التاريخي والنقدي Historical and Critical Dictionary» الذي كان له تأثير هائل في عصر التنوير).
كتَب بايل في البداية الرسائل باسم مستعار أثناء التدريس في سيدان Sedan بفرنسا، متظاهرًا أنه كاثوليكي ديكارتي يكتب لأستاذ في جامعة السوربون. وقد خدعت هذه الحيلة السلطات، وقد أصبح متمكنًا في مثل هذه المراوغات حتى إنه في قاموسه وضع أكثر تصريحاته إثارة للجدل في قاموسه في الهوامش، معتقدًا عن حق أنَّ رقباء المنشورات لن يهتموا بقراءتها غالبًا. وجادل في الرسائل بأنَّ المذنّبات يجب أن تمتثل لقوانين فلكية لم تُكتشف بعد. وعلماء الفلك هم من سيفهمون أسباب هذه الظواهو في السماء فهمًا أفضل، لا رجاء الدين. وقارَن هذا بمكانة الكهنة الوثنيين الذين كانوا مهووسين بالتنجيم، وقدموا حججًا سخيفة لسبب ظهور المذنّبات، ومتى تظهر. (تجرد الإشارة إلى أنَّ هذا يسبق عمل إدموند هالي Edmond Halley بخمسة وعشرين عامًا).
يدور كتاب «أفكار مختلفة» لبايل حول الهستيريا الشعبية بشأن المذنّب، لكنه عمل ثري، ويجادل ضد كل أنواع الخرافات والدوغمائيات. وهذا ليس مفاجئًا، حيث كان بايل في قلب الخلافات الدينية في عصره. كان والده قسًّا كالفينيًّا، ولأنه بروتستانتيًّا؛ فقد تعرض للاضطهاد بسبب معتقداته في فرنسا الكاثوليكية. وقد ذهب بيير أولًا إلى مدرسة كالفينية، لكنه التحق فيما بعد بكلية يسوعية، حيث تحول إلى الكاثوليكية. وكان هناك ضغط اجتماعي كبير على البروتستانت للتحول إلى الكاثوليكية، بالإضافة إلى المكافآت المالية والاجتماعية لمن يتحول إليها. ورغم ذلك، يبدو أنَّ الدافع الأساسي لبايل هو النزاهة الفكرية، كما يتضح من حقيقة أنه بعد فترة وجيزة عاد إلى الكالفينية. ليس غريبًا أنَّ هذا جعله شخصًا غير مرغوب فيه لدى الطائفتين الكاثوليكية والبروتستانتية في فرنسا، وفرّ إلى جينيف الكالفينية. وقد عاد إلى فرنسا بعض الوقت، لكنه انتقل بحكمة إلى هولندا الأكثر تسامحًا، حيث سيقضي بقية حياته.
التعليق الأخلاقي.
سرعان ما يتضح في كتاب بايل: «أفكار مختلفة» أنه يجري مقارنات بين السلطات الوثنية القديمة والسلطات المسيحية المعاصرة؛ إذ إنَّ نمط عمليهما متشابه، فكلاهما سري، وكلاهما يستخدم الإشارات والعجائب لتعزيز سلطتهما، ويفسران الكتابات المقدسة لمصلحتهما، ويضطهدان من يختلف معهما. كلاهما ينحرط في المغالطة المنطقية القديمة المعروفة باسم post hoc, ergo propter hoc (« أتى بعد هذا [الحدث] إذن هو بسببه»)، وإذا ثبت خطأ تنبؤاتهما، فإنهما يتجاهلانها بسهولة ويمضيان. وإذا كان الوثنيون قد أهانوا الآلهة بجعلها مناصرة لجرائمهم، فإنَّ السلطات المعاصرة لبايل قد قامت بالشيء نفسه، فالكاثوليكية والبروتستانتية تحط من قدر الإله.
ثم يسأل بايل سؤالًا مثيرًا للاهتمام بشأن الظواهر المتكررة للمذنّبات بين الأعوام 1665-1680م: هل يجب أن تحدث هذه العلامات كثيرًا؟ ألا تفقد هذه العلامات قدرًا كبيرًا من قوتها إن اعتدنا عليها؟ لماذا نرى كثيرًا منها الآن خاصة؟ هل هذا بسبب كثرة حدوثها أو لأنَّ التطورات العلمية سهّلت اكتشافها؟ وفوق ذلك، لماذا لا يرى المذنّبات في البداية إلا علماء الفلك الذين لا يكونون متدينين جدًّا غالبًا؟ لماذا يسمح الله لهم بالنظرة الأولى دون بقية الناس، حيث من غير المرجح أن يعظوا العالَم من أجل التوبة؟ يلاحظ بايل بحصافة أنَّ الكفار هم أقل الناس عرضة لتغيير مساعيهم الشريرة تأثرًا بالظواهو السماوية.
هنا في منتصف القسم الأوسط من كتاب بايل: «أفكار مختلفة» يضع بايل نقطته الأكثر إثارة للجدل. يجب بالتأكيد أن يكون غير المؤمنين بالله أكثر ميلًا إلى التصرف غير الأخلاقي؛ نظرًا لأنهم لا يشعرون أنَّ العين الإلهية فوق كل أفعالهم. ومع ذلك، يقدّم بايل عددًا هائلًا من القصص عن كفار فاضلين من العصور القديمة وحتى عصره؛ وعددًا هائلًا أيضًا من قصص الفظائع الدينية. فالصليبيون مثلًا كاثوليك متدينون، لكنهم ارتكبوا فظائع لا توصف. كل ذلك باسم الإله.
هناك مفارقة ساحرة في حجة بايل، فمن الواضح أنه شعر أنَّ الملحد الحقيقي يجب أن يكون متحررًا، كما يجب أن يكون المسيحي الحقيقي فاضلًا تمامًا. ويرى أنَّ حقيقة كون الأدلة غالبًا ما تسير في الاتجاه الآخر، إنما هي دليل على أنَّ دافع السواد الأعظم من الناس هو عواطفهم، لا عقولهم. (هذه الفكرة الرئيسة سيثمّنها هيوم، ويقول بها، وهيوم كان على دراية جيدة بعمل بايل). لقد افترض كثير من البروتستانت المتحررين في البداية أنه يتفق معهم على أنه يجب تجريد الدين من الخرافات، ونزع الصبغة الأسطورية عن المسيحية، لكنه هاجمهم أيضًا بحجة أنَّ العقل والدين غير متوافقين، وأنَّ محاولات تأسيس لاهوت على المنطق لن تنجح أبدًا. وقال بعد ذلك مازحًا: إنه كان بالطبع بروتستانتيًّا جيدًا؛ لأنه احتج على كل شيء فكَّر فيه أي شخص أو قام به.
جادل بايل بأنه في ضوء الطبيعة المنحرفة للبشر ربما كان كل ما يمكن للمرء أن يأمل فيه حقًّا، هو الاعتماد على نعمة الله. ولحسن حظنا جميعًا، غرس الله حسًّا بالفضيلة والرذيلة في قلوب جميع الناس. وكيفية حرث هذه الحساسية على النحو الأفضل أمر أساسي في فكر بايل؛ لأنه عاش في وقت كان يمكن أن تحدد فيه المعتقدات الدينية وجود المرء. أمر ملِك فرنسا لويس الرابع عشر عام 1685م بإلغاء مرسوم نانت Edict of Nantes؛ مما يعني أنَّ البروتستانت في ذلك البلد فقدوا كل حقوقهم. بينما فرّ بايل بحكمة إلى أمستردام، وبقيت عائلته في فرنسا، وعانت كثيرًا جراء ذلك، وسُجن شقيقه وعُذِّب، وتوفي بسبب كتابات بيير إلى حد ما؛ فذاك الذي عذب بيير بقية حياته.
أصبح بايل مدافعًا قويًّا عن التسامح. وذهب إلى أبعد مما ذهب إليه معاصره جون لوك؛ إذ دافع عن التسامح الاعتقادي العالمي لكل المجموعات، فيجب السماح لليهود والمسلمين والكاثوليك بل والملحدين، بالعيش في سلام. إذا كان الإله صالحًا وعادلًا حقًّا، فسوف يرى أنَّ الجميع سينالون الثواب والعقاب المناسبين في الآخرة. ولا حاجة لإدامة جهنم على الأرض للكفار.
ومن ثم يَصِحُّ مع اقتراب المذنبات والنيازك من الأرض، التأمل في بيير بايل ومفارقاته، وهو الذي احتفظ بروح الدعابة في زمن التعصب الأعمى، وتمكن من إزعاج العقلانيين والدينيين بالقدر نفسه. إنَّ دفاعه البليغ والصادق عن التسامح ما زال مناسبًا ليومنا هذا، حيث تستمر الخلافات الطائفية في تأجيج المشاعر. عندما يتعلق الأمر بالسلوك الخبيث، يلاحظ بايل أنَّ الخطأ لا يكمن في سقوط نجومنا، بل في أنفسنا.
د. تيموثي ماديغان Timothy J. Madigan، 2014م.
شعار تيم ماديغان هو ""الزم مراقبة السماء"".
