ولد سيريل ليونيل روبرت جيمس في ترينيداد Trinidad في عام 1901. كان والده، روبرت جيمس، ناظر مدرسة، لكنه طوّر حبّه للأدب من والدته إيدا إليزابيث Ida Elizabeth، القارئة الشرهة، وخاصّة رواية ""سوق الأضاليل Vanity Fair"" لوليام ميكبيس ثاكري William Makepeace Thackery، التي زعم ذات مرة أن تأثيرها عليه كان أكبر من تأثير ماركس. بدأ يقرأ الكتاب المقدّس في سن الرابعة، ثم انجذب فيما بعد إلى الأدب اليونانيّ القديم، الذي كان جزءًا أساسيًّا من مناهج المدارس العامّة النخبويّة في منطقة البحر الكاريبي المستعمَرة، وغالبًا من كان يدرّسه هم خريجو أكسفورد وكامبردج. كما أقرّ بذلك في دراسته الفلسفيّة شبه السيرة-الذاتيّة autobiographical عن الكريكيت، ""من وراء الحدّ Beyond a Boundary""، إذ يقول: «أعتقد أنّي إذا كنتُ تركتُ المدرسة والتحقتُ بمجتمع اليونان القديمة، لكنتُ في المنزل أكثر من أيّ وقت مضى».
غادر جيمس ترينيداد متوجهًا إلى لندن عام 1932 ليصبح كاتبًا. وسرعان ما انجذب إلى السياسة الاشتراكيّة والمتضامنة مع إفريقيا، وكلاهما يتجسد في كتابه الكلاسيكي ""اليعاقبة السود: توسان لوفيرتور والثورة الهايتيّة The Black Jacobins: Toussaint L’Ouverture and the Haitian Revolution"" (1938). وككتاب في الفلسفة السياسيّة متنكرًا في زي التاريخ، ينسج ""اليعاقبة السود"" التاريخ عابرًا الزمان والمكان، مستفيدًا من الثورة التي أدّت إلى استقلال هايتي في عام 1804 لتوضيح رؤيته لآفاق التحرير الإفريقيّ والكاريبيّ والثورة العالميّة. إن هذا الكتاب لا يصف الثورة الهايتيّة فحسب، وإنما يوضّح أيضًا أهمّيّتها لفهم التفاعل بين السياسات والنضالات من أجل الحرية على نطاق عابر للحدود الوطنيّة. كانت ثورة هايتي هي أول ثورة عبيد ناجحة في التاريخ. إن ديناميكيّة الأفارقة المستعبدين الذين نظّموا أنفسهم في جيش هزم القوى العظمى في عصرهم -فرنسا وإسبانيا وإنجلترا- هي جوهر الكتاب. لعل كتاب ""اليعاقبة السود""، باعتباره من روائع الأدب الواقعيّ والنظريّة السياسيّة، لا نظير له. وفي تقييم جيمس لمركزيّة مزارع العبيد في تطور الرأسماليّة العالميّة، يستبق الكتاب العمل الرائد لعالمَيْ الأنثروبولوجيا سيدني مينتز Sidney Mintz وريتشارد برايس Richard Price.
إن كتاب ""اليعاقبة السود"" في جوهره تأمل في ديناميكيّات السياسة الثوريّة. حسب جيمس، يمتلك الأشخاص الملقّبون بالعاديّين القدرة الإبداعيّة على تنظيم أنفسهم على نحو جماعيّ دون سلطة القادة الذين يملون من أعلى شروط وجودهم السياسيّ. تتجلّى هذه الرؤية أيضًا في روايته الأولى ""Minty Alley"" (1936)، قبل وقت طويل من اكتشافه لماركس وهيغل، حيث يجسّد جيمس مشاعر وأعراف الناس في ساحة الثكنات (المباني الشُّققيّة) في ترينيداد. وفي هذه الرواية، يُظهر الأشخاص العاديون -في هذه الحالة النساء الكاريبيّات بالأساس- إبداعًا استثنائيًّا ومثابرة في مواجهة تحدّيات الحياة التي تمثّل نموذجًا للثقافة الكاريبيّة.
يكاد يكون من المستحيل تقدير المزايا الفنيّة والسياسيّة لعمل جيمس اللاحق دون قراءة وصف "" Minty Alley"" المشرق للحياة الترينيداديّة المرؤوسة. في الرواية، وهي أول عمل خياليّ كاريبيّ كبير يُنشر في المملكة المتّحدة، يصوّر جيمس التوتّرات بين أفراد الطبقة الدنيا في ترينيداد؛ وقدرتهم على التحمّل، والحفاظ على الشعور بالكرامة والمثابرة في مواجهة المشقة. وتجسّد الرواية، حالها كحال كتاب ""اليعاقبة السود""، جدليّة خاصة بها، متجذّرة في تقدير جيمس للديناميكياّت الاجتماعيّة-الثقافيّة بين ""الناس الذين في الأسفل"".
ترجم جيمس أيضًا السيرة الذاتيّة لجوزيف ستالين Stalin التي كتبها بوريس سوفارين Boris Souvarine من الفرنسيّة إلى الإنجليزيّة في أواخر الثلاثينيّات من القرن الماضي. كان هذا الكتاب واحدًا من أقدم الأعمال الرئيسة التي جسدت الطبيعة الشموليّة للستالينيّة، وأفادت منه لاحقًا حنة أرندت في كتابها ""أصول الشموليّة The Origins of Totalitarianism"". وكتاب جيمس ""الثورة العالميّة: نهضة واضمحلال الأمميّة الشيوعيّة 1917-1936 World Revolution: The Rise and Fall of the Communist International, 1917-1936"" (1937)، الذي نُشر قبل عامَيْنِ فقط من كتاب ""ستالين""، هو تقييم تعليميّ إلى حدّ ما للشيوعيّة الدوليّة وانحدار الاتّحاد السوفيتيّ إلى الشموليّة. في ذلك الوقت، كان جيمس من أنصار ليون تروتسكي Leon Trotsky، أحد مهندسي الثورة الروسيّة. في جوهر الأمر، من منتصف الثلاثينيّات حتى انفصاله عن التروتسكيّة في الأربعينيّات من القرن الماضي، كان تروتسكي بالنسبة له مثلما كان سقراط بالنسبة إلى أفلاطون، معلِّمًا ونقطة انطلاق. وكتب جيمس كتابيه ""اليعاقبة السود"" و""الثورة العالمية"" باعتباره تروتسكيًّا.
إن نغمة كتاب ""الثورة العالميّة"" هي إلى حدّ كبير نتاج للسياسات المتصدّعة في ثلاثينيّات القرن الماضي. وقد كُتب بعد سنوات قليلة فقط من تخلّي جيمس عن تطلّعاته الأدبيّة في السياسات الراديكاليّة. إنه ليس كلاسيكيًّا، ومع ذلك فهو رائع في تفاصيله الغنيّة ونطاقه الواسع، حيث يغطّي مسار الثورة الروسيّة بجانب صعود الفاشيّة في ألمانيا وإيطاليا، والحرب الأهليّة الإسبانيّة، والثورة الصينية. ويستبق الأفكار التي سيفصلها جيمس لاحقًا في عمله ""رأسماليّة الدولة والثورة العالميّة State Capitalism and World Revolution""، وقد أوضح جيمس كيف تلاعبت الدولة سياسيًّا بالعمّال السوفييت واستغلالهم بوحشيّة من أجل جهدهم. وكان هذا يُعتبر مخالفة هرطقيّة ليس فقط للشيوعيّة التقليديّة، وإنما أيضًا للموقف التروتسكيّ الدوليّ القائل: إن روسيا كانت دولة عماليّة متدهورة لكنها تظل دولة عماليّة على الرغم من ذلك.
جيمس والديالكتيك
لقد استبق كتاب ""الثورة العالميّة"" كتاب ""ملاحظات حول الديالكتيك: هيغل وماركس ولينين Notes on Dialectics: Hegel, Marx, and Lenin"" (1948)، ووضع أساسه، ذلك الكتاب الذي وصفه جيمس بأنه أهمّ كتبه. وفيه يطرح رؤيته الاشتراكيّة.
إن ""الديالكتيك"" -وهو شكل من أشكال الحِجاج المنطقيّ تناطحت فيه فكرتان متعارضتان قبل أن يندمجا في فكرة جديدة تحتوي على عناصر من كليهما- كان مركزيًّا في عمل كل من هيغل وماركس. وقد كتب جيمس ""ملاحظات حول الديالكتيك"" في نيفادا خلال أشهر قليلة من الهوس manic في عام 1948، بعد عشر سنوات من نشر كتاب ""اليعاقبة السود"" وبعد مائة عام من نشر ""البيان الشيوعي"". وقد كان هذا وقتًا عصيبًا مليئًا بالتوتّرات داخل منظّمته السياسيّة، وكان يعيش في ظلّ تهديد دائمٍ بالترحيل (كان قد سافر إلى الولايات المتّحدة عام 1938 في رحلة لإلقاء محاضرة ثم تجاوز مدة تأشيرته). كان أيضًا يحاول يائسًا تأمين الطلاق من خوانيتا Juanita (ني يونغ nee Young) التي تزوّجها حينما كان يعيش في ترينيداد، من أجل الزواج من المرأة الأمريكيّة التي ستصبح زوجته الثانية، كونستانس ويب Constance Webb. كما يشير جيمس في رسالة إلى ويب من رينو Reno بنيفادا، لم يكن قد كتب وهو محموم منذ حوالي عشرين عامًا، في الوقت الذي كتب فيه ""Minty Alley""، كجزء من تمرين أدبيّ للرواية العظيمة التي كان يأمل في كتابتها حسب زعمه. يمثل كتاب ""ملاحظات حول الديالكتيك"" محاولة لتوضيح أفكاره بشأن التنظيم الاشتراكيّ في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية من خلال التفكير بالنظام المنطقي لهيغل. والكتاب، في جوهره، يجسّد الجهد المميّز لجيمس من أجل إعادة تعريف الاشتراكيّة بعيدًا عن بيروقراطيّة حزب الطليعة (أي الثوار المحترفون والأحزاب السياسيّة الثوريّة في كل من الدول الشيوعيّة وغير الشيوعيّة)، التي كانت بالنسبة له أداة شموليّة في ظل حكم ستالين.
إن كتاب ""ملاحظات حول الديالكتيك"" في الحقيقة ليس فحصًا صارمًا لمنطق هيغل، وإنما هو تفسير ارتجاليّ مدفوع بالسياسات. قال تيودور أدورنو Theodor Adorno ذات مرة: «مثلما أنه بمعنى ما لا يوجد إلا الفلسفة الهيغليّة، بمعنى ما لا يوجد في الموسيقى الغربية إلا بيتهوفن» (Beethoven: The Philosophy of Music, 1999). كان جيمس أيضًا يقدِّر بيتهوفن تقديرًا كبيرًا، وقال: «لطالما اعتقدتُ أن الثوريّ العظيم جدًّا هو فنّان عظيم، وأنه يطوّر أفكارًا، وبرامج، وما إلى ذلك، في حين يطوّر بيتهوفن مقطوعة موسيقيّة» (Notes on Dialectics: Hegel, Marx, Lenin, 1980). في عام 1948، كان جيمس يعتقد بالتأكيد أن نظام هيغل يمثل ""الفلسفة الكاملة"" التي تجسّدت في عبارة أدورنو: «الإرادة، الطاقة التي تتدفق في بيتهوفن، هي دائمًا الكلّ، الروح العالميّة الهيغليّة». ومع ذلك، كان جيمس على استعداد تامّ لتركيب الحريّات على أفكار هيغل. فقد أقرّ جيمس في ""ملاحظات حول الديكالتيك""، مشيرًا إلى زميلته الفيلسوفة الاشتراكيّة غريس لي Grace Lee، بأن «غريس ربما تمزّق شعرها بسبب ابتذال بعض رسوماتي التوضيحيّة [لمنطق هيغل]». لقد كان يعبّر عن فكرة أنه، بصفته فيلسوفًا سياسيًّا، كان هدفه هو التفسير الخلّاق لفكر هيغل فيما يتعلق بموضوع دراسته -الاشتراكيّة، والسياسة المعاصرة بشكل عامّ. فجيمس لم يكن أكاديميًّا محترفًا، وإنما كان فيلسوفًا سياسيًّا يحاول العثور على الضرورة الداخليّة للحركة الاشتراكيّة- كما يشير جيمس نفسه، بطريقة مشابهة لما حدث عندما طُلب من القدّيس بوس إثبات الضرورة الحتميّة والداخليّة للقيامة. ومثلما كان ماركس يكيّف ديالكتيك هيغل مع تحليله للرأسماليّة والاشتراكيّة في كتابيه ""رأس المال"" و""أسس نقد الاقتصاد السياسيّ Grundrisse""، كان جيمس يبحث عن المنطق التاريخيّ للحركة الاشتراكيّة، أي القوى والأفكار التي تخلقها وتحرّكها.
بالنسبة إلى جيمس، كانت مثاليّة هيغل متجذّرة في العالم الماديّ: «إذا جاز القول عن الماركسيّة أنها الأكثر مثاليّة بين الفلسفات الماديّة، يجوز بنفس القدر القول: إن ديالكتيك هيغل هو الأكثر ماديّة بين الفلسفات المثاليّة». بعبارة أخرى: كانت فلسفة هيغل التجريديّة منبثقة من العالم الماديّ والسياسات وقابلة للتطبيق عليهما. ويمثّل الديالكتيك طريقة للوجود، ورؤية وفهمًا للعالم، وكان النظام المنطقيّ لهيغل نتاج خيال إبداعي -الفنّ- أكثر من كونه نتاجًا للعلم، حسب جيمس.
يأخذ كتاب ""ملاحظات حول الديالكتيك"" المقاربة الفلسفيّة لجيمس إلى ما هو أبعد من عمله السابق. إذ يبدأ جيمس بتحذير من التمسّك بمقولات فكريّة ثابتة ومحدودة، ثم يقسّم الفكر إلى المجموعات التالية:
1- البساطة، اليومي، الحس السلم، التجريبيّة المبتذلة، الإدراك الحسّيّ العادي.
2- الفهم
3- الديالكتيك.
تمثّل المقولة الأولى معرفتنا اليوميّة البديهيّة. وتمثّل المقولة الثانية، ""الفهم""، شكلًا أعلى من المعرفة التي هي -رغم ذلك- محدودة وثابتة وترفض التحرّك، حتى عندما يكون المفكِّر قد تغيّر أو تحوّل. لذلك، بينما الفهم مهمّ جوهريًّا للديالكتيك، إلا أنه لا يمكن أن يكون ديالكتيكيًّا بحدّ ذاته. يشير جيمس إلى ما يسمّى بـ ""ديالكتيك المفهوم"" على أنه الفكر المتولّد ذاتيًّا ثم يُفصَّل. ويجسّد هذا جوهر الديالكتيك بشكل عامّ، أي العقل، الذي هو لا نهائيّ، ومستمرّ، وذاتيّ التأسيس لأنه يتجاوز مقولات الفهم في حركة مستمرّة من النفي والإلغاء التكامليّ sublation للأفكار القديمة. وفي هذه العملية، يشكّل الديالكتيك مقولات جديدة للفكر تعمل على تجميد عناصر القديم. وينتج عن هذا حقائق أسمى للعقل، في المعرفة، أو في أشكال من التفكير التأمليّ.
ينتقل جيمس بعد ذلك إلى القول: إن الشكل الحزبيّ الطليعيّ الماركسيّ-اللينينيّ للتنظيم السياسيّ كان متجذرًا في ثورة 1917، ما يعني ضمنًا أنه قد عفا عليه الزمن بحلول عام 1948. في روسيا، أصبح الحزب منظمة تحتضر داخل آلة شموليّة، التي وصفها جيمس بأنها «بربريّة الدولة-الرأسماليّة». وفي الولايات المتّحدة، كانت النقابات العماليّة، رغم أنها اعتُبرت ذات يوم شكلًا متقدّمًا من التنظيم السياسيّ، تعادل حاليًّا حزب الطليعة داخل الحركة العماليّة، المكافئ البيروقراطيّ للدولة الشموليّة. ووفقًا لجيمس، سهّلت النقابات العماليّة اغترابهم، بدلًا من أن تسهّل التنظيم الذاتيّ للعمال، بل وسهّلت إخضاعهم، وتأديبهم ومعاقبتهم، بدلًا من منحهم نطاقًا مجانيًّا لإمكاناتهم السياسيّة. وفي رسالة إلى جريس لي -كتبها جيمس من رينو بنفيادا في الوقت الذي كان يشرع فيه في كتاب ""ملاحظات حول الديالكتيك""- أشار إلى ما وصفه بالفصل غير الطبيعيّ بين الأحزاب السياسيّة والنقابات العماليّة في الولايات المتّحدة، وأن من شأن شكل ناشئ من أشكال التنظيم السياسيّ أكثر تقدّمًا أن يدمج السياسات الحزبيّة والحركة العماليّة. وكي يوضّح وجهة نظره يتّجه إلى منطقة البحر الكاريبي: «في ترينيداد والهند الغربيّة ككلّ، قادة النقابات هم قادة سياسيّون والعكس صحيح». ففي حالة جامايكا، يتجسّد هذا على نحو إشكاليّ في الشخصيّة الكاريزميّة لألكسندر بوستامانتي Alexander Bustamante، أول رئيس وزراء لجامايكا المستقلّة. وهذا التجسيد لا يمثّل مضمون الحزب السياسيّ الجماهيريّ الذي تصوّره جيمس، لكنه يقترب منه صوريًّا طالما كان العمل والحزب موحَّدَيْنِ. وبهذا المعنى، ساعدت الحركة العماليّة في الهند الغربيّة على بلورة مفهوم جديد للاشتراكيّة في عقل جيمس.
فلسفة الكريكيت لجيمس
إن كتاب ""ملاحظات حول الديالكتيك"" غنيّ بالدراما: فكما تجاسر جيمس على ""مبدأ هيغل في الوجود"" الموجود في كتاب ""المنطق"" لهيغل، يكتب جيمس: «كما تعرفون، عندما أقترح على نفسي أن أبدأ ""المنطق"" الفعليّ، أشعر بشيء من القشعريرة». لكن كتاب ""مِن وراء الحدّ"" (1963) هو الذي يحتفظ ببعض كتاباته الأكثر إبداعًا، مجادلًا بأن لعبة الكريكيت هي في حد ذاتها من أشكال الفن.
لقد وُصف كتاب ""مِن وراء الحدّ"" بأنه أحد أعظم الكتب التي كُتبت عن الرياضة على الإطلاق، وأفضل كتاب عن لعبة الكريكيت الإنجليزيّة النموذجيّة. وما يجعله بهذه المكانة العظيمة متجذر في السؤال ذي النمط الكبلنغي الذي طرحه جيمس في المقدمة: «ماذا يعرفون عن الكريكيت التي لا يعرفها سوى الكريكيت؟». وبهذه الروح، يمتدّ تحليل الكتاب إلى ما وراء حدود اللعبة: فكتاب ""مِن وراء الحدّ"" هو كتاب عن الجماليّات، والأخلاقيّات، والسياسات، وهو ملتحف بعناية بفلسفة جيمس الرياضيّة التي تشبه السير الذاتيّة.
إن حجّة جيمس المركزيّة هي أن «الكريكيت هي أولًا وقبل كل شيء مشهد دراميّ. إنها تنتمي إلى المسرح والباليه والأوبرا والرقص». وعلى الرغم من أن هذه الخاصيّة تشترك فيها لعبة الكريكيت مع الرياضات الأخرى، إلا أن «نوعية الدراما أكثر تحديدًا» في الكريكيت؛ لأنها «منظّمة للغاية بحيث تضطر في جميع الأوقات إلى إعادة إنتاج المواجهة المركزيّة التي تميز كل الدراما الجيّدة من عصر الإغريق إلى عصرنا: شخصان يواجهان بعضهما البعض في صراع شخصيّ بصرامة لكنه يمثّل أيضًا بصرامة صراع مجموعة اجتماعيّة؛ إذ يواجه رجل المضرب الفرديّ راميًا فرديًّا. لكن كل منهما يمثّل فريقه. وقد يكون الإنجاز الشخصيّ نابعًا من أقصى درجات الكفاءة أو التألّق. والقيمة النهائيّة هي ما إذا كان هذا الإنجاز يساعد الفريق على النصر أو تجنّب الهزيمة». ووفقًا لجيمس، «يجب أن يسعى الروائيّ، ومصمّم الرقصات، إلى جعل شخصيته الفرديّة رمزيّة لكلٍّ أكبر. وقد ينجح وقد لا ينجح»، لكن «رجل المضرب الذي يواجه الكرة لا يمثّل فريقه فقط. إذ في تلك اللحظة، بكل المقاصد والأهداف، هو فريقه».
كل هذا جزء من «علاقة أساسيّة بين الواحد والكثرة، الفرديّ والاجتماعيّ، الفرديّ والعماليّ، القائد والأتباع، الممثّل والمنظومة، الجزء والكلّ... وهكذا فإن اللعبة تقوم على أساس دراميّ، الإنسان، العلاقة المعترف بها عالميًّا على أنها الأكثر انتشارًا من الناحية الموضوعيّة والأشدّ تحفيزًا من الناحية النفسيّة في الحياة، وبالتالي في هذا التمثيل المصطنع لها الذي هو الدراما». وتتميز اللعبة بالطقوس، والروتين، والانتظام. فكل حلقة من صدّ الكرة ومن رميها تضيف إلى التوتّر الدراميّ من خلال «إمكانية هائلة للتوقّع والإنجاز». وحسب جيمس، لا تقترب أيّ لعبة من لعبة الكريكيت في هذا الصدد إلا لعبة البيسبول، ولكن هيكل لعبة الكريكيت يضمن مستوى من المشاهد يكون أكثر أهمّيّة من النتيجة النهائيّة (باستثناء لعبة الكريكيت الدوليّة، بكل ما تتضمّنه من مضامين قوميّة).
يولي جيمس اهتمامًا خاصًّا بجماليّات ضربة الخفافيش bat stroke، وتماشيًا مع انشغاله بالقدرة الإبداعيّة لدى المحرومين، يتذكّر ذكريات طفولته عن لاعب مخصوص جسّد تمثيل جيمس للرياضة كفنّ، وهو ماثيو بوندمان Matthew Bondman. فكما يتذكّر جيمس، «عندما تعبتُ من اللعب في الفناء جلستُ على الكرسيّ بجوار النافذة. وظللتُ أشكّ لعدّة سنوات في أنني كنت أعرف ما كنت أبحث عنه بالتفصيل. لكن هذه المشاهدة من النافذة شكّلت واحدة من أقوى انطباعاتي المبكّرة عن الشخصيّة في المجتمع. كان اسمه ماثيو بوندمان وكان جارنا».
بالنسبة إلى جيمس، يُعتبر بوندمان مثالًا نموذجيًّا على ""الرجل الحافي"" -وهو شخصيّة تمثيليّة للطبقة الدنيا الكاريبيّة- العاطل عن العمل والمتّسخ دائمًا ولا ينفر من استخدام تعبيرات بذيئة. ووفقًا لأعراف الاحترام الراسخة بعمق؛ أي الأخلاق والعادات الفيكتوريّة-الإدوارديّة الموروثة في ترينيداد، لا يمكن اعتبار بوندمان إلا شخصيّة قذرة ودخيلة. لقد جادلت سيلفيا وينتر Sylvia Wynter بأن بوندمان يمثل ما يعادله في الهند الغربيّة، أي القرويّين الذين أرسلوا من أجل عمل شاقّ في أرخبيل غولاغ Gulag Archipelago الستالينيّة، أو المحرومين في مدن أمريكا الداخليّة، و، كما قد نضيف، السجون. لكن هذا الوصف لبوندمان تتفوّق عليه ذكرى أخرى محفورة في ذهن جيمس: «لأن ماثيو كان عاطلًا، وشخصيّة فاسدة في الواقع، لم يكن لديه إلا نعمة واحدة، ماثيو يمكن أن يضرب ضربة الخفّاش. والأكثر من ذلك، لأنه كان فظًّا ومبتذلًا في كل جانب من جوانب حياته، كانت ضربته الخفّاشيّة هي النعيم والأناقة. عندما كان يتدرب في فترة ما بعد الظهر مع النادي المحليّ ظل الناس يشاهدونه ويبتعدون عندما ينتهي. كان لديه ضربة معينة يلعبها من خلال النزول إلى أسفل على ركبة واحدة... وكلّما نزل وضربها تسمع كلمة ""آه!"" الطويلة والمنفخضة من العديد من المشاهدين، وروحي الصغيرة تبتهج من تقدير الناس له وفرحتهم به». إن بودمان، صاحب ضربة الخفّاش، في نظر جيمس، هو فنّان رائع، وربما باستثناء توصيفه لأسطورة الكريكيت الإنجليزيّة وليام غلبرت غريس W.G. Grace، فإن تصويره النابض بالحياة لبوندمان منقطع النظير. إن بوندمان هو رجل المضرب بامتياز، الذي يجسّد غاية جيمس الثابتة: ما يسمى ""الناس العاديين""، مجتمع المحرومين، الذين يمتلكون القدرة الإبداعية على تحقيق ما هو استثنائيّ. يعود الفضل اللا متناهي لجيمس في أنه أنقذ بوندمان الذي نُبذ بطريقة أخرى، وأمثال بوندمان في العالم، من سلّة مهملات التاريخ، وهذا يتّسق مع انشغاله الشديد بالمحرومين.
لقد كان جيمس بارعًا متعدّد المواهب، وقدّم مساهمات فكريّة فريدة في مجالات الرياضة والفلسفة السياسيّة والتاريخ والأدب والنقد الأدبيّ والنظريّة الماركسيّة. وقد أمضى سنواته الأخيرة في بريكستون Brixton، في لندن. وتوفّي في مايو 1989، قبل أشهر فقط من انهيار الكتلة السوفييتيّة، الأحداث التي استبقها، من نواحٍ كثيرة، نقده للاستبداد السوفييتيّ. ودفن في موطنه الأصلي ترينيداد.
يُدرّس ديفيد أوستن David Austin في قسم الإنسانيّات والفلسفة والدين في كلّية جون أبوت John Abbott، وفي معهد دراسة كندا Study of Canada، جامعة ماجيل McGill، مونتريال.
