التُقِطت هذه الصورة في صيف عام 2010؛ وذلك حين قرّرت عائلتي التوجه إلى جبال باكستان الشمالية لقضاء الإجازة. يظهر الصبي في الصورة جالسًا قبالة نهر كونهار في بلدة بالاكوت الصغيرة، التي تقع على بُعد أميالاً معدودة من وجهتنا، مدينة ناران. لم أكن أعرف تمامًا كيفية التعامل مع الكاميرا إذْ كنتُ طفلة صغيرة آنذاك، ولم يكن القصد من الصورة الشكل الذي ترونه هنا، فقد حاولتُ التقاط صورةً تبين القوارير المُبرّدة في النهر، وصادف أن كان الصبي بجوارها. كان مجرّد عقبة تحول دون مبتغاي حينئذٍ، ولم أدرك روعة المشهد إلاّ بعد بضعة سنوات مِن التقاط الصورة. نويت تسليمها إلى معرضٍ فني في مدرستي الثانوية، لكنني لم أفعل ذلك على الإطلاق. ورغم أنّي وبخت نفسي على تخلّفي عن ذلك بسبب كسلي، إلا أنّي أتنفس الصعداء الآن. إذْ كانت دوافعي في تحويل هذا الصبي إلى عملٍ فني قائمة على استجدائي مدحًا لمهارةٍ لم أمتلكها قط، وهي التصوير الفوتوغرافي. كنت قد انتويت أن أكتب قصة له دون أدنى تعاطف نحوه، ولا معرفة بقصة حياته وهويته؛ أي، كانت ستصبح القصة قصته، ولكن ليست منه. أريدُ أن أستعرض بإيجاز في هذه المقالة كيف يكتب الفنانون عادةً فوق سرديات شخوص فنهم وأصواتهم بما يلائم أغراضهم الخاصة، وكيف أنهم بفعلهم ذلك يختزلون كائنات واعية في مجرد أشياء تناسب اهتمامهم.
شعرتُ، حين عثرت على الصورة لأوّل مرّة في كاميرتي، بجاذبية مُعيَّنة نحو الصبي - شفقة غلّفتها لنفسي بالتعاطف - وذلك كي أبرر جلب «صبي قروي محروم» أمام «مانحين» من أقراني ذوي الامتيازات. ولم تتضح لي عبثية ذلك إلا لما قرأت كتاب فرانز فانون «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» (1952). حيث يتحدث فانون في هذا الكتاب عن ديناميكيات السُلطة والاستعباد من منظور عرقي/مناهض للاستعمار. وأوّد أن أعمّق النقاش مستلهمةً قراءة الكاتب قالندار ميمون في كتاب «Curating After the Global: Roadmaps for the Future» (2019).
يميّز فانون في مقدمة كتابه بين دائرتي الوجود واللا وجود. «دائرة اللا وجود»، إنْ استعرنا كلماته، «عقيمة وقاحلة» - منطقة يأس، وعوز، ومعاناة، يقطنها أساسًا الأدنى من العالم - أو إنْ أردنا وضع المصطلح في سياق المقالة؛ نقول: الأدنى في لاهور؛ حيث أعيش (مصطلح «الأدنى» كلمة أفخم، و«أليَق أكاديميًا» من كلمة «المهمشون»). و«دائرة الوجود»، من ناحية أخرى، هي دائرةُ الامتيازات والسُلطة، التي تصادف أني أقطنها؛ تمامًا كما هو الوضع في حالة الاستعمار. حيث يمتلك الرجال البِيض السُلطة التي يحددون بها تعريف أصحاب البشرة المُلوَّنة الخاضعين لهم، فيصدق الحال كذلك على «ورثتهم» أصحاب الامتيازات في هذه المنطقة في ما بعد الاستعمار؛ إذْ يحدد أثرياء لاهور قصص الفقراء ويفصلون فيها، بينما لا يملك الفقراء أنفسهم أي سلطة في ذلك. وقد كنتُ سأفعل فعل أصحاب الامتيازات هذا في تحديد تعريف الفقراء بتسليمي لهذه الصورة لذلك المعرض الفني.
كان الصبي يبيع مشروبات باردة للسُّياح. إذْ لعله لم يقدر على شراء ثلاجة، أو ربما كان مستدامًا قبل أن يصبح الأمر رائجًا. وقد يتساءل شخصٌ من أصحاب الامتيازات: لماذا صبي في عمره ليس في المدرسة؟ يمكن صياغة العديد من الأفكار نيابةً عنه، ولكن لو أمكننا فحسب استجماع شيئًا من الأدب لسؤاله فعليًا حول حياته؛ لمَا حددنا تعريفه نيابةً عنه.
تستند عقلية تحديد صور الآخرين عن أنفسهم بشكلٍ ما على فكرة أننا نمتلك - بوصفنا قاطني «دائرة الوجود»- سلطة تغيير العالم؛ وعليه، فإن مسؤوليتنا الأخلاقية تُحتِّم علينا الاعتناء بأولئك العاجزين عن الاعتناء بأنفسهم (وللأسف، الاستعلاء عليهم). إذْ إننا نفترض أنه بما أن الأشخاص الأدنى عاجزين عن الكلام؛ فحريٌّ بنا نحن فعل ذلك، ولكن الواقع في غاية الاختلاف. فالمهمشون كانوا يتكلمون - بل، بالأحرى يصرخون - طوال الوقت، وكل ما في الأمر أننا اخترنا ألّا نسمع لهم. إذن ما يبدو لنا «تلويحةَ مَن لا صوت له» هو صرخة نجاة، ينبغي لنا حينئذٍ إنقاذهم على وجه السرعة.
يبدو لي الآن هذا «الواجب الأخلاقي» عرضًا مسرحيًا. أسميّه «الإحسان الأبوي»: فأنت أولاً تحدد تعريف أولئك الأشخاص، ومن ثم تلغي تحديدهم، قبل أن تعيد تحديدهم بما يتماشى مع مخططك. وقد أوضح باولو فريري هذه الظاهرة توضيحًا أفضل في كتابه «تعليم المقهورين» (1970) حين قال: «ينبغي على المُضّطهدين إدامة الظلم؛ حفاظًا على استمرار فرصة التعبير عن ""كرمهم"". فنظامٌ اجتماعي ظالم هو الينبوعُ الدائم لهذا ""الكرم""».
تسمح لنا هذه العملية بتطهير أنفسنا؛ كما الماء المقدس، هذا «الكرم» سبيلٌ نحاول به غسل ذنب أننا مِن أصحاب الامتيازات. ولكن أود أن أربط هذه الفكرة بعالم الفن على وجه التحديد؛ وذلك لأن أبويّة قاطني «دائرة الوجود» هنا مستَترة خلف قناع ثخين من البراءة. فالكتابة فوق السرديات -أيّ تحديد تعريف الأشخاص مواضيع السرد، واختزالهم في كونهم حليّ لمعارضنا الفنيّة - يُنفّذ تنفيذًا بديعًا جميلًا يكاد يظهر وكأنه فعل إيثاري.
تتحدّث علياء الساجي في مقالتها «Glued to the image: A critical phenomenology of racialization through works of art» (2019) عن هذا الإجراء الخاص بالكتابة فوق السرديات وعن كيفية تعزيز ذلك دائمًا عبر الفن. إذ أخذت أفكار فانون وبَنَت حجة حولها، وحول ثيمات الاستشراق في أعمال الفن. تحاجج علياء بالقول إن العنصرية (التي قد تُفهم على أنها ""آخرية"") تعتمد على «إبستيمولوجيا الجهل»، محددةً أن الرجل الأبيض عادةً ما يدرك جيدًا الوضع العرقي، ولكنه في نفس الوقت يتظاهر بعدم إدراكه له. فالسرديات المُنتَجة إذن، هي حصيلة جهل متعمد إزاء حياة الآخرين؛ سواءً كان هؤلاء الآخرين أصحاب البشرة المُلوَّنة بالنسبة لفانون والساجي، أو مِن الأشخاص الأدنى بلاهور بالنسبة لي.
تزداد عبثية هذه الديناميكية حالما نراها مِن هنا في لاهور؛ فمَن هم في دائرة اللا وجود هنا مُبعَدون منهجيًا مِن عالم الفن. إذْ أن أولاً الفن في نظرهم ترف، وبالتالي يتعذّر الوصول إليه، كما أنه عديم القيمة بالنسبة لهم. لا يملك قاطنو هذه الدائرة الوقت للانغماس في «الفن»، وإلاّ خسروا رواتبهم العزيزة على نفوسهم. لا توجد فائدة مِن الفن إلاّ حين يُستعمَل لشراء الخبز: مثل الرسامين في أعمال البناء، أو فنانيّ الشاحنات، أو خطاطيّ الشِّعارات السياسية، وعادةً ما يرى العمال هذه الوظائف على أنها وظائف جانبية.
إنّ الفنانين الذين يشقّون طريقهم في لاهور (كما في أغلب بلدان العالَم) حتى يصلوا إلى المعارض الفنية غالبًا ما ينتمون إلى الطبقات المتوسطة إلى العُليا في المدن، وينطبق ذلك على مَن يملكون هذه المعارض الفنية ويرعونها؛ هذا إنْ لم يكونوا من طبقات أغنى. يركز فن هؤلاء الفنانين عادةً على ثيمات مهمة بالنسبة لهم، وللمتبرعين لهذه المعارض الفنية، وللزوّار الأجانب الذين يزورون هذه المعارض مرةً كل حين. إحدى أشهر الثيمات في هذا العالَم هي البحث في عالم اللا وجود، وتسليط الضوء عليه لأسباب «خيرية». إذ يُصوَّر الأشخاص في هذه الثيمة باعتبارهم في حاجة مستمرة للمساعدة و«الإحسان»، وتُصوّر لغتهم الجسدية عادةً تصويرًا يُظهرهم في مظهر الضعيف غير المرغوب فيه. ولا تُصوَّر أوضاعهم المعيشية فحسب تصويرَ الشيء غير المرغوب فيه؛ بل حتى أجسادهم: وجوههم، وبشرتهم، وما إلى ذلك. وتصبح الصورة «إبرات» للأغنياء (و«إبرات» كلمة أُرديّة تعني «تحذير» أو «درس»). إذْ يقدم هؤلاء الفنانون قصصًا تحذيرية لمَن يشعرون بالراحة. فكما يختزل الفنانون البيض في «نظرتهم الغربية المتمحورة حول القضيب» النساءَ غير الغربيات «الأجانب غير المألوفين» في أشياء جنسية؛ فكذلك يُختزَل المقيمون في «دائرة اللا وجود» إلى أشياء تناسب الأغنياء ونظرتهم ""المُحسنة"". إنّ هذه النظرة لا تشمل إلاّ الصور التي صنعتها، ولا تشمل الواقع. ولا يعنينا مدى كرم هذه النظرة أو طيبتها، فهي ستحتقر دائمًا الناس في «دائرة اللا وجود».
ومِما يثير القلق على وجه التحديد هو أن شخوص هذا الضرب مِن الفن ليسوا محرومين مِن أصواتهم وهوياتهم فحسب، بل إنهم في واقع الأمر ممنوعين جسديًا مِن دخول المعارض الفنية «المفتوحة للجميع» هذه، التي تعرض أشباههم. إذ يوجد في غلبرغ – وهي منطقة مخصصة لفاحشي الثراء في لاهور- بعض المعارض الفنية التي زرتها هنا على مدار السنين حينما كنتُ طالبة. هذه المعارض، نظريًا مفتوحة للجميع، ولكن في الواقع لن تجد أحدًا بأسمال بالية، ولن ترى امرأةً تحمل قدورًا تراثية، ولن تلمح أي طفل باستثناء أولئك الذين بين أطر اللوحات المُعلَّقة على الجدران. يحرص الحراس المسلحون خارج هذه المباني ألّا يدخل أيّ شخص خطير أو غريب (وكلِمتا «غريب» و«خطير» دائمًا ما يُفهمان معًا فيما يتعلق بأولئك الذين هم في «دائرة اللا وجود»). وهذا يجعل المعاناة بأسرها تهكمية: فشخوص الأعمال الفنية المعروضة غريبون غرابةً تحرمهم مِن الدخول إلى هذه الأماكن شخصيًا، ولكنهم مصدر إلهام وشفقة عندما يُمَّثلون بوصفهم فنًا في هذه الأماكن!
ماذا ينبغي على المرء أن يقول عن هذا كلّه؟ قد يجادل أحدهم بأنّ الفنانين أيضًا يملكون حُريّة التعبير، وأنّ أعمالهم الفنية تمثّل منظورهم الخاص. قد يكون ذلك صحيحًا، ولكن لا يمنحهم عذرًا لاختزال المحرومين في شكل حُليّ وصور كاريكاتورية لصالح حُريّة المرء الشخصية. هناك فنانون في الماضي، وحتى في الحاضر، لا يفرضون منظورهم الخاص، بل يعززون مِن أصوات شخوص فنِّهم ذاتهم. يُعدُّ لويس هاين - مصوّر أمريكي عاش في القرن العشرين استعمل أعماله الفنية للفت الانتباه إلى العلل الاجتماعية - مثالًا على هذا الضرب مِن الفنانين. كان هاين من «دائرة الوجود»لكنه لم يختزل أولئك الناس في حُليّ يزين بها غرف رسم الأثرياء؛ بل أخذ فنه إلى غرف اجتماعات صُناع القرار، وأجبرهم على التصرف. تصوّر مجموعة صوره المعنونة «عمل الأطفال في كارولاينا» (1909) مشكلة عمل الأطفال تصويرًا متعاطفًا معهم، حيث أثبتت أن الفنَ قد يكون قوة في إصلاح اجتماعي كبير.
يمكن أن يقتدي المرء بهاين، ويرهف مشاعره في فنّه؛ خصوصًا حين يمثّل هذا الفن شخصًا آخر.
كن عطوفًا بما يكفي للاستماع لشخوص فنّك، واسمح لهم أن يحددوا تعريف أنفسهم بأنفسهم، ثم اكتب قصصهم، تلك القصص التي سردوها هم. واسمح لهؤلاء الأشخاص، بعد ذلك، أن يدخلوا إلى المعارض الفنية دخولاً جسديًا، وليس في شكل صور مُعلَّقة على الجدران. اجعل مساحة الفن تشمل الجميع، من صناعته وحتى عرضه. لا يتحقق ذلك إلا بمساهمة متوازنة مِمن هم في دائرتي الوجود واللا وجود. عدا ذلك، سيظل عرض الأعمال الفنية [عن المحرومين] عملاً يمثل «الإحسان الأبوي».
لقد التقطتُ هذه الصورة قبل عشر سنوات، ولكن الآن لن أجرؤ مطلقًا على التحدّث نيابةً عن الصبي؛ فأنا أعترف بكونه أكثر مِن مجرد شيء مناسب لنظرتي. وإنْ كنتُ أتساءل أحيانًا إذا ما كان ما زال يبيع المشروبات الباردة عند نهر، أم أن القدر أخذ بيده إلى طريقٍ مختلف.
صفحة (18) الصورة أسفل العمود الأيسر
عاتكة قاسم خريجة علوم سياسية، وتعيش في باكستان حاليًا.
