هل نتمتع بإرادة حرّة؟ أم أن حياتنا مجرّد مزيج من قوى خارجة عن إرادتنا، تدفعنا مثل كرات بلياردو؟
يبدو السؤال واضحًا ومباشرًا بما فيه الكفاية، لكن إذا تأملت فيه لفترة كافيه فستجد أنك فتحت على نفسك صندوق باندورا من الأسئلة الفلسفيّة، خاصّة وأنّ كل جانب من جوانب النقاش يمكن أن يبدو، وعلى نحوٍ غريب، معقولًا تمامًا وغير معقول إطلاقًا في آنٍ. ممّا لا شكّ فيه أنني وصلتُ إلى ما وصلتُ إليه من خلال الخيارات التي اتخذتُها بحرّيّة، لكن كيف يمكنني أن أكون متأكّدًا من هذا؟ هل الحرّيّة مجرّد وهم؟ مجرّد شيء يمكنني إخبار نفسي بأنني أتمتّع به لتجنّب مواجهة الحقيقة المرعبة بأن أحداث حياتي خارجة تمامًا عن إرادتي؟ يمكنني كذلك أن أتقبّل افتقاري إلى السيطرة بكل سهولة وأضع نفسي في الجانب الحتميّ للأمور، لكن هل سيكون هذا مجرّد وسيلة ماكرة للتهرب من أيّ مسؤوليّة عن جميع الأخطاء التي ارتكبتُها؟ كيف يمكننا حينها مدح أو لوم أيّ شخص على أيّ شيء، إذا لم يكن لدى أحد القدرة على اختيار ما يفعله بحرّيّة؟ وهكذا، تبدأ حلقة التفكير المُفرغة.
ومع عدم توصّلي إلى أيّ نتيجة وشعوري بإحباط شديد حيال الأمر، وجدت نفسي أبحث بلا كلل أو ملل عن إجابات؛ من إجراء مناقشات مطوّلة مع مجموعة من أذكى الأشخاص الذين أعرفهم، إلى قراءة بعض الآراء والمواقف الموزونة ببلاغة لمجموعة من كبار المفكّرين في العالم حول هذا الموضوع. لكن كل ذلك كان دون جدوى بالطبع.
وأثناء تقلّبي بين جانبَيْ النقاش؛ الإرادة الحرّة مقابل الحتميّة، إلى درجة أصابتني بالملل الشديد، وصلتُ أخيرًا إلى مرحلةٍ من الإنهاك جعلتني غير قادرٍ على التفكير في الأمر لأكثر من ذلك، ورأيتُ في قرارة نفسي أن هذا النقاش إمّا فارغ وبلا معنى، أو أن الإجابة عنه مستحيلة، أو أنّه مزيجٌ من الأمرَيْنِ. لكن عندما صادفتُ الفيلم الوثائقي الصادر عام 2019 سدّ الفجوة Minding the Gap، وجدت تلك الإثارة المبدئيّة التي أثارها النقاش تشتعلُ في داخلي من جديد بطريقة عميقة وعلى نحوٍ غير متوقّع.
يتتبّع الفيلم حياة ثلاثة أصدقاء من المتزلّجين الذكور؛ بينغ وزاك وكير، وهم يدخلون مرحلة البلوغ ويكافحون في سبيل صنع ذواتهم في أثناء ذلك. تبدو القصّة طبيعيّة، أليس كذلك؟ تبدأ الأمور في أخذ منحنى آخر عندما نتعرف على المكان الذي نشأ فيه هؤلاء الأطفال: بلدة روكفورد، مقاطعة إلينوي. يجري تقديم بلدة روكفورد على أنها ثقبٌ أسود اجتماعيّ؛ ذلك النوع من الأماكن الذي يُعتبر فيه المرء محظوظًا لخروجه منها سليمًا؛ مكانٌ يُعدّ معظم سكّانه محاصرون بلا حولٍ أو قوّة في حلقةٍ مُروّعة من الفقر والصدمات. وينطبق هذا الأمر تمامًا على شخصيّات الفيلم، والحقيقة أن التزلّج على الألواح بالنسبة لهم ليس هواية رائعة بقدر ما هو وسيلةٌ للبقاء على قيد الحياة، وليس مجرّد نوع من التسلية لتزجية الوقت بقدر ما هو هروبٌ مؤقّت من آفاقهم المستقبليّة القاتمة وأُسَرهم المُسيئة لهم. يقول زاك في بداية الفيلم: «يعدّ التزلّج على الألواح أقرب إليّ كعائلة من عائلتي الحقيقيّة نفسها. لقد شكّلنا معًا عائلة نعتني ببعضنا البعض لعدم وجود أحد آخر يعتني بنا»
لا يسعُ المشاهدون سوى التساؤل عمّا إذا كان أفراد هذه العائلة المؤقّتة سيصبحون مُجرّد نتاجٍ لبيئتهم الخانقة، أم أنهم سيتمتّعون في النهاية بحرّيّة الهروب من قبضتها. بعبارةٍ أخرى، لا يتناول الفيلمُ الجدلَ الدائر حول الإرادة الحرّة والحتميّة بطريقة مدروسة وحسب، بل يجعل هذا الجدل يتكشّف من خلال حياة الشخصيّات. من هذا المنطلق، نجد أن مشاهدة حياة زاك وهي تتشكّل تعتبر حجّة جيّدة مثل أيّ حجّة أخرى تُذكّر لصالح الحتميّة الليّنة (تقول الحتميّة الليّنة: إنّ بعض الأمور في حياتنا، مثل تشكّل شخصياتنا، أمر خارج عن إرادتنا. في المقابل، تقول الحتميّة الصلبة: إن كل شيء في الحياة محدّد سلفًا على نحو مطلَق، من المستوى دون الذرّيّ فما فوق، وبالتالي فأيّ شعور بالاختيار مجرّد وهم). هاربًا منذ نعومة أظفاره من أسرته المُفكّكة، نجد أن هناك أمر شبه مصيريّ بشأن أنه كلّما زادت محاربة زاك الشرسة لنشأته، زادت محاكاته لها من خلال انغماسه في دوّامة من الأبوة المبكّرة، والإفراط في معاقرة الشراب، وسوء المعاملة، وأخيرًا، الغياب. لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق من مشاهدة تدهور حياة زاك هو التفكير فيما يخبّئه المستقبل لابنه. نرى في الوقت الحاليّ طفلًا بريئًا للغاية وغير قادرٍ على إدراك حجم الفوضى المُحيطة به، لكن ماذا بعد؟ هل يمكن أن تكون الحياة السعيدة خيارًا مطروحًا على الطاولة لشخصٍ يفتقر منذ البداية إلى التوجيه والدعم من عائلة صحيّة؟ أم هل سيكون من الغريب الاعتقاد بأن الطفل محكوم عليه بالفعل بتكرار أخطاء والده، وأنه سيُصبح مُجرّد ضحيّة أخرى من ضحايا بلدة روكفورد؟ هذه حلقة ردود الفعل على الفقر والصدمات التي تظهر للعيان.
وعلى الرغم من اليأس الواضح على جميع شخصيّات الفيلم، إلا أن الأمور تسير على نحوٍ مختلفٍ تمامًا بالنسبة لبينغ وكير. فبدلًا من مُحاكاة نشأتهم المُختلّة كما فعل زاك، نرى مخاوفهم تدفعهم في الاتجاه المعاكس؛ أي في اتجاه بذل كل ما في وسعهم لخلق حياة أفضل لأنفسهم. ممّا لا شكّ فيه أن السموّ الذي يُحقّقانه يختلف تمام الاختلاف عن ذلك الخلاص المُتكلّف الذي نراه في أفلام هوليوود. سرعان ما يدرك كير أن أفضل خيار أمامه للهرب من روكفورد هو تولّي وظيفة غاسل للصحون، بينما يجد بينغ الخجول والمنطوي على نفسه شغفًا في تصوير أصدقائِه المُتزلّجين وهم يمارسون هوايتهم، الأمر الذي يمنحُه شيئًا واحدًا يجعله يشعُر بالرضا عن نفسه، في حياةٍ تبدو خالية من المعنى.
ما الذي يخبّئه المستقبل للطفل؟ هل مُستقبله محدّد سلفًا؟
وهكذا، نرى حياة زاك تتّخذ المنعطف الخاطئ، بينما يبدو أن بينغ وكير يسيران على الطريق الصحيح. ما علاقة هذا بالإرادة الحرّة؟ في الواقع، عندما يسأل بينغ زاك عن السبب الذي جعل حياتهما تتخذ منحًى مختلفًا تمامًا عن بعضها البعض بالرغم من نشأتهما في نفس الأُسر المُفكّكة والمُختلّة، نجد زاك يلقي بظلال من الشكّ على فكرة أن صديقه في الواقع قد اختار بملء إرادته حياة أفضل من حياته، فيقول: ""هناك بعض الناس الذين يستطيعون أخذ تجاربهم السلبيّة وتحويلها إلى أمور قويّة وإيجابيّة. لا أعتقد وحسب أنني من هذا النوع من الأشخاص"". ألا تبدو الأمور على هذا النحو أحيانًا؟ أن نجاحاتنا وإخفاقاتنا ليست نتيجة اختياراتنا بقدر ما هي في الحقيقة نتيجة كوننا ""نوع الشخص الذي نحن عليه""؟
يُمكن لهذا الرأي أن يكون مُقنعًا بكل تأكيد إذا كنتَ ميّالا للتفكير بهذه الطريقة. لكن إذا راقبت الفيلم بدقّة فستلاحظ أن نضج كلّ من بينغ وكير لا يأتي من فراغ. يبدأ نموّهما هذا في التبلور بمجرّد اتّخاذهما للخطوات الأولى الصعبة والبغيضة للغاية المتمثّلة في مواجهة أعماق ماضيهما المؤلمة وتحمّل مسؤوليّة المسار الذي سيتّخذه مستقبلهما. يحدث هذا لكير بمجرّد شروعه في التعامل مع مزيج من الحزن والغضب الذي يحمله تجاه والده الصارم للغاية (والميّت حاليًّا)، وكذا إحاطة نفسه بمجموعة جديدة من الأصدقاء الذين يتقبّلون طموحه الجديد المُتمثّل في العيش كشخصٍ مسؤول. من ناحية أخرى، ينتقل بينغ من التقاط صورٍ رائعة لأصدقائه وهم يتزلّجون على الألواح إلى استخدام مواهبه في صناعة الأفلام لإجراء مقابلة مع والدته، حيث تتحدّث فيها عن العذابات التي عانى منها الاثنان على يد زوج والدته.
يُعتبر إقدامهما على اتّخاذ هاتَيْنِ الخطوتَيْنِ عملًا شجاعًا بلا شكّ، وهو عملٌ يعتمد على فهم الشخصيتَيْنِ لقدرتهما على كسر حلقات الصدمة الخاصّة بكل واحد منهما. بطريقة ما، كان من الأسهل لهما بكثير الاستسلام لشياطينهم الداخليّة على نحو ما فعل صديقهما زاك، وإخبار أنفسهما أنه ليس بوسعهما فعل شيء لتغير حياتهما للأفضل. يعدّ «سوء الطويّة» المصطلح الذي صاغه الوجوديّ الفرنسي جان بول سارتر لوصف هذا الموقف الأخير؛ أي لطريقة التفكير التي تُنكر تمتّعنا بالحرّيّة لنصبح ما نريد، مثل إلقاء اللوم على ظروفنا أو شخصيّاتنا بخصوص ما نحن عليه. بدلًا من ذلك، يقول سارتر -كما لو كان يروي رحلة بينغ وكير نحو مرحلة البلوغ- في محاضرته الشهيرة الوجوديةّ مذهب إنسانيّ (1946):
الجبان يجعل من نفسه جبانًا، والبطل يتصرّف كالأبطال. هناك احتماليّة أن ينبذ الجبان جُبنه، وأن يتوقّف البطل عن كونه بطوليًّا. ما يهمّ هو الانخراط العامّ.
وهكذا فلا يمكننا، في نظر سارتر، أن نتجاهل تصرّفاتنا باعتبارها مجرّد نتيجةٍ لكوننا «من هذا النوع المُعيّن من الأشخاص»، نظرًا لعدم وجود شيء أساسيّ يمكننا اعتباره المُشكّل الرئيس لهوّيّاتنا بمعزل عن خياراتنا وأفعالنا. والحقيقة أننا ما نفعلُه. إذا لم تكن سلوكيّاتنا، كما يقول سارتر، مجرّد تعبير عن شخصيّة محدّدة مسبقًا، وإنما هي دائمًا نتاجُ اختياراتنا الحُرّة، فمهما تكن الظروف السيّئة والصعوبات التي تعرضنا لها في الماضي، بوسعنا دائمًا النظر إلى كل يوم جديد باعتباره فرصة لتغيير أنفسنا من ضحيّة سلبيّة للظروف إلى شخص يمكنه أخذ الألم الذي مرّ به وتحويله إلى شيء إيجابيّ. كان بينغ قادرًا في نهاية المطاف على تحقيق ذلك من خلال عمل فيلم وثائقيّ حائز على جوائز حول أصدقائه وبلدته، ألا وهو فيلم سدّ الفجوة. في هذه الأثناء، ينتقل كير بعد حصوله على ترقية من وظيفته في غسل الأطباق إلى دنفر ليصبح مُتزلّجًا مُحترفًا.
وفي واحدٍ من أكثر المشاهد تأثيرًا في الفيلم، يعترف كير بأنّه يحبّ التزلّج على الألواح بالرغم من كونه أمرًا يثير غضبه باستمرار. «لكنه يؤلمك» يشير بينغ بفضول: «نعم» يجيب كير بابتسامةٍ كبيرة: ""وكذا كان والدي، لكني أحبه حدّ الموت"".
© ديلان سكوركا 2021
ديلان سكوركا طالب دكتوراه في الفلسفة بجامعة يورك في كندا. يركّز بحثه على فلسفة علم النفس والوجوديّة والأخلاق البيئيّة
