في البداية، أودّ أن أكشف أوراقي معلنًا موافقتي على أن ميدجلي قد أجابت على السؤال إجابة صحيحة بشكلّ عامّ. لديّ بعض التحفظات على الإجابة ولكنها صحيحة في جوهرها، فقد خلُصت ميدجلي إلى أن الفلسفة تقف على قمة الطرق العديدة التي يمكننا بها أن نفكر في العالم ونتحدّث عنه؛ لأنها ترسم الكيفية التي تترابط بها طرائق التفكير هذه مجتمعة، وكيف أنها قد تنسجم مع بعضها أو العكس. ويقدم لنا الكتاب مجموعة محيرة من الرؤى والمواقف حول العالم ومكاننا فيه. تخيّل أنّ لدينا طائفة متنوّعة من خانات التصنيف، وأن الفلسفة تقدّم لنا بنية أو دليلًا يرشدنا في تسكين وترتيب المواقف الفكريّة في الخانات المناسبة لها وبطريقة منظّمة نوعًا ما. وتلخّص ميدجلي نظرتها الشخصيّة للفلسفة قائلةً: «إنها تفسر العلاقات بين مختلف طرق التفكير وترسم المسار الذي يمكن أن يسلكه الفكر» (ص 21).
ولهذا الدليل، أي الفلسفة، وظيفتان متصلتان إلى حدّ كبير؛ إحداهما هي تنظيم الفكر في ""كلّ"" من نوع ما، والأخرى هي التصدّي لانغلاق المرء على وجهة نظر واحدة بحيث يتوقف عن الاهتمام بوجهات النظر الأخرى. وهذا لا يعني أن نقبل جميع الآراء باعتبارها آراء مبرّرة أو صحيحة بالقدر نفسه -فهي ليست بابًا مفتوحًا أمام النسبية- بل يعني أن نعرف كيف نضع رؤًى معينة داخل بناء فكري أكبر. وهذا الترتيب المنظم للأفكار والآراء هو عملية مستمرّة بلا نهاية، نتيجة لظهور طرائق جديدة للتفكر في العالم ومكاننا فيه. وهذا ما يفسر سبب تحفّظ ميدجلي النسبيّ في مسألة ما إذا كانت الفلسفة تحقّق تقدمًا أم لا؛ فمن ناحية، لا تحقّق الفلسفة تقدمًا لأنها لا تُمثّل تنقيبًا تراكميًّا عن الحقائق الأساسيّة كما يحدث في العلوم. ولكن ميدجلي تقول: إن الفلسفة تحقّق شيئًا يمكن تسميته ""تقدم"" كونها تُكيّف وضع المواقف وطرق التعبير عن العالم مع اختلاف الأزمنة. وهكذا لا يوجد تقدّم بالمعنى الخطّي نحو «نقطة نهاية شاملة متوخّاة»؛ ولكن يمكننا القول بأن التقدم يحدث في صورة حركة مع الزمن. بَيْدَ أنه لم يحدث أبدًا أن تمّ تجاوز أو إهمال أيّ موقف فلسفيّ بشكل كامل؛ لأننا نجد الأفكار نفسها تظهر مرارًا وتكرارًا في أشكال مختلفة.
وتنتقد ميدجلي بوضوح نزوع الفلسفة حديثًا إلى صياغة نفسها على غرار نموذج العلم، كما لو كانت المقالات الفلسفيّة عن الصدق مثلًا تُشبه ممارسات البحوث العلمية المشتركة التي تهدف إلى علاج السرطان. ولا بدّ أن أؤكّد هنا أن ميدجلي ليست ضدّ العلم بأيّ شكل من الأشكال، بل هي أبعد ما تكون عن ذلك؛ لكنّها ترى أنه يجب ألّا ننظر إلى العلم باعتباره الطريقة الوحيدة للتفكير في العالَم والتعبير عنه، وأن صوغ الفلسفة على هذا النحو سيكون ضربًا من العلمويّة scientism، وهي النوع الجديد من ""المسكّنات"" الذي لا يرى أن نطاق العلم قاصر، وأن نتائج العلم محدودة، وأنه لا يشمل جميع المعارف الممكنة للإنسان.
وينبغي على الفلاسفة التوسّع في مجالات اهتماماتهم بدلًا من التوسّع في المعرفة في مجالات أقلّ، فالفلسفة توسّع الرؤى المختلفة ومختلف طرق التفكير في العالم بحيث لا ينبغي بأية حال أن تسمى الجامعة جامعة حقًّا ما لم يكن بها قسم للفلسفة على حدّ قول ميدجلي.
وهذا الرأي عمّا يجب أن تكون عليه الجامعة هو اتّهام قاسٍ ولكنه صحيح، فهو يتّفق مع الادّعاء بأن الفلسفة بعيدة عن أن تكون ترفًا عاطلًا (أو حتى ترف الشخص العاطل)، وأنها ضروريّة لصحّة الفكر واستنارته ولتبادُل الأفكار والتفاعل بينها، وهي في الواقع شبه حتميّة لجميع الناس باستثناء ذوي الأفق الضيّق المستعصين على التنوير والمنغلقين أيديولوجيًّا.
وعلى طول الكتاب تُعالج ميدجلي مشكلتَيْنِ فلسفيّتَيْنِ أساسيّتَيْنِ، هما طبيعة العقل ومشكلة حريّة الإرادة. وهنا أيضًا تبدو لي رؤية الكاتبة جيّدة وتسير في المسار الصحيح؛ فهي تبدأ مسارها بالإشارة إلى أن ما يسمى «مشكلة الوعي الصعبة» (وهي: كيف يمكن للفعاليّة الفيزيقيّة لخلايانا العصبيّة أن تنتج خبراتنا؟) هي مشكلة صعبة؛ لأنها عادةً ما تتمّ صياغتها في ضوء طريقة ماديّة معيّنة للحديث عن العالَم، وهو ما يترك عقولنا في حيرة أمام اللغز الصعب الذي يقول: كيف يمكن أن تنشأ ظاهرة الوعي الذاتيّ من «قطعة من اللحم»؟ (وحتى هذا التعبير خاطئ؛ لأنّ اللحم ""ميّت"" كما تشير ميدجلي). ووجهة نظرها هي أنه من الممكن تجنُّب هذه الطريقة في طرح المشكلة بمجرد أن نتبنّى نظرة فلسفيّة، ونُدرك أن الماديّة ""العلميّة"" المفترضة ليست سوى طريقة واحدة للحديث عن العالَم، وأن طريقة الحديث عن العالَم استنادًا إلى الوعي الذاتيّ نفسه هي طريقة صالحة بالقدر نفسه، فالأمر أشبه برؤية من منظور مختلف أو طرح مجموعة مختلفة من الأسئلة. وهذا يوضّح بالضبط أن دور الفلسفة هو تبنّي طريقة واحدة للحديث وطريقة أخرى للحديث في كلتا اليدَيْنِ ودمج الاثنتَيْنِ مع بعضهما، ممّا يسمح لنا بالتفكير في المشكلة بطريقة أكثر استنارة، بدلًا من العمل من داخل موقف واحد ببطء دون جدوى وعلى غير ضرورة.
الآن هناك بعض التحفّظات الثانويّة التي لن يقوّض أي منها صوابيّة ما تقوله ميدجلي عن غاية الفلسفة. وأحد هذه التحفّظات هي مسألة تأطير السؤال ذاته، لا سيّما فيما يتعلّق بدلالات كلمة ""لماذا/ for"" الواردة في عنوان الكتاب، إذ ربّما يجوز السؤال حول ما إذا كانت الفلسفة يجب أن تكون لأجل أي شيء أم لا، بدلًا من القول إن غايتها هي مجرّد شيء. إن ميدجلي محقّة في رأيها حول دور الفلسفة في تصنيف الطيف الكبير من طرائق التعبير عن العالم والربط بينها، إذا تمّ الدفع بهذه الفكرة بقوّة أكبر مما يجب فإنها تُقلِّل من الأهميّة الجوهريّة للمشكلات الفلسفيّة، بل وربما تغفلها. ولقد عبّر ألفرد جول آير عن هذه المسألة بإيجاز في نهاية كتابه «المسائل الرئيسة في الفلسفة» (الصادر عام 1975)، حيث قال: إن الفلسفة بالطبع قد تخدم أشياء خارج ذاتها، حتى إنها قد تغيّر الأشياء (وهو ما فعلته بلا شكّ ولا تزال تفعله)، ثم يتابع ليقول: ""ومع ذلك، فإن هذا ليس مصدر سحرها بالنسبة لمعظم أولئك الذين يمارسونها؛ إذ تكمن قيمتها بالنسبة لهم في أهمّيّة الأسئلة التي تطرحها والنجاح الذي تحققه في الإجابة عليها"".
هناك القليل من الهَنَات في الكتاب التي نصادفها في مواضع بسيطة، وهي تتعلّق أساسًا بعلم الاقتصاد حيث تبدو معرفة ميدجلي متقلّّبة كثيرًا وآراؤها تقليديّة تتبع منظورًا معيّنًا يمثّل اليسار الليبراليّ. وفي هذه الحالة تبدو ميدجلي غير قادرة على تحقيق ما تدعو إليه، وهو الإفلات من منظور مغلق نسبيًّا. وينطبق النقد ذاته على آرائها البيئيّة، بحيث يجوز القول بأن آراءها الشخصية في كلتا الحالتين تهزم فلسفتها. كما تنزع ميدجلي في الكتاب إلى الرجوع إلى الخلف بشكل متكرّر مع الميل إلى ترك الموضوع الأساسيّ والاستطراد في موضوع آخر.
ولكن هذه جميعًا مماحكات طفيفة، فالكتاب لا يتّصف بالكمال، ولا أحد ينتظر فيه الكمال. إن رسالة الكتاب مهمّة للغاية وصحيحة في جوهرها بحيث لا يؤثر فيها شيء من هذه العثرات. وعادة يكون من المبتذَل أن نقول: «لا ينبغي لأيّ شخص مفكّر ذكيّ أن يفوته قراءة هذا الكتاب»، أو أن «أيّ شخص مفكّر ذكيّ سيستفيد من هذا الكتاب»، ولكن هذه العبارات تنطبق على كتابنا هذا.
©الدكتور جون شاند 2021
جون شاند زميل فخريّ في الفلسفة في الجامعة المفتوحة بالمملكة المتحدة، ومن بين الكتب التي ألّفها كتاب «الفلسفة والفلاسفة: مدخل إلى الفلسفة الغربيّة» (من إصدار روتليدج، 2002)،
