في ليلة 27 يناير 2015، في مدينة ستيلينبوش Stellenbosch الجامعيّة الجميلة، الصاخبة في الوقت نفسه، بجنوب إفريقيّا، قتل هنري فان بريدا Henri van Breda والديه وشقيقه بفأس. وتمكّنت شقيقته بطريقة ما من النجاة من جروحها. وفي محاكمة فان بريدا، لم يُظهر أيّ ندم، ورفض تحمّل المسؤولية عن جرائمه المروعة.
في الثامن من مايو عام 2017، قام طالب فلسفة ذو شأن في جامعة ستيلينبوش، وهو دين دارت Dean Dart، ورفاقه، بلصق نسخ طبق الأصل من ملصقات منظّمة شباب هتلر Hitler Youth في كافّة أنحاء الحرم الجامعيّ، المنظّمة التي تعود إلى ثلاثينيات القرن العشرين. ونظرًا لأن جامعة ستيلينبوش كانت المهد الفكريّ للتمييز العنصريّ، كانت الملصقات نذير شؤم يتجاوز مجرّد أن تكون ضجيجًا صبيانيًّا أحدثه مراهق جاهل من اليمين البديل. دعت الملصقات الطلاب البيض إلى الحشد، واستنهاض الفاشيّة الجنوب إفريقيّة، والقتال: زيغ هايل Sieg Heil.
إن قائمة الأفعال الشريرة في العالَم تطول وتطول. ومع ذلك، فإن الوصف ""شرير"" هو أشد الأوصاف عقمًا من بين كل أوصاف الأفعال اللا أخلاقيّة تمامًا. وعلى الرغم من أننا قد نبدأ بالقول: إن ""الشرّ"" هو ""الخبث الشديد""، عندما نصف شخصًا أو فعلًا بأنه ""شرير""، إلا أن هذا ليس تفسيرًا. فهذا الوصف لا يقدّم أيّ فهم للشخص أو للفعل، ولا يزال يتعيّن علينا أن نسأل: ما الذي يُعتبر ""خبثًا شديدًا""؟ ولماذا؟ إن كلمة ""الشرّ"" هي بناء فارغ يُستخدم لفصلنا عن أولئك الذين كان يحبّ زعيم حرب العراق، جورج دبليو بوش، أن يُطلق عليهم ""الآثمين"". لكن ما الشرّ؟ وما الحدود التي تميّز بين ما هو شر وما هو ليس كذلك؟
بالطبع هناك تفسيرات دينيّة للشر، لكن الأديان أقرب بالفعل إلى أن تعاني ممّا يسمى ""مشكلة الشرّ"". تعتمد الحجّة الأساسيّة وراء مشكلة الشرّ على كيفية تصورنا للإله. فالتعريف التوحيدي للإله هو أن الإله كائن كلّيّ القدرة، وكلّيّ المعرفة، وكلّيّ الخير. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا توجد أفعال شريرة؟ فمثلًا، لماذا يسمح الإله بالإبادة الجماعيّة؟ فالإله -بحكم التعريف- لديه القوة والمعرفة المطلوبة لمنع المجاعات المرعبة أو جرائم القتل الجماعيّة، وإذا كان كلّيّ الخير، فسيمنع هذه الفظائع، بالتأكيد؟ ومع ذلك، هي تستمر. لذلك، كثيرًا ما يُستشهد بها كدليل على عدم وجود الإله (التوحيديّ).
هناك ردّ شائع يتجسّد في مفهوم الإرادة الحرّة. والصيغة المبسّطة لهذه الحجّة المضادة هي أن الإله منحنا الإرادة الحرّة، وهي خير ضروريّ، وأن الشرّ نتيجة ثانويّة للإرادة الحرة. فلو منعنا الإله من الأفعال الشريرة لما امتلكنا الإرادة الحرّة.
ومع ذلك، فإن إحدى المشكلات المتعلّقة بالشرّ في السياق الدينيّ هي عدم وجود طريقة لتحديد أيّ ردٍّ هو الردّ الصحيح. فقد يعتقد المرء أن الحرب النوويّة هي شرّ قطعًا. ومع ذلك، بارك الأب جورج زابيلكا George Zabelka، قسّيس مجموعة القنبلة الذريّة الأمريكيّة في عام 1945، بعثتي هيروشيما وناغازاكي. وفيما بعد تخلّى عن هذه المباركة واتخذ موقفًا مفاده أن الحرب بحد ذاتها خطيئة. من الواضح أن التفسيرات المختلفة للعقيدة، حتى من قِبل نفس الشخص، يمكن أن تؤدّي إلى مفاهيم مختلفة عن الشر.
لكن ليس المتديّنون وحدهم من يستخدمون مفهوم الشرّ؛ إذ يمكن للملحدين الصارمين أن يستخدموه، ويستخدمونه فعلًا. فقد قال كريستوفر هيتشنز Christopher Hitchens في نعيه لأسامة بن لادن: «كنت أعتقد حينها، ولا زلت، أن أسامة بن لادن كان تجسيدًا خالصًا لعقليّة القوّة الحقيقيّة: قوّة الجهاد الإسلاميّ. وكنت أعتقد أيضًا، ولا زلت، أن هذه القوّة تستحقُّ تمامًا أن توصف بأنها شرّ» (The Enemy, 2011).
فلسفات الشرّ
يمكن للمتديّن والعلمانيّ أن يتفقا بالفعل على الأفعال، والأشخاص، التي تُعتبر شرّيرة. إذ يبدو أن هناك اتفاقًا بين هاتَيْنِ الرؤيتَيْنِ للعالَم على أن اغتصاب الأطفال أمر شرّير. وعادة ما يرى المؤمنون وغير المؤمنين أن التعذيب شرّ. لكن في الحقيقة ماهيةّ هذا المفهوم الشائع للشر ضبابيّة إلى حدّ ما، وغالبًا ما تكون ذاتيّة تمامًا.
ربّما يمكننا اللجوء إلى تعريف للشرّ على غرار ""الشرّ هو ما نعرفه عندما نراه"". ومع ذلك، فإن الامتداد المباشر لهذا النوع من التعريف يتجسّد في مشكلة النسبيّة الأخلاقيّة. بعد أن غزا الإمبراطور المغوليّ تيمورلنك بغداد عام 1401، ورد أنه قطع رؤوس 90000 من سكانها، وبنى بها 120 جبلًا من الجماجم. قال عنه مؤرّخ روسيّ مجهول ذات مرة: «لم يترك أي عين مفتوحة للبكاء على الموتى». فهل كان تيمورلنك وجحافل المغول أشرار؟ من المؤكّد أن المغول لم يعتقدوا، ولا يعتقدون، ذلك. إذ تعتبر أوزبكستان تيمورلنك بطلًا قوميًّا، وهناك نصب تذكاري له في طشقند. وعلى الرغم من أن هيتشنز ربّما كان يعتقد أن ابن لادن والجهاديّين المتشدّدين أشرار، إلا أن تنظيم القاعدة وداعش لا يعتقدان أنهما آثمين، بل على العكس تمامًا. سيقولان إنهما منخرطان في عمل مبارك من عند الله، وهو استعادة الخلافة ومحو الانحلال والقمع الغربيين من العالَم. ولذا فإن القول: ""إننا نعرف الشرّ عندما نراه"" لا يفيدنا فعليًّا، لأنه يجعل ماهيّة الشرّ تعتمد كليًّا على من يراه.
كي يكون الشرّ مفهومًا مفيدًا، يجب أن تكون هناك أسباب تجعل شخصًا ما أو فعلًا ما شرّيرًا. بعبارة أخرى: يجب أن يكون لمفهوم الشرّ قوّة تفسيريّة. وبغير هذه القوّة التفسيريّة سيكون مفهوم الشرّ مصادرًا على المطلوب. إن مجرد وصف بول بوت Pol Pot بأنه ""شرّير"" لا يقدّم أيّ تفسير لشرّه.
دعونا نلقي نظرة على طريقتَيْنِ لمحاولة تزويد مفهوم ""الشرّ"" بقوّة تفسيريّة. تنتمي الطريقة الأولى إلى حقل الفلسفة، وتنتمي الطريقة الثانية إلى حقل علم الأعصاب. تدور الطريقتان حول فكرة سقراط في ""محاورة كريتو"" لأفلاطون التي تقول إنه لا يمكن لأحد أن يفعل ما هو شرّ بمعرفة أو بعقلانيّة. وحجّة سقراط هي أننا لا نستطيع بعقلانيّة أن نقوم بما نعرف أنه من الخطأ القيام به. لذلك إذا كنّا نعرف حقًّا ما هو الخير -إطعام الجياع مثلًا- فعندئذٍ لا يمكننا بمعرفة أو بعقلانية تجويع الناس. والذين يمتنعون بمعرفة عن القيام بأفعال شرّيرة يمتنعون على وجه التحديد لأن لديهم معرفة معقولة بالخير. وفقًا لسقراط، فإن الشرّ يحدث لأن الناس يجهلون الخير. ولذلك، فإن الشرّ بالنسبة له هو نوع من الجهل. إن الجهل بالخير لا يعني مجرد عدم الدراية بأن الإبادة الجماعيّة، مثلًا، من الشرور، كما يستلزم التفكير الخاطئ أو المنطق الضعيف فيما يتعلّق بالإبادة الجماعيّة أو الخير. كان سقراط مسرورًا جدًّا بإثبات أن محاوريه كانوا يجهلون الخير وأنهم وظّفوا كالعادة منطقًا ضعيفًا على نحو مذهل. ذلك المتطفل الأسوأ على الإطلاق.
كان حلّ سقراط لكيفيّة معرفة المرء للخير هو إما أن يصبح فيلسوفًا أو يتبع تعليمات الفلاسفة، الذين قد لا يمثّلون دائمًا أفضل الأفكار، إن شئنا الحقّ. في عام 1933، انضمّ الفيلسوف الألمانيّ العظيم مارتن هايدغر إلى الحزب النازيّ، وألقى خطابًا في جامعته يؤيّد فيه المبدأ الأساسيّ للفلسفة السياسيّة للنازيّة، Führerprinzip، أو مبدأ الفوهرر [الزعيم]:
«لا تجعل المقترحات و""الأفكار"" هي قواعد وجودك (Sein). الفوهرر وحده هو الحقيقة الألمانيّة الحاليّة والمستقبليّة وقانونها. تعلَّم أن تعرف بعمق أكبر من ذي قبل أنه من الآن فصاعدًا كلّ شيء يتطلّب قرارًا، وكلّ فعل يتطلّب مسؤوليّة. هايل هتلر!»
يزعم هايدغر أن الفوهرر هو تجسيد للأمّة الألمانيّة. لذلك فإن مبدأ الفوهرر فوق كل قانون مكتوب، وصحيح دائمًا، ويتطلّب الطاعة المطلقة، وهو تعبير عن الخير. ضمن هذا المفهوم السياسيّ، الذي اعتبره المنظّرون الفاشيّون على أنه حلّ لإخفاقات كل من الديمقراطيّة والشيوعيّة، تأتي فكرة أنّ الأمّة الألمانيّة تنشأ من خلال الفوهرر والاشتراكيّة القوميّة. تنهض ألمانيا من رماد الفلسفات المفلسة للفردانيّة والشيوعيّة، لتصبح كائنًا حيًّا من نوع ما، حيث تندرج هويّة الفرد في كيان أعلى، وهو الجسد القوميّ. فالفرد ليس إلّا جزء تابع من الأمّة الألمانيّة الأكبر والمهيمنة؛ أو كما عبّر هتلر في كتابه ""كفاحي"": «يجب على الفرد أن يدرك في النهاية أن كبرياءه ليس له أهمّيّة مقارنة بوجود أمّته... الأهمّ من أيّ شيء هو أن وحدة روح الأمّة وإرادتها أقيم بكثير من روح الفرد وإرادته». إن فكرة حقوق الإنسان الفرديّة لا معنى لها في هذه الفلسفة.
يقود مبدأ الفوهرر إلى الاستنتاج المنطقيّ الذي استخدمه هيرمان غورينغ Hermann Göring وأدولف أيخمان Adolf Eichmann في دفاعهما، غورنيغ خلال محاكمة مجرمي الحرب الرئيسة عام 1945-1946، وأيخمان خلال محاكمته عام 1961 في إسرائيل: بما أن كل القرارات، والإرادات، والقوانين موجودة في الفوهرر باعتباره تجسيدًا للأمّة الألمانيّة، فلا يمكن مساءلة غورينغ ولا أيخمان. فقد كانا يؤدّيان الواجب الأخلاقيّ المتمثّل في الطاعة التامّة، ومن ثَمّ كانا ينفّذان فقط قرارات السلطة الشرعيّة (والنهائيّة). ثم إنهما لم يرتكبا أيّ شرّ، وإنما كانا يحرّران الأمّة من أجل تحقيق إرادتها في السلطة، وتلك الأفعال التي حقّقت عمليًّا إرادة الجسد القوميّ كانت خيّرة، أما الأفعال التي لم تحقّق ذلك فكانت سيّئة. إن ترجمة دفاع أيخمان إلى ""مجرّد طاعة الأوامر"" هي غفلة عن المنطق المرعب الذي يكمن خلف النازيّة. لا يُعَدّ طاعة الأوامر دفاعًا في ظل الليبراليّة السياسيّة: فالناس لا يتخلّون عن فاعليّتهم الأخلاقيّة، ولا يمكنهم أن يتخلّوا عنها، عندما يكونون في الجيش أو الشرطة أو بعض الوزارات الحكوميّة الأخرى، وبالتالي لا يزال من الممكن تحميلهم مسؤولية أفعالهم. ومع ذلك، في ظل نظام ليس للناس فيه فاعليّة أخلاقيّة، ولا يمكن أن تكون لهم، باستثناء تلك التي تنطوي على الطاعة الكاملة للإرادة القوميّة، كما تتجسد في الفوهرر، فإن الدفاع النازيّ يكون ملتويًا ولكنه معقول منطقيًّا.
ربّما أحبَّ دين دارت، الذي كان من المحتمل أن يصبح داعية للنازيّة، في أثناء دراسته في قسم الفلسفة في جامعة ستيلينبوش، قراءة هايدغر وهتلر. وربّما أحبّ بالخصوص عبارة هايدغر في كتابه ""الدفاتر السوداء Black Notebooks"" (الذي كتبه بين عامَيْ 1931 و1945، ونُشر بعد وفاته في 2014) التي تنصّ على أن «اليهوديّة العالميّة لا يمكن تحقيقها في كل مكان، ولا تحتاج إلى الانخراط في العمل العسكري مع الاستمرار في نشر نفوذها، فقد طالت تضحيتنا بدماء أفاضل شعبنا». ربما اعتبر دارت نفسه المنسوخ الفكريّ لأحد مهندسي الفصل العنصريّ وخريج جامعة ستيلينبوش، يوهانس فان رينسبيرغ Johannes Van Rensburg. إذ في عام 1933، سافر فان رينسبيرغ إلى ألمانيا لمقابلة هتلر وغورينغ. وأصبح فيما بعد زعيمًا للحزب النازيّ في جنوب إفريقيا، أوسيفابرندفاغ Ossebrandwag، الذي اندمج في الحزب الوطنيّ الحاكم في البلاد بعد الحرب. وقد تأسّس التمييز العنصريّ في عام 1948. وذكرت وزارة الخارجيّة الألمانيّة في عام 1944 أن الأوسيفابرندفاغ كان «قائمًا على مبدأ الفوهرر، ويقاتل ضد الإمبراطوريّة، وضد الرأسماليّين، والشيوعيّين، واليهود...».
أشار المخرج البريطاني آدم كيرتز Adam Curtis إلى أن سرديّة ""الحرب الخيّرة المضادّة للشرّ"" التي خُلقت خلال محاكمات نورمبرغ قد أسكتت التحقيق في الأسس الفكريّة للنازيّة. لكن عندما ننظر في هذه الأسس بعمق مستخدمين تحليل سقراط، يتّضح سبب قيام النازيّين بمثل هذه الفظائع: لقد وظّفوا استدلالًا سيّئًا للغاية وآمنوا به. ويمكن قول الشيء نفسه عن القوميّة الإفريقانيّة، والستالينيّة، والماويّة، وفكرة العام صفر Year Zero.
ومع ذلك، هناك شيء خاطئ جدًّا هنا. هل يمكن أن يكون الشرّ حقًّا إما جهل أو استدلال سيّئ فيما يتعلّق بالقضايا الأخلاقيّة؟ يبدو أن فداحة بعض الجرائم ضد الإنسانيّة -الإبادة الجماعيّة، والقتل بالتجويع، والاغتصاب الجماعيّ، والاستعباد، وما إلى ذلك- تنطوي على ما يتجاوز استخدام منطق غير مناسب. وهناك مشكلة أخرى تطارد البحث الفلسفيّ المتعلّق بالشرّ تتمثّل في أن من الممكن أن تصبح التفسيرات الفلسفيّة للشرّ ضبابيّة وذاتيّة بسرعة شديدة.
قد تنظر ثقافة غريبة متفوقة، أو ذكاء اصطناعيّ فائق، إلى الحالة الحاليّة لبيئة الأرض وتستخدم نوعًا من المقاربة النفعيّة للردّ على ما سبق: فمن أجل تجنّب التغيّر المناخيّ الكارثيّ والانقراض الجماعيّ اللاحق على الأرض، هناك نوع واحد فقط من أصل حوالي 8.7 مليون نوع لا بدّ أن ينقرض أو يُغربَل جذريًّا: الإنسان العاقل Homo sapiens. بينما ستكون مثل هذه الوصفة الأخلاقيّة مروّعة للغاية بالنسبة لنا، إلا أنها مفيدة لبقية الوسط البيئيّ العالميّ. فلو استمرّ البشر على طريقتهم الحاليّة (ولنكن صادقين، نحن لا نفعل أيّ شيء مهمّ لتغيير سلوكنا باستثناء تسريع العمليّة) سوف ينقرض 70% من كل الأنواع قبل أن ننقرض. ومن ثَمّ تصبح الإبادة أو الغربلة الجماعيّة لنوع واحد لمنع انقراض الملايين خيرًا.
لقد قضى البشر على فيروس شلل الأطفال، لذلك من الواضح أننا لا نعتقد أن إبادة نوع معيّن أمر خاطئ بالضرورة. فالبشر لا ينزعجون أبدًا من فكرة أنه يجب علينا محو نوع ما أو غربلته بشدّة من أجل الخير العامّ. على سبيل المثال، القطط الوحشيّة والاجتياحيّة تدمّر بيئة جزيرة معيّنة، ومن ثَمّ يجب القضاء عليها في تلك البيئة. من المنظور الخارجيّ لكائن فضائيّ أو كائن متمتّع بذكاء اصطناعيّ، نحن النوع المتوّحش، وربما الذكاء البشريّ بالنسبة إلى ذكاء ذلك الكائن يعادل ذكاء القطط بالنسبة إلى ذكاء البشريّ. لكن هنا، مرّة أخرى، يصبح الناظر مهمًّا في مناقشات الشرّ، ويظلّ مفهوم الشرّ في حدّ ذاته غامضًا وذاتيًّا.
Evil Sigmund Freud by Jack Collinson 2022
سيكولوجيات الشرّ
تتمثّل الطريقة الأخرى لمقاربة مفهوم الشرّ في البحث عن تفسير عصبيّ. كان الفعل الشرّير لهنري فان بريدا، تمزيق أجساد أسرته، نتاجًا لمرض عقليّ أو ذُهان ناتج عن المخدّرات. يبحث بعض علماء الأعصاب بالفعل عن ""المتلازمة E""، حيث يرمز الحرف E إلى الشرّ Evil. والفكرة العامّة هي أن المتلازمة E، أو المرض العقليّ، أو أيّ نوع آخر من حالات الدماغ غير الطبيعيّة، هي السبب الجسديّ للشرّ. وترتبط هذه الفكرة أيضًا بتفكير سقراط؛ لأنها تقترح أن الفرد اللائق والسليم عقليًّا لن يرتكب أفعالًا شرّيرة. فالشرّ هو نِتاج شخص يعاني من خلل ماديّ.
لسوء الحظّ، هناك مشكلتان خطيرتان في المقاربة المادية لمفهوم الشرّ. الأولى هي أنه ما لم يكن كل شرّير مصابًا بمرض عقليّ أو المتلازمة E فإن الصلة بين الشرّ وسلامة الدماغ/العقل لا بدّ أن تكون مشروطة فقط. لكن من المعقول اعتقاد أنه ليس كلّ من يرتكب الشرّ يكون مصابًا بمرض عقليّ أو المتلازمة E. وهناك أشخاص ليس لديهم أي خلل عقليّ معتبر ومع ذلك يرتكبون الشرور. فمثلًا، بعد مشاهدة أيخمان أثناء محاكمته، خلصت الفيلسوفة حنة آرنت إلى أنه عاقل ولا يبدو أنه يعاني من أيّ خلل عقليّ. ومع ذلك، فقد نظّم الخدمات اللوجستيّة للهولوكوست. علاوة على ذلك، هناك العديد من الأشخاص المصابين بمرض عقليّ أو يعانون من أوهام شديدة ولا يرتكبون أفعالًا شرّيرة. ليس كل مدمن مخدرات قاتل ذُهانيّ. في الواقع، يمكن للأفراد المصابين بالأوهام ويعانون من مشاكل عصبيّة فعل الخيرات. لذلك، على الرغم من أن الخلل العصبيّ يساهم أحيانًا في العقل الشرّير، إلا أنه لا بدّ من حدوث شيء آخر بجانبه.
المشكلة الثانية هي أن المتلازمة E ما زالت لا تخبرنا بماهيّة الشرّ. فلو افترضنا أن جميع أعضاء داعش أو حتى غالبيّتهم فقط يعانون من المتلازمة E: لا يزال يتعيّن علينا تحديد ماهيّة الشرّ، ونعود إلى كونه ضبابيًّا وذاتيًّا بعض الشيء. كان قائد الجيش البريطانيّ في الحرب العالميّة الأولى، الجنرال دوغلاس هيغ Douglas Haig، إما جزار معركة السوم الشرير -الذي ألقى عبثًا كل هؤلاء الشباب في مفرمة اللحم- أو الرجل الذي كان معلَّقًا في حرب الخنادق الفظيعة. إن ممارسة الجنس مع من هم دون السنّ القانونيّة أمر شرير؛ لكن ممارسة الجنس مع الصبية الصغار كانت جزءًا من النسيج الاجتماعيّ لليونان القديمة، ويمكن القول إنها كانت مسألة تماسك اجتماعيّ. يُعاقَب القتلة المتسلسلون الذين يخنقون الأطفال بالإعدام. ومع ذلك، كانت مادلين أولبرايت Madeline Albright مسؤولة عن الموت المؤلم لنصف مليون طفل عراقيّ، وتحتفظ بمعاشها التقاعديّ. كما كتبتْ كتابًا بعنوان ""مذكّرة للرئيس المنتخب: كيف يمكننا استعادة سمعة أمريكا وزعامتها Memo to the President Elect: How We Can Restore America’s Reputation and Leadership""، عام 2008. وفيما يتعلّق بالبيئة، يجب أن يُحبَس جنسنا البشريّ اللعين بكامله في جناح للأمراض النفسيّة. يبدو أن الحقائق المؤكّدة الوحيدة حول مفهوم الشرّ هي أنه لا يفسر شيئًا، وأن محاولة تعريفه تشبه محاولة الإمساك بسحب غاز الكلور المندفعة.
بالطبع هذا الاستنتاج يصطدم مع الخطاب الشعبيّ. فالصحف، والخُطَب، ووسائل التواصل الاجتماعيّ، والمحادثات العاديّة مليئة بالتصريحات التي تفيد بأن شخصًا معيّنًا أو فعلًا ما شرّير بلا نزاع. وغالبًا ما أعطت التقارير التي عن دونالد ترامب انطباعًا بأن الرجل هو في الواقع الشيطان المتنكّر.
يُعتبر الخطاب الشعبي عن الشرّ مثالًا لما أسماه الفيلسوف الأمريكيّ تشارلز ستيفنسون Charles Stevenson ""الانفعاليّة emotivism""، وهو مصطلح أشاعه لاحقًا ألفرد جول آير A.J. Ayer. وحسب هذا الرأي، فإن وصف شيء ما بالشرّير ليس سوى تعبير عاطفيّ عن فظاعة فعل ما أو شخص ما. وبالمثل، فإن مفاهيمنا الثقافية عن الشرّ ستكون ببساطة انفعالات جماعيّة تتمثّل في النفور أو الاشمئزاز. فمثلًا، عندما ننظر إلى الإبادة الجماعيّة في رواندا نشعر بالفزع من الحجم الهائل للمجزرة التي لا يسعنا إلا أن نسمّيها ""الشرّ"" الإنتيراهاموي Interahamwe. إن عمق مشاعرنا كبير لدرجة أننا طردنا الجناة من الجنس البشري وأعلنّا أن هناك فقط الخير والشرّ، وهذا كل ما في الأمر. لكن، على الرغم من جميع عمليّات الإعدام القضائيّة، والإدانات، والمحاكم، وإعلانات حقوق الإنسان، فإن الفظائع لا تزال تتكرر. لماذا؟ يكمن الجواب في مكان عميق ومقلق، حيث تتسلّل شياطين النفس في الظلام.
في العشرينيّات وأوائل الثلاثينيّات، نظر سيغموند فرويد حوله ورأى قدوم حرب أخرى. كانت مذبحة الحرب العظمى في إثره. وفكَّر فرويد في الذين ماتوا والذين سيموتون قريبًا ووجد أنه لا بد من وجود شيء آخر إلى جانب محرِّك [دافع] الحياة (إيروس Eros) لدى البشر، وهو محرِّك الموت حسب تسميته، أو ثاناتوس Thanatos، على اسم إله الموت اليونانيّ. إن ثاناتوس هو جزء من عقلنا يسعى لنسيان وإنكار الحياة. في ثاناتوس وجد فرويد اسمًا لذلك الجزء من الإنسانيّة الذي يوجد فيه العدميّة، والساديّة، والماسوشيّة، واللذيّة المفرطة، والتدمير الذاتيّ، والعنف، والعدوان، والاحتيال. إن العالَم، كما رآه فرويد، كان في قبضة ثاناتوس، ما جعل الجحيم القادم أمرًا لا مفرّ منه.
قال ليو شتراوس Leo Strauss، في محاضرة ألقاها عام 1941: إن «العدميّة الألمانيّة ترفض... مبادئ الحضارة في حدّ ذاتها، وتختار الحرب والغزو، تختار فضائل الحرب». وصاغ جورج أورويل هذه الفكرة في مراجعته عام 1940 لكتاب ""كفاحي"" فقال: «بينما قالت الاشتراكية، بل والرأسمالية على مضض، ""إنني أقدّم لكم عصرًا خيّرًا""، قال هتلر لهم: ""إنني أقدّم لكم النضال والخطر والموت""، ونتيجة لذلك ألقت أمّة بكاملها نفسها عند قدمَيْه». وبحشرجة ظامئة لمسيرة جنائزيّة ضحّت أمّة بنفسها لثاناتوس، وجرّت معها العالَم بأسره.
إن الضحك والغناء يصدّان كل جحيم هذا العالم. لكن في زمننا هذا، عندما نطير عبر العالم لنقدّر جماله الخلاب -على سبيل المثال كل تلك الأسماك الملونة التي تتنقل بسلاسة عبر الشعاب المرجانيّة الرائعة- ننتج انبعاثات الكربون التي ستدمّر تلك الشعاب نفسها إلى الأبد. ونحن نعرف ذلك. ولا نعبأ به في النهاية، أو على الأقلّ، لا نهتمّ بما يكفي لتغيير سلوكنا فعليًّا. إن منهجنا المتمثّل في الانقراض الجماعيّ، وتحويل جزالة الحياة إلى رماد، هو العدميّة بكل وضوح. ذلك القتل الغاشم والتدمير الجارف. إنه محرِّك الموت المعولم.
لقد استطاع الكاتب الألمانيّ ومؤلّف مسرحية ""فاوست Faust""، يوهان فولفغانغ غوته، الذي مثّل النسخة الأبكر لفرويد، تجسيد جوهر محرِّك الموت بالكلمات الآتية:
الحقّ أن كل الموجودات تسحق الموت ولن تفلت منه
لو لم يُؤت بشيء إلى الوجود لكان أفضل بكثير
وهكذا، فإن ما يسمّيه الناس الدمار والخطيئة والشرّ هو فَلَكي، وهو العنصر الذي أُفَضِّله.
Faust, Part One. Trans. David Luke. 1987
عندما نستخدم التعبير اللغويّ الفارغ ""الشرّ""، أو نعلن أن الأشرار يعانون من خلل عقليّ، أو ننقل المسؤوليّة إلى الإله ومن ثَمّ نضع الفظائع خارج حدود الإنسانيّة، فإننا نتجاهل جزءًا أساسيًّا من الطبيعة البشرية. على نحوٍ جماعيّ نحن إباديّون، وعلى نحو فرديّ كلنا حراس محتملون لمعسكرات الاعتقال. نحن شهوة الحياة والتوق إلى الموت: إنهما ما يجعلنا بشرًا. وما لم نتأمل في خزانات الظلام في أنفسنا، ونحاول بصدق فهمها، وليس أن نصرف النظر عنها وننكر وجودها، لن نتمكّن من التعامل مع ما نطلق عليه بلا جدوى، جيلًا بعد جيل، ""الشرّ"".
""أشعر بالعجز!""
تريستين تايلور Tristen Taylor زميل باحث في وحدة الأخلاقيّات البيئيّة Environmental Ethics بجامعة ستيلينبوش.
