القائمة الرئيسية

شيفرة الرسالة

شيفرة الرسالة
ملخص المقال

في هذا النص، يقدم ساندور زيغلاب تفسيرًا فلسفيًا لرؤية فيتغنشتاين في ""التراكتاتوس المنطقي-فلسفي""، حيث يقترح أن الأرقام المؤشّرة التي يبدأ بها الكتاب قد تحتوي على رسالة خفية تعكس أفكارًا أعمق من المنطق التقليدي. يعرض زيغلاب أن هذه الأرقام ليست مجرد ترتيب تنظيمي للشرح، بل هي وسيلة لإدراك معنى العالم، من خلال ربط الأعداد بعلامات يمكن إدراكها حسيًا، والتي تمثل بنية العالم. كما يربط زيغلاب هذه الأرقام بأنظمة تنسيق مكاني تساعد القارئ على فهم معاني فلسفية، مثل السعادة، التي تمثل تمثيلًا حقيقيًا لبنية العالم كما يراها فيتغنشتاين.

تبتدئ جُمَل الرّسالة المنطقيّة الفلسفيّة «Tractatus Logico-Philosophicus» للودفيغ فيتغنشتاين بأرقامٍ مؤشّرةٍ. ويسلَّم بأنّ هذا التّأشير يُستعمل على أنّ (1.1) هو تعليقٌ أو توضيحٌ لـ(1)، وأنّ (1.11) و(1.12) هو تعليقٌ على (1.1)، وهكذا دواليك. ولكنْ لا يجب التّسليم بأيّ شيءٍ عند قراءة فيتغنشتاين. سأبرهن أنّ الأخير قد استعمل أرقامه المؤشّرة لإخفاء رسالةٍ سرّيّةٍ. وبذلك، قد يسهم المعنى السرّيّ للرّسالة بتخفيف الحدّة القائمة بين فقدان المنطقيّة السّلبيّ «negative alogicalism» عند فيتغنشتاين -أي: شكُّه في إمكانيّة تطبيق التّحليل المنطقيّ على أيّ شيءٍ مهمٍّ- وبين الوضعيّة المنطقيّة «logical positivism»، وهو المذهب الفلسفيّ الذي عادةً ما أُلحق بأفكار فيتغنشتاين.

إنّ التّشكيك في الاستعمال الفعليّ للمصطلحات ذو أهمّيّةٍ أساسيّةٍ، كما نستنتج من (6.211): «وهذا السّؤال في الفلسفة: لماذا نستعمل فعلًا تلك الكلمة، وتلك القضيّة؟ يقودنا دائمًا إلى نتائجَ قيّمةٍ». فقد كان فيتغنشتاين مدركًا حاجة طرح هذا السّؤال عينه حول الأعداد التي استعملها في كتابه المحوريّ: ""في الذّريّة المنطقيّة"" «logical atomism»؛ إذ يتّضح ذلك ممّا قاله في (5.453): «يجب على الأعداد في المنطق كلّها أن تكون قابلةً للتّبرير». لذا لا بدّ لنا من التّأكّد ما إذا كان استعماله للمؤشّرات في الرّسالة أمرًا مبرّرًا، وسيكون النصّ نفسه دليلنا على ذلك.

يظهر دليلٌ نصّيٌّ في (5.02) يقول: «لأنّني أدرك معنى العلامة... من المؤشّر». وهكذا نستنتج أنّ مؤشّراتنا مرتبطةٌ بالعلامة، ويمكن إدراك معنى العلامة انطلاقًا من المؤشّر. وأيضًا نعرف انطلاقًا من (3.32) أنّ «العلامة... يمكن إدراكها بالحواسّ»، لذا لا بدّ أن نفترض أنّ العلامة المذكورة تدركها عيوننا مثلًا.

إذن لماذا استعمل فيتغنشتاين أصلًا هذه الأرقام المؤشّرة؟ لا نزال بحاجةٍ إلى توضيح طبيعة العلامة ومعناها. ويفيدنا فيتغنشتاين في ذلك بقوله في (3.1431): «تتّضح الطّبيعة الجوهريّة للعلامة القضويّة عندما نتخيّلها مكوّنةٌ من موضوعاتٍ مكانيّةٍ (كالطّاولات والكراسي والكتب، وذلك بدلًا من أنْ نتخيّلها علاماتٍ مكتوبةً. وهكذا يكون الموقع المكانيّ المشترك بين هذه الأشياء هو ما يعبّر عن معنى القضيّة». لذا يُفترض بنا أن نتخيّل العلامةَ موضوعاتٍ مكانيّةٍ، والموقع المشترك لهذه الموضوعات يعبّر عن معنى القضيّة. ولكن عن أيّة قضيّةٍ تكون هذه القضيّة؟ والجواب في (6.124): «تصف القضايا بنيان العالم، أو قل: تمثّله».

خلاصة القول إذن أنّ الأرقام المؤشّرة يُقصد بها دفعنا إلى إدراك معنى العلامة التي تدركها حواسّنا، وأنّ الموقع المكانيّ المشترك للموضوعات الذي يكوّن العلامة يعبّر عن معنى القضيّة التي تصف بنيان العالم أو تمثله. أمّا الصّعوبة الأخيرة فتكمن في اكتشاف كيف تكون هذه الأرقام المؤشّرة مرتبطةً بالتّرتيب المكانيّ للموضوعات، وأيّ رقمٍ محدّدٍ من الأرقام المؤشّرة حاضرٌ لتلبية هذه المهمّة.

يخبرنا فيتغنشتاين في (6.3) أنّ «البحث المنطقيّ يعني التّحقيق في الأمور الاعتياديّة كلّها» (التشديد قائمٌ في النصّ الأصليّ). بناءً على هذه النّصيحة، ومع علمنا أنّ أكثر طريقةٍ طبيعيّةٍ لربط الأرقام بترتيبٍ مكانيٍّ تكون باستعمال نظام تنسيقٍ «coordinate system»، ونستطيع الكشف عن اعتياديّةٍ بترتيب الموضوعات، أي: مواقع (أ) و(ب) للموضوعات التي طرحها العددان الأوّل والثاني من الأعداد المؤشّرة. ورُبَّ سائلٍ يسأل: أيّ رقمٍ من الأرقام المؤشّرة سنستخدمه لذلك التّرتيب؟ قصد فيتغنشتاين حتمًا أن نعتمد على الأرقام نفسها التي استعملها لإخفاء رسالته السرّيّة، أي: تلك الأرقام التي ذكرناها أعلاه.

والآن، ألقِ نظرةً على التّرتيب النّهائيّ للموضوعات المكانيّة. فالإشارة هي وجهٌ ضاحكٌ، ومعنى القضيّة المعبَّر عنها أن تكون سعيدًا. وقد تصف هذه الرّسالة بنيان العالم، بل تمثله حقًّا.

© SÁNDOR SZEGLÁB 2014

ساندور زيغلاب كاتب نماذج «pattern clerk» في المعهد الاتّحاديّ السّويسريّ لحجج التّوسّل بالمرجعيّة «Swiss Federal Institute of Arguments from Authority»

 

مقالات ذات صلة