يخبرنا ديل ديباكسي كيف أحدث لودفيغ فويرباخ ثورة في الفلسفةَ ولم يُنسب إليه في ذلك فضل.
كثير من الناس يَعُدُّون لودفيغ فويرباخ القنطرة الرماديّة، بل الضروريّة التي تفصل بين حجري أساس هيجل وماركس في صرح الفلسفة الحديثة. يُطارد مصطلح: «شخصيّة انتقاليّة» أعمال فويرباخ كما لو أنَّ الرجل أشبه بشخصية المُقدِّم الذي يحتل خشبة المسرح إلى أن يبدأ العرض الحقيقيّ. ذلك ليس مَصيرًا يليق بالرجل الذي أحدث نقده للدين ثورةً في اللاهوت الفلسفيّ، والذي شنَّ بعد ذلك حربًا شعواء على الفلسفة ذاتها بصورة لا تقل دراميّة في كل تفاصيلها عن انتقادات ماركس ونيتشه في وقت لاحق من القرن نفسه.
وُلِدَ فويرباخ في ٢٨ من يوليو عام ١٨٠٤م في لاندشوت، ببافاريا، لإحدى تلك العائلات الألمانيّة الكبيرة المتنوّرة الليبراليّة التي ازدهرت ازدهارًا إيجابيًّا في عصر ما قبل بسمارك. وكان من إخوته فيلولوجيّ، ورياضياتيّ، وأركيولوجيّ، وقانونيّ. لهذا ليس من العجيب أن يذيع صيت لودفيغ لاحقًا بوصفه الرجل الذي كان شعاره إمكانات النوع الإنسانيّ وتنوعه اللانهائيَين.
ودخل فويرباخ مثل كثير من مُفكري عصره إلى عالم الفلسفة من بوابة اللاهوت؛ حيث التحق بجامعة هايدلبرج عام ١٨٢٣م طالبًا للاهوت، لكن سرعان ما جذبته مدينة برلين والرهانات الفلسفية الكبرى التي خاضها شلايرماخر وهيجل اللذان حاضرا هناك. وقع فويرباخ في أسر قُدرة هيجل على شرح منظومته الفلسفيّة العملاقة من حيث نضال النوع الإنسانيّ الجمعيّ في فَهم ذاته. ورغم أنه سيمضي مُعظم حياته يبيّن بحماسٍ الضررَ الذي ألحقته الهيجلية بالبشريّة، إلا أنَّ فويرباخ لم يتحرر تمامًا من أسر فكر الرجل العظيم [هيجل].
ظل فويرباخ خمس سنوات يبحث عن وظيفة جامعية دائمة، فلم يجد، فنشر عام ١٨٦٠م - أفكارًا حول الموت والخلود، وهو هجوم لاذع، وساخر، وصريح على التصوّر المسيحيّ عن الخلود الشخصيّ. لك أن تتخيله ضاحكًا، وهو يكتب سطورًا من قبيل: «يقوم اللاهوت التَّقَويّ أو اللاهوت المُتصوِّف الحديث كله على لعبة كُرة؛ حيث يقذف الفرد نفسه بعيدًا فقط من أجل أن يعاود الله قذفه مُجددًا. فهو يتواضع أمام الله فقط من أجل يتعاظم فيه. إنَّ فقدانه ذاته مُتعة ذاتيّة، وتواضعه تمجيد للذات. إنه يغمس نفسه في الله؛ فقط لكي يخرج سليمًا، مُنتعشًا وجديدًا؛ ليدفئ ذاته في شمس فضيلته». هذه بلاغة فويرباخيّة كلاسيكيّة. قَلْب قاطع للنظام المعروف بغية إعادة أعظم تصوّراتنا عن الله إلى منشأها الأرضيّ.
كان نشر ذلك النوع من نقد الفكر الدينيّ التقليدي خطيرًا بصورة لا تصدق في مناخ يزداد رجعيّة حينئذ؛ لهذا نشره فويرباخ تحت اسم مجهول، وهذا لم يمنع عقابه رغم أنه أُجِّل؛ فما إن كُشفت هوية الكاتب الأصليّة حتى أوصدت الأوساط الأكاديميّة أبوابها أمام وجهه بشدّة، واضْطُرَّ أن يحيا بقية حياته في فقر مدقع.
ظل فويرباخ سبع سنوات يكتب من أعماق الفقر، فقدَّم لتاريخ الفلسفة ثلاثة أعمال تتضمن إعادة اعتبار لراهنية فِكر سبينوزا ولايْبنِتس؛ إذ كان هذان المُفكران يُمثلان لفويرباخ تحولًا حاسمًا في تاريخ الفكر؛ إذ إنَّ أفكارهما الواحديّة الوجوديّة pantheistic عن الإله بوصفه عقلًا يسكن الخليقة كلّها، أو يُكافئها، قد مهدت الطريقَ أمام تصوّر واسع الثراء للألوهيّة، ومتناقض تناقضًا محيّرًا، ويوجز فويرباخ القول بعد ذلك في مبادئ فلسفة المستقبل (١٨٤٣م)، فيقول: «وحدة الوجود هي الحقيقة المُجرَّدة لمذهب التّأليه theism. إنَّ جميع تصورات مذهب التّأليه متى تُدرَك، وتؤخذ بقوَّة، وتُطبَّق، وتتحقق، لزم أن تؤديَإلى مذهب وحدة الوجود». رغم أنه كان يعتقد أنَّ توحيد كل الفكر والمادة في الألوهية يحمل دلالة هدميّة؛ لأنَّ «وحدة الوجود إلحاد لاهوتيّ» - بالمساواة بين الإله والعالَم، فإنَّ وحدة الوجود تمكّن الإنسانية من تبيّن أنَّ مفهومنا عن الألوهية هو اغترابنا عن طبيعتنا، ذلك الإدراك يمثل نهاية المرحلة الأولى من اكتشاف الإنسان لذاته.
تبدُّد المسيحيّة.
خُفِّفَتْ بعض أحماله الماديّة بزواجه من بيرتا لوف عام ١٨٣٧م التي كانت تملك مصنع خزف، حيث ضمنت ثروتها الراحة والدفء لأسرة فويرباخ ذلك حتى إفلاسها عام ١٨٦٠م. ومن ذلك الوضع المُستقر نسبيًّا سدَّد فويرباخ سلسلةً من الضربات الشديدة في قلب الفلسفة التقليديّة؛ فقد تخلى عام ١٨٣٩م عن الهيجلية في نقد الفلسفة الهيجلية، ورأى أنَّ مستقبل الفلسفة ليس في التأمل الهيجليّ المُجرد المثاليّ عن طبيعة العالَم بوصفه عقلًا كليًّا، وإنما في التقييم الماديّ الأنثروبولوجي. ثم نشر عام ١٨٤١م عمله الرئيس: «جوهر المسيحية».
لقد ضَمَنَ فويرباخ بهذا الكتاب خلوده في بانثيون الفلاسفة؛ فقد بيّن فويرباخ فيه بعد عناء شديد أنَّ صفات الإله ليست سوى تمثُّلات الوجود النوعي الإنسانيّ، فالله هو الكيفية التي تصوّر بها البشريّة ذاتها، بوصفها كلًا لذاتها - فعلً تغريبيًّا كان ضروريًّا من أجل تجاوز الفرديّة القحّة، ولكنَّ زمانه قد انتهى. فهو يقول: «يرى الإنسان طبيعته أولًا خارجة عن ذاته، قبل أن يعثر عليها في ذاته، فهو يتفكر في طبيعته في المقام الأول بوصفها تعود لوجود آخر غيره [الله]. إنَّ الدين هو الطور الطفوليّ للبشريّة». يوضح فويرباخ أنَّ الكمالات التي يحوزها الكائن الإلهيّ هي نتاج شعورنا بأبدية جهودنا الجماعية، وهو ما يقتضيه عقلنا الذي يتطور بلا حدّ.
لقد نجونا بسبب قدرتنا على فعل الخير، وقد سعدنا بهذه القدرة كثيرًا حتى جعلنا منها مثالًا، وأنكرنا وجودها في ذواتنا إنكارًا عظيمًا، ورفعناها في السماء بوصفها صفة للإله. لقد أنكرنا على ذواتنا الخير الشخصيّ من أجل توقيره، وقد صرنا بمرور الوقت مقتنعين تمامًا أنَّا لا نصلح لاصطفاء الله، وقد نسينا أنَّ وجود الخير ذاته كصفة إلهيّة إنما يدلّ على خير وجودنا النوعيّ الأساسيّ. حتى إنَّ اللاهوتي كارل بارت Karl Barth الذي نصح بأنَّ أفضل طريقة لنقد فويرباخ هي أن «تضحك في وجهه» وجب عليه الاعتراف بأنَّ «مهاراته اللاهوتيّة في كتاباته -على الأقل حول الإنجيل، وآباء الكنيسة، لا سيما لوث- تضعه في صدارة أكثر الفلاسفة المُحْدَثِين»، وأنَّ «ما من فيلسوف في زمانه قد لخص الوضع اللاهوتي المُعاصر بدقة مثلما فعل»، وذلك ما تستشعره عند قراءة جوهر المسيحيّة؛ فإنها كلمات رجل جعل التّأمل في الدين مشروع حياته، مقدمًا إلينا تصوراته العزيزة في سيكولوجيا الدين.
تبدُّد الفلسفة.
إنَّ ""جوهر المسيحية"" كتاب عظيم الأهمية، مملوء بسطور يلذ اقتباسها مثل: «يُرَوِّعُك إلحاد قلبك»، لكنَّ هذه ليست سوى الخطوة الأولى من ثورة فويرباخ. فما إن حررتنا الفلسفة من تجريدات الدين -كما يقول فويرباخ- حتى طمست خصالنا أسفل طبقة تجريد أخرى أشد وطأة. ويخلص من ذلك إلى أنه لا يسعنا التحرر حقًّا من اغترابنا الذاتيّ بغير الخلاص من ربقة هذه الفلسفة.
ويُقيم حجته في الكتابين اللذين يليان جوهر المسيحية: ""أطروحات أولية لإصلاح الفلسفة"" ١٨٤٢م، و ""مبادئ فلسفة المستقبل""؛ حيث تحول فويرباخ إلى أسلوب الشذرات الذي يقترب من الحدّة النيتشوية الأولى في تصوير معرفتنا الذاتيّة التي توارت قرونًا طويلة عن الأنظار حتى أنقذتها الفلسفة. لكنَّ الفلاسفة -عند هذه اللحظة- بدلًا من إعادتها إلى الإنسانيّة نظروا بإمعان لِما بين أيديهم، وقالوا في أنفسهم: «لن تفلح هذه أبدًا، لكنا سنصلحها لك تمامًا؛ فلا تقلق». وراحوا -باسم الاتّساق- يجردونها من كل خصلة إنسانيّة. وأضحى الأمر بعد ذلك أسوأ من ذي قبل؛ فعلى الأقل مع الله كان ثمة شيء نميّز فيه أنفسنا في حين أنَّ الفلسفة المثاليّة كالتي تمثلها فلسفة هيجل، أخذت كل ما هو ضد الشّعور بالذات وغذّته بما يفوق إدراكنا.
لكنَّ فويرباخ ينطلق في مسار جديد، وبهذا يرسم مَعالِم فلسفة نصف القرن التالي: «ينبغي إذن ألَّا يكون المَبدأ المعرفي للفلسفة الجديدة وموضوعها، الأثرة، ولا المُطلق، ولا العقل المُجرد، وباختصار ليس العقل لذاته فحسب، وإنما الوجود الإنسانيّ الواقعيّ والكليّ. الإنسان وحده هو الواقع، وموضوع العقل. الإنسان هو الذي يفكر، لا الأثرة ولا العقل. لهذا، فإنَّ الفلسفة الجديدة لا تقوم على فكرة الألوهية، أعني الحقيقة، فكرة أن العقل لذاته فحسب؛ بل إنها تقوم على... حقيقة الإنسان الكليّ».
أطلق فويرباخ نداءه الثوري، وقد كانت الاستجابة مُباشرة ومملوءة حماسًا؛ إذ كان ماركس وإنجلز أوائل المستجيبين، ورغم أنهما أخذا على فويرباخ أنه لم يخط بمنهجه الماديّ خطوة أبعد إلا أنَّ من المؤكد أنَّ عملهم الثوريّ امتداد لاهتمامات فويرباخ التأسيسيّة بمشروع الفلسفة ما بعد المثاليّة.
وأخذت حياة فويرباخ تتراجع مع فشل الإصلاح الثوري في ألمانيا عام ١٨٤٨م، تراجعًا ملحوظًا، بل زاد الأمر سوءًا اشتياقه إلى يوهانا كاب الفتاة التي يكبرها بسنين كثيرة، ومداهمة رجال الشرطة لمنزله بحثًا عن مواد حارقة. وقد وضع كتابه الضخم: ""ثيوغونيا"" ١٨٥٧م، حيث توسّع في أفكاره الدينية إلى ما وراء المسيحية حتى تضمَّنت الديانات الكلاسيكيّة والعالميّة. ولكن لمَّا أفلس مصنع زوجته عام ١٨٦٠م قضى فويرباخ آخر ثنتي عشرة سنة من حياته مُفلسًا إفلاسًا كبيرًا، فهو يقتات على المعونات، وابتعد عن التيارات الفلسفيّة المُعاصرة، ودائمَ السقم.
لقد دمّر فويرباخ مَساره المهنيّ عام ١٨٣٠م بكتاب أفكار حول الموت والأزلية، وهو كتاب تضمّن نقدًا جذريًّا لسيكولوجيا الدين مع مَقاطع شعريّة كلّها مكتوب ببلاغة نبيّ. وتوفي فويرباخ بعد مرور أربعين سنة، في إحدى أعظم لحظات التسليم في التاريخ، وذلك في العام نفسه الذي أصدر فيه شاعر مُتدفق نفسانيّ الفيلسوف النبيّ الجديد فريدريش نيتشه، كتابَه الأوّل: ""مَوْلِد التراجيديا"". وما كان رحلة استكشافيّة خارج ربوع الهيجلية قد أضحى -بسبب جهود فويرباخ إلى حد كبير- هجومًا ثوريًّا خلال حياته ضدّ عمل الفلسفة نفسها.
إذا كنا جيلًا من الفردانيين المهووسين بذواتهم، فربما يعود الفضل في ذلك بمميزاته وعيوبه، إلى اللاهوتيّ البافاريّ الذي كان مشروع حياته أن يعيدنا إلى ذواتنا.
© ديل ديباكسي، ٢٠١٤م.
يكتب ديل ديباكسي «تاريخ المذهب الإنسانيّ» على موقع TheHumanist.com، وهو كاتب منتظم في مجلتَي: ""البحث الحر"" و ""الإنسانيّ الجديد""، ومؤلف مشارك في الويب كوميك للتاريخ والفلسفة"" الذي يصدر مرتين أسبوعيًّا: ""فريدريك الأكبر: كوميديا بالغة الأسى"".
إذا أردت الاستزادة، نقول: إنَّ العثور على أعمال مكتوبة باللغة الإنجليزية حول فويرباخ وفكره حصرًا مهمة شاقة إلى حد ما؛ لأنَّ الاهتمام الفلسفيّ غير القاريّ [الأنغلوسكسونيّ] بالرجل يُركز عليه بصفته شخصية انتقالية من هيجل إلى ماركس. وأفضل العناوين التي ستجدها كتاب: ""فويرباخ"" (١٩٧٧م) لمارك وارتوفسكي Mark Wartofsky رغم انحيازه في الحكم على استعمال فويرباخ للجدل [الديالكتيك] وقضايا فلسفية أخرى شبيهة تخصصية لا تهم القارئ العام. لهذا فإنَّ أفضل سبيل للبدء قراءة أعمال فويرباخ. وكتاب ""فلسفة المستقبل"" صغير الحجم وشيق وطريف ما يجعله خير بداية. يأتي بعد ذلك كتاب جوهر المسيحية بصورة طبيعية، مع أنني أحذرك من ترجمة جورج إليوت التي تُعد جيدة عمومًا، ولكن مليئة بالمصطلحات الإنجليزية الكلاسيكية المشتتة التي يجب التغاضي عنها إذا كنت تود إتمامه.
