يا لها من رومانسيّة! في الصورة الفوتوغرافيّة التي التقطها زوجان يتشاركان مظلّة بالقرب من دوّارة باريسيّة، في حين يُخفي المطر برج إيفل على الضفّة البعيدة لنهر السين. ووراء الكاميرا، ينتهي عازف أكورديونيّ بائس من عزف أغنية ""La Vie en Rose"" لـ إديث بياف Edith Piaf، ثم يشعل سيجارة جيتان Gitanes اللاذعة. والعاشقان غافلان عن كل هذا، إذ هما مشغولان بأعينهما، وآذانهما، وأنوفهما.
لكن قد أكون مخطئًا تمامًا في قراءة المشهد. إذ يمكن أن يكون الزوجان أخًا وأختًا، أو ربّما يكونان أستاذًا من جامعة السوربون يتحدّث إلى طالبة دكتوراه حول أبحاثهما الفلسفيّة.
تتضمّن السيناريوهات الثلاثة الحبّ ولكن بأنواع مختلفة؛ الأنواع المقابلة للكلمات اليونانيّة إيروس eros، وفيليا philia، وأجابي agape. النوع الأول، إيروس، هو الحبّ المشحون جنسيًّا. وقد يجمع إيروس الشريكَيْنِ معًا على نحو رومانسيّ. النوع الثاني من الحب، فيليا، لا يحتوي على أيّ عنصر جنسيّ، ويناظر تقريبًا مفهوم ""ولع المعزّة fondness"". ونتقارب نحن وعائلتنا وأصدقاؤنا بروابط الفيليا (إذا كنا محظوظين). النوع الثالث، أجابي، يمكن تعريفه على أنه ""حبّ الإنسانيّة"". والفكرة الأساسيّة هي أن أجابي هو حبّ غير مستوجب أو غير مشروط. إنه مفهوم يأتي من علم اللاهوت. فمحبّة الله لنا غير مستحقّة؛ لأننا جميعًا خاطؤون. والمعنى الضمنيّ هو أنّنا يجب أن نحبّ بدورنا إخواننا من البشر، سواء أكانوا يستحقون ذلك أم لا. هذه المفاهيم الثلاثة ليست دائمًا واضحة تمامًا كما أشرتُ، وقد استبعدتُ بعض المفاهيم الأخرى مثل اللودوس ludus – الحبّ المرح والغزلي. ومع ذلك، تشكّل الأنواع الثلاثة، إيروس وفيليا وأجابي، معًا طريقة ملائمة لتحليل الحبّ. هناك أيضًا أسباب وجيهة لعدم وضوح الخطوط الفاصلة بين هذه الأنواع الثلاثة؛ لأن الإيروس يمكن أن يُفسد براءة أنواع الحبّ الأخرى. فعندما يغلب الإيروس على حبّ الفيليا الأخويّ، ربما يؤدي إلى سفاح القربى إلى تقليص الحوض الجينيّ بطرق قد تكون ضارّة. أو عندما يغلب الإيروس الحبَّ الأجابيّ في التعليم، فإن الأساتذة يسيئون استخدام سلطتهم من خلال العبث بمشاعر طلّابهم، وهناك دائمًا شكّ في أن العلاقة تكون استغلاليّة أو تقايضيّة (درجات جيدة مقابل الخدمات المقدّمة).
يمتد نطاق الفيليا إلى ما وراء العلاقات الإنسانيّة ليشمل أنواعًا من ولع المعزّة. إن كلمة ""فيلو-صوفيا hilo-sophia"" هي بالطبع كلمة يونانيّة تعني ""حبّ الحكمة"". والولع بالعالَم الحيّ يسمى ""بيوفيليا biophilia"". يمكن أن يُؤخَذ هذا الحبّ بعيدًا جدًّا، ويصبح بهيميًّا zoophilia شهوانيًّا. ففي أيرلندا، وكذلك في المملكة المتّحدة وأستراليا وكندا، يؤدّي ""حبّ الحيوانات"" أحيانًا إلى عقوبة السجن. وهو أيضًا جريمة جنائيّة في معظم الولايات المتّحدة، على الرغم من أنه ليس كذلك في نيو مكسيكو أو فيرجينيا الغربيّة.
الإيروس في باريس مع سارتر
لكنّنا اليوم في باريس، مدينة الحبّ، في يوم القدّيس فالنتين. وكيوبيد Cupid [إله الحبّ] – المعادِل الروماني لإيروس، يصوّب قوسه على نحو أعمى في كل اتّجاه. نحن المورانيّين لا نميل إلى الاحتفال بعيد الحبّ. نتذكر الكارثة التي حلّت بجورج ""باغز"" موران George ‘Bugs’ Moran في صباح اليوم الثلجيّ 14 فبراير 1929 – ""مذبحة يوم القدّيس فالنتين"" الشهيرة. إذ رتّبت عصابات آل كابوني Al Capone، متنكّرين بزيّ رجال الشرطة، سبعة من منافسيه في صفوف، عصابات موران، أمام جدار في مستودعهم في شيكاغو، وقتلوهم بوابل من الرصاص المنطلِق من بنادق طومسون Thompson الرشاشة (تجنّب باغز نفسه هذا المصير المروّع لأنه تأخّر في تسليم الكحول المهرّب وتراجع عندما اكتشف الشرطة المزيفة تداهم مبانيه). ومع ذلك، فإن الحبّ، وليس رائحة البارود، موجود في هواء باريس في هذا الوقت من العام: سهام كيوبيد وليس رصاص كابوني.
تتضمن إحدى الطرق التقليديّة للتعبير عن الإيروس في باريس بعض الجسور التي فوق نهر السين. كان جسر Pont de l'Archevêché خلف كاتدرائيّة نوتردام مغطًّى بأقفال الحبّ. وُنقشت أسماء العشاق على أقفال يبيعها تجّار الشوارع المبادرون. ويقوم كل عاشقَيْنِ بعد ذلك بتعليق قفلهما على الجسر للإعلان عن حبّهما، ورمي المفتاح في النهر كرمز للبقاء. لكن الوزن الإجماليّ لمئات الآلاف من الأقفال قد هدّد هذا الجسر، لذلك قطعت السلطات الباريسيّة كل هذه الأقفال وثبّتت ألواحًا زجاجيّة عضويّة على المبنى لمنع استبدال الأقفال. ومع ذلك، فلكلّ حدث حزين جانب مشرق، إذ حسّنت الألواح من صوتيّات الجسر لفنّاني الشوارع مثلي. حتى أنني تمكنتُ من إرفاق خطّاف صغير بالجسر، حيث يمكنني تعليق معدات الصوت السريّة الخاصّة بي. وفي كلّ مرة أعود فيها إلى باريس، يسعدني أن أرى أن الخطاف لا يزال موجودًا، معلّقًا في هدوء وينتظر عملي. إنه علامة على حبّي للموسيقى.
وفي آخر مرّة عزفتُ فيها على الجسر، حوّل شاب فرنسيّ نبيل انتباهه لحبيبته إلى تجهيزي للناي لعزف أغنية إد شيران Ed Sheeran الناجحة ""Perfect"" (2017). ومشى نحوي مبتسمًا، ووضع ورقة نقديّة بقيمة 50 يورو في قبّعتي، وعاد إلى حبيبة قلبه (50 يورو تعادل 56 دولارًا أمريكيًّا، أو 42 جنيهًا إسترلينيًّا). ربما كانت ""أغنيتهما"" هي التي عزفتها للتوّ، أو ربّما عرضه الزواج من حبيبته قد قُبل للتوّ. إن الحبّ يمكن أن يجعلنا نقوم بأمور غير عقلانيّة. ويجب تشجيع الكرم المفرط مع عازفي الفلوت في التروبادور، سواء كان ذلك عقلانيًّا أم لا.
كان الوجوديّ جان بول سارتر (1905-1980) أحد العشّاق الفرنسيّين المشهورين، الذي غالبًا ما كان يمكن رؤيته في الشوارع والجسور والمقاهي في باريس في صحبة نسائيّة جميلة. كان اللغز هو تحديدًا كيف أنجز هذا العمل الفذّ. وصفتْ كاتبة سيرته الذاتيّة، آني كوهين-سولال Annie Cohen-Solal، مظهره بأنه مظهر ""مدرِّس ريفيّ صغير، سمين، عجوز. وله هيئة تشبه حزمة التبغ المحشوّة، إنه بوذا الصغير المرعب» (Sartre: A Life, 1987). هذا ليس ملفًّا تعريفيًّا رائعًا في [تطبيق المواعدة] Tinder. كان لسارتر أيضًا عين شاردة بالمعنى الحرفيّ والمجازيّ، فقد كان يعاني من حالة في عينه تُعرف باسم الحَوَل، فضلًا عن ميله إلى ""البحث عن شراكة نسائيّة""، على حدّ تعبيره. كان يبحث عن النساء الجميلات، كما يقول: «كي أتخلّص من عبء قبحي». ووجهة النظر هذه تناظر على نحو لطيف وجهة نظر سقراط كما وردت في محاورة أفلاطون ""الندوة Symposium"": «الحبّ هو حبّ شيء لا يمتلكه المرء، ومن ثَمّ يفتقر إليه». علاوة على ذلك، بالنسبة إلى سقراط (وهو فيلسوف آخر قبيح الشكل كما هو مشهور)، فإن المظهر الخارجيّ للشخص لن يكون عائقًا أمام الحبّ بشرط أن يكون كيانه الداخليّ جذّابًا، فقد قال: «جمال الجسد ليس شيئًا بالنسبة إلى جمال الروح، لذلك أينما يلتقي المرء بالجمال الروحيّ، حتى لو كان مغلّفًا بجسد غير جذّاب، سيجده جميلًا بما يكفي ليقع في حبّه والتعلّق به». زعم سارتر أيضًا أن دوافعه كانت نقيّة: «لقد كانت لديّ بالتأكيد شهيّة للجمال، وهي لم تكن حسيّة في الحقيقية، وإنما كانت سحريّة أكثر».
التقى سارتر بتوأم روحه التي تمثّل في الكاتبة والفيلسوفة النسويّة سيمون دي بوفوار. وتوضح كوهين-سولال أنهما كانا غير متناسبَيْنِ جسديًّا: فقد كانت بوفوار جميلة جمالًا مذهلًا، وكان هو قبيحًا». وتتابع فتقول: «مع بوفوار، وجسد سارتر الجمال والحوار معًا... ممّا أتاح له متعة التعرّف على جمالها...[وجعله يسمح لها بمرافقته في تأمّلاته، ونظريّاته، ومشاريعه». لكن هذا لم يكن كافيًا لسارتر: «لقد كنتُ محاطًا بالنساء منذ سنوات، وما زلت أرغب في التعرّف على نساء جدد». وبينما كان يدوّن ملاحظاته بلا تحرير في مقاهي الجنوب الشرقيّ لنهر السين، كان يضع عينًا على دفتر ملاحظاته والعين الأخرى على السيّدات.
ذهنيًّا، فلسفة سارتر الوجوديّة حرّرته من أيّ مطلب لاتّباع قواعد السلوك البرجوازيّة؛ لكن لا يزال عليه أن يبرر خداعه لسيمون. في عام 1929 اقترح عليها اتفاقيّة: «ما لدينا هو حبّ حقيقيّ؛ لكنها فكرة جيّدة لنا أيضًا أن نختبر علاقات حبّ طارئة"". واتفقا على أن يكونا صادقَيْنِ بشأن علاقاتهما الغراميّة ""الطارئة""، وبمراعاتهما لهذا الاتفاق، حافظا على علاقتهما ""الحقيقيّة"" حتى وفاة سارتر في عام 1980.
كانت بيانكا بينيفيلد Bianca Bienenfeld، إحدى صديقات سيمون، طالبة تبلغ من العمر سبعة عشر عامًا في فصل الفلسفة الذي تدرّس له بوفوار في مدرسة ليسيه موليير Lycée Molière. وأصبحت بعد ذلك عاشقة سارتر، ونُبذت عندما ملّا منها.
وقد شكّكتْ بيانكا في صدق سارتر في الأمور القلبيّة. وفي كتابها ""ذكريات Mémoires"" (1993) اشتكت من ذلك، «كما يؤدّي النادل دور النادل، أدى سارتر دور الرجل المحبّ إلى حدّ الكمال» - ومن ثم اتّهمته بسوء النيّة (mauvaise foi)، التهمة التي اتّهم بها نادل المقهى قبل خمسين عامًا عندما ألّف كتابه الأعظم ""الوجود والعدم"".
التعليم الودود
ننتقل أخيرًا إلى الحبّ العامّ للإنسانيّة؛ الأجابي. يرى فيلسوف التعليم البارز، بادريغ هوغان Padraig Hogan، أن التدريس الأصيل هو «نوع خاصّ من التودّد، أو المغازلة» (The Custody and Courtship of Experience, 1995). وهو على دراية بـ ""تهور"" هذا الزعم، لكنه يدعو إلى اتّباع نهج تعليميّ يتجنّب ""تلقين"" الماضي مع السماح للمعلّم بتقديم مجموعة من المعارف للطلّاب على نحوٍ فعّال. إن صوت المعلّم في نموذج هوغان هو «صوت دعوة وليس إكراه». ويوضّح أنه «يجب عدم الخلط بين مغازلة الإحساس وأيّ نوع من المشاركة الشهوانيّة»: فالتعليم «مغازلة شريفة» يبدأ حوارًا مع الطلاب حول موضوع ما، بدلًا من أسلوب التدريس القديم، الذي كان قائمًا على «منطق الغزو والاستعمار».
لم يذكر هوغان الحبّ في مقترحاته، بحكمة منه. لكن نهجه يقوم على اهتمام حقيقيّ بالتنمية الفكريّة للطلّاب، وليس مجرّد طاعة للاحتياجات الفوريّة لسوق العمل أو التوجيهات الحكوميّة. إن المعلّمين، في اهتمامهم، يظهرون نوعًا من الحبّ للمتعلّمين: اهتمام عفيف وخيريّ بازدهارهم التعليميّ. سأصنّف هذا على أنه الحبّ الأجابيّ؛ فالمعلّمون ينمّون حبّهم لطلّابهم، سواء كانوا يستحقونه أم لا. ومع ذلك، يبدو أن سيمون دي بوفوار قد طمست الحدود بين هذا الحبّ الأجابيّ المشروع والإيروس المتجاوز للمشروع. فقد أُقيلت وفقدت رخصة التدريس في عام 1943 بسبب «سلوكها الذي أدى إلى إفساد قاصر» (The Independent, October 2021). لقد تجاوزت إحدى علاقاتها الطارئة الحدّ.
إنني أثق في أن كلا العاشقَيْنِ الموجودَيْنِ في صورتي واضحان فيما إذا كانت علاقتهما علاقة إيروس، أو فيليا، أو أجابي، أو ""لا شيء ممّا سبق"".
شون موران Seán Moran يدرّس لطلاب الدراسات العليا في أيرلندا، وهو أستاذ الفلسفة في واحدة من أقدم الجامعات في بنجاب Punjab [الهند].
