القائمة الرئيسية

فلسفة الحبّ الرّومنطيقيّ

فلسفة الحبّ الرّومنطيقيّ
ملخص المقال

يتناول النص الفلسفي موضوع الحب من منظورين رئيسيين: الظاهراتي، الذي يركز على تجربة الحب الشخصية والإحساس الداخلي، والتحليلي الذي يناقش المفاهيم والمعتقدات المتعلقة بالحب. كما يدمج الفلسفات المعاصرة مثل الوجودية لتحليل أبعاد أعمق لهذه التجربة الإنسانية.

لا تخفي الفلسفة عادةً تطرّقها إلى مسائل شديدة الحساسيّة: غالبًا ما يخبرنا الفلاسفة بما لا ينبغي علينا القيام به، وأنّ بعض المعتقدات المهمّة تفاهةٌ. ولكنْ لم يكتب الكثير من الفلاسفة الحديثَيْنِ في المشاعر الفرديّة، كمثل شعور الحبّ الرّومنطيقيّ. ولكنّه موضوعٌ يناسِب التّحليل الذي يقوم به الظّاهراتيّون، أي التّفحّص حياديًّا وبالتّفصيل ما هو الشّعور في أنْ يحبّ الإنسان. وكذلك تطرّق الفلاسفة التّحليليّون إلى هذا الموضوع. هكذا يقدّم الحبّ الرّومنطيقيّ فرصةً للنّظر في الطّريقة التي تعالج فيها مذاهب الفلسفة الحديثة الموضوع نفسه، ثمّ يقارنها بنقاط قوّتها وضعفها.

وثمّة طريقةٌ مبسّطةٌ لطرح الاختلاف القائم بين المقاربة الظّاهراتيّة والمقاربة التحليليّة، وهو أنّ الأولى تنظر في الأحاسيس الدّاخليّة، بينما تراجع الثانية المعنى الخارجيّ. لا تزعم الظّاهراتيّة شيئًا بشأن الواقع ما بعد تجربتنا، ما خلا محتوى وبنية التّجربة. أمّا الفلسفة التّحليليّة فتُعنى بمراجعة المفاهيم كي لا نتوصّل إلى نتائج غير مبرّرةٍ عن أنفسنا، وعن العالم، وعمّا يمكننا معرفته. لذا يمكن اعتبار الحبّ الرّومنطيقيّ ظاهراتيًّا على أنّه تجربةٌ تكون أنت الموضوع فيها، وتحليليًّا على أنّه مفهوم وموضوع الدّراسة. تعتمد الأولى اعتمادًا مكثّفًا على التفحّص الذاتيّ «introspection»، أي إمّا على تقريرك أو على تقارير الآخرين عنك، بينما تقوم الثانية على تحليل المعنى والاستعمال.

وتحديدًا، نحن نراجع في هذا الإطار الحبّ الرّومنطيقيّ لا حبّ العائلة أو الأصدقاء، ولا الحبّ الفكريّ، ولا حبّ جيرانك. وعلى الرّغم من ذلك، لدى الحبّ الرّومنطيقيّ العديد من المظاهر والأطوار، ومنها: الوقوع في الحبّ، الهيام، الحبّ من طرفٍ واحدٍ، الحبّ الشبقيّ، الحبّ من ضمن علاقةٍ طويلة الأمدّ، الامتناع عن الحبّ، الحبّ غير المتبادل، الحرمان. قد لا يتشاركون جميعهم شيئًا واحدًا لذا من الأفضل تصنيفهم بمصطلحات فيتغنشتاين «التشابهات العائليّة» «family resemblances». سأركّز في ما يلي على الوقوع في الحبّ وعلى الحبّ من ضمن علاقةٍ طويلة الأمد، وهما مترابطان.

أ. ظاهراتيّة الحبّ

يمكن استعمال مصطلح «الظّاهراتيّة» لوصف تفحّص التّجارب، كما ذكرت أعلاه، ويمكن استعماله أيضًا للإشارة إلى المذهب الفلسفيّ المرتكز على تجربتنا من العالم. وثمّة معنًى ثالثٌ «للظّاهراتيّة» وهو مجموع الاكتشافات المزعومة التي قام بها فلاسفةٌ ظاهراتيّون في ما يخصّ بنية تجاربنا وتبعاتها العمليّة أو الأخلاقيّة.

ثمّة مدرستان رئيستان في التّحليل الظّاهراتيّ: الظّاهراتيّة المتعالية «transcendental phenomenology» عند إدموند هوسّرل، والظّاهراتيّة الهرمونطيقيّة «hermeneutic phenomenology» (أو التّأويليّة «interpretative») عند مارتن هايدغر.

إنّها لمصطلحاتٌ رهيبةٌ! ولكن لأصيغها على نحوٍ بسيطٍ إن طُبّقت مقاربة هوسرل على الحبّ الرّومنطيقيّ ستتطلّب أن ندرك تصوّراتنا المسبقة كلّها حول الحبّ، ثمّ نستبعدها كي نصبح غرباء في أرضها الغريبة ونراقب اختبارنا لها موضوعيًّا بقدر ما أمكننا.

ويشكّل هذا الأمر إشكاليّةً لاهتماماتنا الحاليّة. مثلًا، أليس كلّ اختبارٍ للحبّ قد جبلته نشأتنا في المجتمع الذي لطالما كتب وغنّى عن هذا الشّعور؟ وإن صحّ ذلك فستكون تصوّراتنا المسبقة عن تجربتنا جزءًا من التّجربة! أوليست التّجربة نتاج هذا التّأثير الثقافيّ؟ وكي أكون أوضح من ذلك: كيف سأعرف إن قد تخلّصت من التحيّزات الاصطناعيّة كلّها في إدراكي للحبّ؟ ربّما يحتاج الأمر تدريبًا مكثّفًا تحت إشراف مرشدٍ متعالٍ.

رقصة الحبّ الصّيفيّ، درور روزنسكي، 2022.

نطمئنّ عند الالتفات إلى ظاهراتيّة هايدغر التي تعطي التّأويل دورًا محوريًّا في إدراكاتنا الحسّيّة. تقرّ مقاربة هايدغر بأنّه لا توجد طريقةٌ لفصل نفسك عن العالم البشريّ الذي تعيش فيه. لذا من الضّروريّ جعل تجربتك وتفكيرك الشّخصيّ علنيًّا، وذلك في تعبيرٍ يسبق الفهم. إنّ إدراكك أحاسيسك الأوّليّة بشأن التّجربة التي تتفحّصها سيساعدك على ألّا تتراجع هذه الأحاسيس إلى ما أقرّيته.

كذلك إنّ التّعبير إشكاليٌّ، ولكنّي سأحاول القيام به: أظنّ أنّني أنزع إلى الاعتقاد بأنّ الحبّ شعورٌ عارمٌ على نحوٍ مقلقٍ أحيانًا، وغالبًا ما يُبالغ في تقديره لأنّه تبريرٌ لتصرّف النّاس. واحذر ألّا يتسلّل هذا التصوّر المسبق من دون أدلّةٍ.

هكذا ندخل في الدّائرة التّأويليّة «hermeneutic circle»، حيث نجزّأ عناصر الموضوع المطروح، أي تجربة الحبّ الرّومنطيقيّ، ثمّ نرى ما يضيفه كلّ جزءٍ على الموضوع كاملًا، وكيف تترابط هذه الأجزاء في مجموع التّجربة.

في هذه المرحلة ينبغي علينا جمع المعطيات حول ما هو الشّعور في أن تحبّ. وتشمل المصادر تفحّصاتنا الذاتيّة، وتقارير التفحّصات الذّاتيّة عند الآخرين. عندما يتعلّق الأمر بالحبّ تشمل المصادر كلمات الأغاني الرَّائجة.

إعجابٌ غير محتملٍ، إدموند هوسّرل، حوالي سنة 1910.

تجميع معطيات التّجربة

يراجع التفحّص الذّاتي كيف يبدو لك الشّيء أو كيف تشعر أنت نحوه. أمّا في الحالة المذكورة، أي النّظر إلى أحاسيس الحبّ الرّومنطيقيّ وغيره، فما أفكّر فيه هو العنصر الذي قلّما تُلاحظُ فيزيولوجيّته، أي وجعٌ في الحلق الدّاخليّ وفي الصّدر الأعلى. ولكنّ هذا الأمر ليس محصورًا بالحبّ الرّومنطيقيّ بحسب تجربتي، إذ يشبه اختباري الاشتياق، أو التّعاطف مع طفلٍ محتضرٍ، أو الحنين إلى الوطن.

ولكن، ماذا عن الموسيقى الرّائجة؟ لفتتني هذه الجملة من كلمات أغنية جاكي دي شانون التي شهرتها فرقة ذي سرتشرز: «أستطيع الشعور بتعبيرٍ جديدٍ على وجهي/ أستطيع الشّعور بإحساسٍ بارقٍ/... في كلّ مرّةٍ أنت/ تمشين في الغرفة» ‘When You Walk In The Room’, 1996)). يتمّ التّشديد في هذه الجمل على الطّبيعة غير المقيّدة لهذا الشّعور. وتتكرّر مجدّدًا مع تأكيدٍ في كلمات أغنية «تسعة مليون درّاجةٍ» «Nine Million Bicycles» (2012) لكايتي ملوا: «ثمّة تسعة مليون درّاجةٍ في بكين/ وهذه واقعةٌ/ إنّها شيءٌ لا يمكننا نفيه/ كمثل واقعة أنّي سأحبّك إلى أن أموت». وعلى الرّغم من حضور عنصرٍ جنسيٍّ في التّجربة الرّومنطيقيّة فالأمر لم يكن دائمًا على هذه الحال. وتتوافق هذه الأغاني مع أغنية سومرست التقليديّة التي جمعها سيسيل شارب والتي نعثر فيها على بيتين: «بدت حسناء رشيقةً/ غاسلةً حريرها كلّه، آه» (Dashing Away with the Smoothing Iron). هنا تقوم المحبوبة بمهمّةٍ عاديّةٍ، لكن ثمّة شيءٌ في الطّريقة التي تقوم بها بعملها تظهر صفاتٍ يقدّرها الحبيب.

قد يكون الحبّ رومنطيقيًّا تقديرًا وانجذابًا إلى الجمال الفيزيائيّ. ولكن قد يكون اختبار الحبّ أكثر من التّقدير المحض، أي تحوّليًّا، بل حتّى مسألة حياةٍ وموتٍ. وثمّة العديد من الأمثلة على هذا في الموسيقى، وسأكتفي بذكر مَثَلَيْنِ. فالمثل الموسيقيّ الأوّل كتبه فيليب سبكتر سنة 1958 وأدّته تيدي بيرز: «فقط لأراه مبتسمًا/ يعطي قيمةً لحياتي». وقد غنّت سنة 1970 جانيس جوبلين قبل وفاتها بقليلٍ: «لكنّي سأبادل كلّ غدٍ بيوم أمسٍ واحدٍ/ كي أعانق جسد بوبي قريبًا منّي» (Me & Bobby Magee). قد يكون اختبار الحبّ أمرًا مرهقًا بحيث يبدو لا عقلانيًّا مثلما يغنّي داستي سبرنغفيلد: «مهما فعلت/ لا أريد سوى أكون معك» (1964). وقد يتحوّل هذا الأمر إلى تملّكٍ نافرٍ كمثل الأغنية التي غنّتها فرقة فور سيزنز سنة 1966 وجاء فيها: «أريدك أنا مهما فعلت» (‘Opus 17’).

لقد جمّعنا بعض المعطيات حول ما يقوله النّاس في الشّعور في أن يحبّوا. ولكن لا يبدو هذا الأمر سوى مجموعةٍ من الوقائع المبسّطة المثيرة للاهتمام والمحفّزة على التّفكير، لكنّها لا تتعدّى كونها دراسةً اجتماعيّةً منفتحةً.

هل يساعدنا جمع هذه البصائر في وصفٍ شاملٍ لما يكون عليه الشّعور في أنْ نحبّ؟ وإن قمنا بذلك فقد نتوصّل إلى الآتي: أنْ نحبّ يعني أن نختبر شعورًا قويًّا غالبًا ما نعجز على السّيطرة عليه وهو ما يصحبه وجعٌ وتقديرٌ مرهقٌ لشخصٍ معيّنٍ إلى جانب رغبةٍ لا عقلانيّةٍ في أن نكون في حضوره وأنْ نساعده. واختصارًا إنّ الحبّ هو تجربةٌ قويّةٌ ترتكز على شخصٍ واحدٍ يغني منظورك كلّه في الحياة، (ويبدو أنّه يغنيه أبدًا).

وحتمًا يساعدنا هذا الأمر على إسقاط شتّى مظاهر ما نختبره عندما نحبّ لكنّه ليس فلسفيًّا حصرًا بل إنّه مراجعةٌ عامّةٌ للأفكار الثّقافيّة الشّائعة عن الحبّ. ولا شيء في الحبّ الرّومنطيقيّ يلزم عنها بالضّرورة كمثل كيف ينبغي علينا الاستجابة لها. وانطلاقًا من هذه البصائر نستطيع أن نناقش السّلوك الغريب لأولئك الذين يزعمون أنّهم يحبّون: ولكن يمكننا الاستنتاج أيضًا أنّه لا ينبغي علينا القيام بذلك.

هايدغر واقعًا في الحبّ (احتمالًا)

في هذه المرحلة، أعود إلى مختلف خلاصات ظاهراتيّة هايدغر. وفي ما يلي سأحاول تطبيق هذه التّحليلات على طبيعة الحبّ الرّومنطيقيّ. ينبغي عليّ أنْ أشدّد على أنّ هذا ليس مستمدًّا مباشرةً من هايدغر، إنّما محاولةٌ لتطبيق نظامه التّصوّريّ على الحبّ الرّومنطيقيّ، وتوضيح كيف يستطيع الظّاهراتيّ التّأويليّ تحويل المعطيات الاختباريّة إلى شيءٍ أعمق.

بحسب هايدغر نحن كائناتٌ اجتماعيّةٌ فطريًّا نختبر ونتصرّف عبر تأويل العالم والمحبوب على نحوٍ خاصٍّ واجتماعيٍّ إلى حدٍّ معيّنٍ.

اعتقد هايدغر أنّنا دائمًا نرى الشّيءَ كأنّه شيءٌ، أي دائمًا ما نرتدي نظّاراتنا الثّقافيّة. إذا رأيت بابًا لن أعدّه خشبًا خاليًا من المعنى، ثمّ أؤوّله لاحقًا على أنّه مدخلٌ، بل عندما أراه أعتبره مدخلًا. وعلى هذا النّحو تمثّل اختبارات الحبّ عند المرء طريقةً مميّزةً في تأويل اختباره الآخر، أي المحبوب. فعلًا إنّ الحبّ مثالٌ محكمٌ عن كيف لا نستطيع رؤية الآخرين مجرّد أشباه بشرٍ، أو أخيلةٍ إنّما أشخاصٌ ذات صنفٍ محدّدٍ. نحن لا نرى شخصًا ثمّ نفكّر في حبّه، بل عوضًا عن ذلك، حالما نحبّه يصبح الشّخص الآخر أمامنا الشخص الذي نريد أن نكون موجودين في حضرته، وأن نحسن إليه لأنّه يغني منظورنا في الحياة. وكي أستعمل مصطلحًا ظاهراتيًّا نشعر أنّنا نريد «صهر أفقنا» به. نرغب في صهر الآفاق بالآخرين وإنشاء كينونةٍ ثالثةٍ عند التّفاعل بين الحبيب والمحبوب، وهي كينونةٌ تحتوي على بعض صفات الاثنين.

إن لم نعي ذاتنا سيمرّ هذا الإدراك من تحتنا. ربّما رأينا في اللّقاء الأوّل شخصًا آخر، ولكنّنا حالما نحبّه نرى المحبوب بصفاته كلّها وبتاريخنا المشترك، وذلك في اختبارٍ غشتالتيٍّ واحدٍ «gestalt experience». وهذا ما يدعوه هايدغر «حالة التّكيّف» «coping state»، حيث لا نكون فيها مدركين تمامًا ماذا نفعله، وعلى هذا النّحو لا يعي النجّار الماهر نوع المطرقة التي يستعملها. إذا حدث خللٌ في المطرقة، أو في علاقة الحبّ فسنستفيق من حالة التكيّف التي نعيشها ونتنبّه إلى الخلل. ويتشابه هذا مع ما يحدث حينما نقع في الحبّ أوّل مرّةٍ، حيث تهتزّ حالة اعتيادنا مع إدراك الحبّ. إذ تضطّرب حالة تكيّفنا اليوميّة.

وكي أدخل قليلًا من المصطلحات الهايدغريّة، عندما تتفاعل مع محبوبك تراه مفيدًا لمشروعك في الحياة. إذ تسقط عليه مستقبلًا مختلفًا يعطي لحياتك معنًى أبعد (أو بعضًا من المعنى). أظنّ أنّ هايدغر سيقول أنّه حينما نحبّ نرى على الأقل شيئًا  من ماهيّة المحبوب. ولكنْ ثمّة أيضًا خطر كون مشاعرنا غير أصيلةٍ ونتاج عالم الــ«هم» المبتذل، أي عالم «das Mann» وفقًا لمصطلح هايدغر الألمانيّ. لهذا السّبب علينا التنبّه كثيرًا إلى ما نشعر به حقًّا كي نحدّد ما إذا كان الحبّ حبًّا حقيقيًّا. وقد نرى في كلمات أغاني الحبّ التي راجعناها أعلاه مرشدًا أو اختبار مصداقيّة الحبّ.

وثمّة في هذا الإطار روابطُ واضحةٌ بالوجوديّة. قد لا تقودك أصالة حبّك إلى أيّ سلوكٍ مختلفٍ عن جيرانك غير الأصيلَيْنِ، ولكنّها قد تقودك. خذ مثلًا، قد يختار الحبّ الأصيل إلى خرق بعض المحرّمات الاجتماعيّة في «عالم هم»، في ما يخصّ العرق، أو الجنس، أو العمر.

إنّه لأمرٌ مدهشٌ ولعلّه مفيدٌ ولكنّه يبدو لي اعتباطيًّا. لقد طُبّقت أيديولوجيّا الأصالة الهايدغريّة السّابق وجودها على اختبارات الحبّ المذكورة أعلاه. وقد كشفت لنا عن بعض البصائر الممكنة في اختبار الحبّ، لكنّها شبيهةٌ بمنحوتةٍ تزيّن مبنى المكتب بحيث لا يتوجّب عليها أنْ تكون تلك المنحوتة المحدّدة. إذ يمكن أن تؤدّي وظيفتها منحوتةٌ أخرى ذات أسلوبٍ مختلفٍ بحيث يمكنها أن تكشف وأن تضيء على جوانبَ أخرى من الحبّ. لذا يمكن تطبيق النّسويّة، أو الماركسيّة، أو علم النّفس التّطوّريّ على هذا الاختبار.

ب. الحبّ الرّومنطيقيّ: منظور الفلسفة التحليليّة

أشارت إحدى مقاربات الفلسفة التحليليّة في الحبّ إلى مسألة معضلات قابليّة الاستبدال. إذا قام الحبّ على خواصّ المحبوب فيعني ذلك أنّه يمكن استبدال المحبوب بشخصٍ ذات نسخٍ مشابهةٍ أو متفوّقةٍ عن تلك الخواصّ. ولكن إن عجزت على استبدال المحبوب بسبب تاريخ التّجارب المشتركة فسيظهر احتمال أسرك أبدًا مع شريكٍ قد لا يتغيّر ولا يعود مرغوبًا به. ولكنّني أودّ أن أركّز هنا على قراءة غابريال تايلور لمسألة ما إذا كنّا مخوّلين لإبداء رأينا في ملائمة مزعم شخصٍ ما عن حبّه شخصًا آخر.

سألت تايلور في مقالها «الحبّ» «Love» (Proceedings of the Aristotelian Society 76, 1976) ما إذا كان الوقوع في الحبّ، كما ننزع إلى اعتباره صدمةً من العدم لا يمكن التشكيك بها، هو مختلفٌ جدًّا عن مجموعة المشاعر الأخرى حيث يمكننا الشّعور بأنّنا مبرّرون في التّشكيك بما إذا كانت معقولةً أم لم تكن. ثمّ تقترح تايلور أنّنا نستطيع التشكيك بالهيام أيضًا. أوّلًا، تشير إلى أنّ بنية المشاعر الأخرى، كمثل الخوف، هي التي تمكّننا من إطلاق أحكامٍ على معقوليّتها؛ إذ يشير الخوف إلى اعتبار أحدهم الشّيء، أو الحيوان، أو الشّخص لديه صفاتٍ محدّدةً تولّد هذا الشّعور الذي قد تبرّره (أو لا تبرّره). لنفترض مثلًا أنّ شيلا تخاف أفعى الكوبرا لأنّها تعتقد أنّها سامّةٌ. وانطلاقًا من هذا نستنتج:

- أنّ شيلا لا بدّ أنْ تمتلك رغبةً واضحةً. ورغبتها في هذه الحالة ألاّ تُقتل.

- أنّ شيلا لا بدّ لها أنْ تعتقد أنّ الأفعى لها صفةٌ محدّدةٌ وهو كونها سامّةً.

- أنّ شيلا لا بدّ لها أن تعتقد أنّه ثّمة ارتباطٌ سببيٌّ بين الصّفة المحدّدة (سامّة) وبين رغبتها (أن تبقى على قيد الحياة).

- أنّ الصّفة المحدّدة لا يمكنها أن تكون أيّ شيءٍ: يجب عليها أنْ تفسّر الشّعور.

هكذا، ثمّة معايير يمكننا من خلالها الحكم على شعور الخوف ما إذا كان مبرّرًا في أيّة حالةٍ محدّدةٍ. وعند التفحّص الدّقيق قد نجد أنّ شيلا على خطأ في اعتبارها أفعى الكوبرا سامّةً؛ قد تكون على خطأٍ في اعتقادها أنّها أفعى وليست عود خشبٍ. أو لعلّها لم تعرف أنّ الأفعى سامّةٌ ويمكن أن تقتلها، ولكنّها خافت منها لسببٍ سخيفٍ، كمثل النّفور الشّديد من السّباغيتي.

زعمت تايلور أنّه لا يبدو ثمّة بنيةٌ لمقارنتها في الحبّ. ما الصّفة المحدّدة لموضوع حبّك؟ أهو التّحبيب «Lovability»؟ ولكنْ يبدو هذا فارغًا وذاتيًّا جدًّا كي نستفيد منه في شيءٍ، بحيث يكون طوطولوجيًّا أكثر من كونه تفسيرًا ممكنًا، وما يتوجّب علينا طرحه هو السّؤال الآتي: ما الخواصّ المحدّدة للتّحبيب التي يبرّر توليدها الحبّ؟ طبعًا تختلف الخواصّ من شخصٍ إلى آخر. ولكنْ تقول تايلور: إنّنا نستطيع لَحْظَ الرّغبات المشتركة عند أولئك الذين يحبّون على الرّغم من صعوبة تحديد الصّفات المحدّدة للحبّ. وتضمّ هذه الرّغبات المشتركة:

- (أ) يرغب في أن يكون مع (ب).

- (أ) يرغب في أن يتواصل مع (ب).

- (أ) يرغب في أن يكرم ويفيد (ب).

- (أ) يرغب في أن يهتمّ (ب) بــ(أ)، (وأن يعجب (ب) به، لذا ينشأ هذا التّفاخر كلّه).

أمّا في ما يخصّ الصّفات، فسيحكم معظمنا على هذه الرّغبات على أنّها مبرّرةٌ إن يدرك (أ) أنّ (ب) لطيفًا، أو جذّابًا، أو لديه حسًّا فكاهيًّا. كلّها أمورٌ معقولةٌ، ولكنّنا لن نعتبر الأمر معقولًا في حال (أ) أحبّ (ب) لاعتباره (ب) غليظًا فظًّا. قد يحبّ (أ) (ب) على الرّغم من اعتباره غليظًا فظًّا ولكن سيكون حبّه سخافةً بسبب إدراكه غلاظته المفرطة.

وتختتم تايلور كلامها أنّنا نستطيع طرح سؤال ما إذا كان معقولًا أن يحبّ المرءُ. ولكنّ السّبب لا يعود إلى سماتٍ يسهل إدراكها، كما في حالة الخوف (مثلًا، لدى موضوع الخوف سماتٍ خطرةٌ؛ والكلّ يعلم أنّ أفاعي الكوبرا خطرةٌ). فالسّمات المحبّبة قائمةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ في عين النّاظر الذي قد لا تكون رغباته واضحةً، وعلى الرّغم من ذلك ثمّة حدودٌ على ما يكون معقولًا في الحبّ. لا يجب أن تتعارض خواصّ المحبوب مباشرةً مع رغبات الحبيب.

أظنّ أنّ تايلور محقّةٌ في إمكانيّة إطلاق أحكامٍ حول ما إذا كان النّاس واقعين حقًّا في الحبّ، لكنّني أعتقد أنّها مخطئةٌ في قولها أنّه ثمّة اختلافٌ في الصّنف ما بين الحبّ والخوف مثلًا. يمكن اعتبار أن الخوف والحبّ نقطتَيْنِ قائمتَيْنِ على خطّ المشاعر. في طرف «الخوف» نجد المشاعر التي تملك موضوعاتها معايير أكثر موضوعيّةً وإجماعًا عامًّا أوسع. أمّا في طرف «الحبّ» فالعكس هو الصّحيح.

أمّا سبب يقيننا في معقوليّة الخوف هو وجود معايير موضوعيّةٍ لإدراك الصّفات المخيفة، كمثل صفات أفعى الكوبرا، والتي نتّفق جميعنا على أنّها صفاتٌ مخيفةٌ. ولكنْ يبدو أنّ معايير التّحبيب هي أكثر عددًا وذاتيّةً. وعلى الرّغم من ذلك نتوقّع أنّه ثمّة بعض الصّفات التي يمكن إدراكها في المحبوب بحيث يستطيع الحبيب إدراكها بعد التّفكير فيها، وأضف إلى ذلك ستبدو بعض هذه الصّفات غير محبّبةٍ (كمثل كون المرء غليظًا فظًّا). وفي نهاية الأمر، سيبقى من نحبّه لغزًا، ولكنّه ليس لغزًا غامضًا تمامًا. ولكنْ ألا يتماثل الهيام مع المخاوف اللا عقلانيّة المعروفة بالرّهاب «Phobia»؟ كما في حال الهيام لا يبدو أنّه يوجد سببٌ موضوعيٌّ للشّعور الرُّهابيّ «Phobic Emotion».

وتتابع تايلور كلامها آخذةً بعين الاعتبار الحالات التي قد ننزع فيها إلى مجادلة شخصٍ حول معقوليّة حبّهم المعلن. خذ مثلًا، قد يكون من البديهيّ أنّ (ب) لا يملك حسّ الفكاهة الاعتباطيّ الذي يظنّ (أ) أنّه يملكه. أو قد يبدو واضحًا أنّ (ب) لا يحبّ (أ). أو قد يعتقد (أ) أنّ الزّواج سيحلّ عيوب (ب) كلّها. في كلّ حالةٍ من هذه الحالات نشعر أنّنا مبرّرون في الجلوس مع (أ) ومحاورته حوارًا صريحًا.

وأخيرًا، تراجع تايلور الأمثلة التي يعلن فيها الشّخص عن حبّه للأسباب المغلوطة، ومن ضمنها عندما تغلب مصالح الحبيب على الحبّ. وفي مثلٍ مستمدٍّ من مسرحيّة هنريك إبسين بيت الدُّمية «A Doll’s House»، تخبرنا تايلور أنّ حبّ هلمير لنورا هو حبٌّ لا معقولٌ؛ لأنّه يتطلّب أن تبقى نورا ساكنةً جامدةً بدلًا من أن تتطوّر إلى شخصٍ مكتملٍ بذاتها.

بعض الخلاصات

لقد حاججت أنّ الظاهراتيّة مفيدةٌ في إدراك وتقدير شعورٍ كمثل الحبّ لكنّها قد تثير أيديولوجيا اعتباطيّةً ردًّا عليها. ووقايةً قد تفترض الفلسفة التحليليّة فهمًا للحبّ قبل المضي في كشفها المشكلات والبصائر، كمثل قدرتنا على الحكم على حبّ الشّخص الآخر.

لا أعتقد أنّ الظّاهراتيّة والفلسفة التحليليّة حصريّان، بل كاشفان معًا عن الكثير. إنّ الفلسفة، كمثل الحبّ، شيءٌ متعدّد الرّوعة.

© PETER KEEBLE 2022

بيتر كيبل هو موظّف بحوثٍ متقاعدٌ في الحكومة المحليّة ومدرّسٌ في لندن.

مقالات ذات صلة