القائمة الرئيسية

رينيه ديكارت: يوغانيّ؟

رينيه ديكارت: يوغانيّ؟
ملخص المقال

تربط المقالة بين فلسفة رينيه ديكارت وممارسات اليوغا، مشيرةً إلى أن ديكارت كان ""أبو الفلسفة الحديثة"" لكنه أيضًا كان يقترب من ممارسات التأمل التي تشبه تقنيات اليوغا في سعيه لفهم النفس والعقل. يبدأ ديكارت في ""تأملاته"" بطرح الشك في كل شيء للوصول إلى اليقين، وهي خطوة تشبه تمرينات اليوغا التي تهدف إلى تصفية العقل والتحرر من الانطباعات الحسية الزائفة. من خلال التركيز على التأمل الداخلي، يعزز ديكارت مفهوم ""أنا أفكر، إذن أنا موجود"".

بحسب تقديري، كان الفرنسي ""رينيه ديكارت""(1596-1650) أحد أعظم الفلاسفة في التاريخ وغالبًا يطلق عليه ""أبو الفلسفة الحديثة "" ولكن أيضًا هو مدرّب يوغا رائعٌ؛ إذ كان يجلس في غرفته ويبدأ بتأمّل ألغاز العقل، وهو المنهج الذي تتّبعه اليوغا من أجل الوصول إلى المعرفة والحكمة.

ديكارت كان رجلًا متأثّرا بالعصر الذي عاش فيه، حيث حكم الملك لويس الثالث عشر فرنسا في الفترة الأساسيّة من حياته. بدأت محاكم التفتيش أيضًا في فرنسا في القرن الثاني عشر؛ كان هدفها منع الانشقاق العقائديّ في داخل الكنيسة الكاثوليكيّة وكانت لا تزال قائمة في أيّامه، حيث إنّ تبني أفكارًا معيّنةً تخالف التعاليم يؤدي إلى النفي أو السجن أو الموت. كان الإيمان بمنظور الكنيسة للعالم مهمًّا لسلامة الفرد. بصفته مفكّرًا بارزًا وكاثوليكيًّا متديّنًا، خضع ديكارت لمراقبة سلطات الكنيسة التي كانت تخشى أيّ تهديد قد تشتمل عليه تعاليمه.

في عام 1663، وضعت الكنيسة الكاثوليكيّة أعمال ديكارت في فهرس الكتب المحرَّمة وكان يحرم على الكاثوليكيّ حيازة الكتب أو طبعها أو قراءتها. ولكن كما يقال، فإنّ القلم أقوى من السيف. ازدهرت تعاليم ديكارت وتراجعت العقليّة الضيّقة التي سعت إلى تهميش أفكاره حتّى توقّف نشاطها في عام 1966.

بصفتي ممارسًا لليوغا طوال حياتي، فقد ألهمتني أفكار ديكارت العميقة وأشعر أنّ تعاليمه تبرّر لماذا على المرء أن يمارس اليوغا. كما أشعر أيضًا أنّه ترك منهجيّة موجزة في التفلسف يمكن أن تجعل الإنسان يصل إلى أعمق مستويات الفهم. لاستكشاف هذه التعاليم، خصوصًا في تعالقها واليوغا، سأعتمد على نصوص الكلاسكيّة من كتابَيْه تأمّلات في الفلسفة الأولى (١٦٤١( ومبادئ الفلسفة (١٦٤٤(. 

 

ديكارت اليوغانيّ ؟

اليوغا: هي تقليد فلسفيّ قديم ومجموعة من الممارسات الروحيّة التي لا تزال شائعة حتّى اليوم. إنّ تعاليم اليوغا الأساسية تكمن في اليوغا سوترا، وقد جمعها الحكيم الهنديّ باتنجالي في مرحلة زمنيّة قريبة من ظهور المسيح. اليوغا الكلاسكيّة تمتلك ثمانية أوجه:

1-الأوامر الأخلاقية (كتجنّب الأذيّة)

2-التصرّفات أو الأفعال (كمحاولة عيش حياة مثاليّة)

3- التمرينات الجسديّة

4- التحكّم بالنَّفَس 

5- محاولة تفعيل الحواسّ الباطنيّة 

6- التركيز 

7- التأمّل 

8-التفكّر 

إنّ قدرة الإنسان على تفعيل المشاعر الباطنية تسمّى في السنسكريتيّة ""براتياهارا"". وهي فعل نمارسه دون وعي كلّ ليلة حين نحاول أن ننام ونحلم إلّا أنّ ممارستها عند الوعي في اليوغا تعتبر تحديًا للنّفْس. 

نلاحظ في افتتاحية ديكارت الثالثة من التأمّلات الجمل التالية: ""الآن، سأغمض عيني وأصمّ أذني، وسأعطّل حواسّي كلّها..."" هذا ما أحاول القيام به في كل مرة أجلس فيها للتأمل من أجل الوصول إلى أعمق درجات المعرفة. ولكن ديكارت لا يقف عند هذا الحدّ بل يعود ليقول: ""سأمحو من فكري صور الأشياء الجسيمة جميعًا، أو على الأقلّ سأعدّها باطلة زائفة، ما دام محوها عسيرًا. وسأبذل جهدي حين أخلو إلى التحدّث إلى نفسي وأعكف على النظر إلى طبيعتي، في أن تزيد على التدريج معرفتي لنفسي وعشرتي لها"".

أن يتعرف المرء على نفسه وأن يسبر أغوارها، هما أيضًا هدفان من أهداف اليوغا. كما يشير ديكارت قائلًا: ""أخلو إلى التحدّث إلى نفسي"". هذا يحدث فقط عندما نصل إلى أعلى درجات الصفاء الذهني. يتحقّق ذلك من خلال التحكم بالَّنفَس والولوج إلى جوهر أو باطن العقل. من الواضح أنّ ديكارت يملك قدرات اليوغاني؛ فهو يعمل على تفعيل العقل الباطني للوصول إلى أعلى درجات المعرفة للذات والله معًا.

لقد جَمعتُ من كتابات ديكارت فقرات سبعة مرقّمة تمثّل جوهر اليوغا وتعاليمها؛ ومع أنّ هذه الفقرات متسلسلة، ولكنّى حاولت أن أنحرف عن هذا التسلسل من دون أن أنحو مسلكًا قد يسلب كتابات ديكارت روحها أو يحرف فلسفته. في ربط اليوغا بالفلسفة الغربيّة وتوحيد الممارسات التحوّليّة لليوغا بكتابات ديكارت التنويريّة، آمل أن أكون قد منحتك الثقة في رحلتك مع اليوغا للوصول إلى الحكمة والمعرفة. وإن كنت لا تمارس اليوغا، أكمل القراءة فإنّ ما سآتي على ذكره سيفيدك لتفهم ما تعنيه اليوغا بشكل كامل، أو على الأقلّ سيدفعك إلى خوض غمار هذه الرحلة.

 

رينيه ديكارت واليوغا سوترا:

1-""في فحصه الحقيقة، يحتاج الإنسان مرّةً في حياته إلى أن يضع الأشياء جميعًا موضع الشكّ بقدر ما في الإمكان"". إنّنا حين كنّا لا نزال أطفالًا، قد أصبنا حينًا وأخطأنا حينًا آخر في الحكم على الأشياء التي عرضت لحواسّنا حينما لم نكن قد استكملنا بعد استعمال عقولنا؛ لذا فإنّ أحكامًا كثيرة نطلقها قد تمنعنا من الوصول إلى المعرفة الحقيقيّة، إذ تتشبّث بنفوسنا تشبّثًا من المحال أن نتخّلص منها ما لم نشرع، مرّةً في حياتنا، في الشكّ في جميع الأشياء التي قد نجد فيها أدنى شبهة من قلّة اليقين. (مبادئ الفلسفة، الجزء الأوّل١)

هنا، يمهد ديكارت للخطوة الأولى في رحلة تحصيل المعرفة: استبعِدْ من ذهنك الأفكار التي كنت تعتقد أنّها صحيحة، واحتفظ بتلك التي لا يشوبها ريب.

تعتبر هذه المهمة رائعة بالفعل؛ إذ إنّ ديكارت يحاول أن يجعلنا ننسى كل ما اكتسبناه سابقًا أو ما ندّعي معرفته ومحاولة التفتيش عن المعرفة الحقيقيّة. ويشير ديكارت إلى أنّ العديد من معتقداتنا قد اكتسبناها في مرحلة الطفولة وذلك قبل أن نكتسب القدرة على التمييز بين الحقّ والباطل؛ يحاول آباؤنا أن يخبرونا عن أنفسنا وعن الحياة وقد يكونون مخطئين، نحن نميل في هذه المرحلة المبكرة إلى تصديق كلّ ما يقال لنا؛ لذا قد حان وقت استبعاد هذه الأحكام والمعتقدات.

2- ""في أن نعدّ جميع الأشياء التي يمكن الشكّ فيها غير صحيحة"". قد يكون من النافع جدًّا أن نذهب بعيدًا أكثر إلى اعتبار أنّ كلّ ما يحتمل أدنى شكّ هو غير صحيح، لأنّ هذا سيقرّبنا بجلاء من الحقائق اليقينيّة التي من السهل معرفتها. (مبادئ الفلسفة، الجزء الأوّل٢).

ما نبحث عنه هو اليقين، وهذا ما يذكّرنا بموقف بوذا عندما قرّر الجلوس تحت شجرة بودي حتى يتنوّر ويصل إلى النيرفانا. وسواء أأطلقنا على الهدف النهائي مصطلح ""نيرفانا "" أم ""اليقين"" فإنّ ذلك سيجعلنا نفحص أي شيء قد يقال لنا.

3- ""في أنّه لا ينبغي أن نستعمل هذا الشك في تدبير أفعالنا"". على أنّ هذا الشكّ لا يجب أن يستعمل إلّا حين نشرع في العكوف على تأمّل الحقيقة؛ لأنّه من المحقق أنّنا فيما يختصّ بسلوك حياتنا مضطرون -في معظم الأحيان- إلى تبنّي آراء ليست إلّا احتماليّة؛ ذلك لأنّ فرص الانشغال بشؤون حياتنا تكاد دائمًا أن تنقضي قبل أن يتيسّر لنا أن نتخلّص من جميع شكوكنا. أحيانًا ولأسباب عمليّة نجد أنفسنا، أمام مجموعة من الآراء، مضطرّين إلى تبنّي رأي ما منها دون القدرة على ترجيح بعضها على البعض الآخر. (مبادئ الفلسفة، الجزء الأوّل٣)

هنا، يوضّح ديكارت أنّ على المرء أن يكون سلسًا في التفلسف.

في القرن الواحد والعشرين قلّما نسمع كلمة ""التفلسف"" في الخطاب اليوميّ ، ولكن أشعر بأنّني منجذب إلى هذا المفهوم. عادةً يفكّر العديد من الناس بأن المصطلح يعني الجدال بين فيلسوف وآخر. ولكن بالنسبة إلى ديكارت، التفلسف هو بحث دائم في الذهن من أجل تحصيل المعرفة والوصول إلى الحقيقة. في سعينا وراء الحقيقة، من غير الحكمة أن نختار منهجًا يكبّلنا ثمّ نطبّقه في حياتنا اليوميّة. إحدى التقنيات الأساسيّة التي تساعد الإنسان في اختيار القرارات المناسبة هي التأمّل، وهذا الأخير له شروطه: أن يكون الإنسان في حالة من الهدوء فيتمكّن من استحضار الخيارات المتاحة واحدًا تلو الآخر إلى ذهنه وتصوّرها داخليًّا حتّى يختار منها ما يتناسب مع حالته، وبذلك يستطيع تحقيق السلام الداخلي.

يعتبر هذا الأسلوب ممتازًا لاتّخاذ القرارات.

4- لمّا كان غرضنا مقصورًا على الانصراف إلى البحث عن الحقيقة، فبوسعنا أن نشكّ أوّلًا بصدد الأشياء التي وقعت تحت حواسّنا أو التي نتخيّلها. وثمّة سببان لذلك: (١) أنّ التجربة قد دلّتنا على أنّ حواسّنا قد خدعتنا في مواضع كثيرة، وأنّه يكون من قلّة التبصّر أن نطمئنّ كلّ الاطمئنان إلى مَن خدعونا ولو لمرّة واحدة؛ (٢) أنّنا نحسّ بشدّة ونتخيّل بوضوح عددًا لا يحصى من الأشياء التي ليس لها وجود في الخارج ومتى صمّم الإنسان على أن يشكّ في كلّ شيء لم يعد يجد علامة للتمييز بين الخواطر التي ترد علينا في حال النوم وتلك التي ترد في حال اليقظة. (مبادئ الفلسفة، الجزء الأوّل٤)

يشير الجزء الأول إلى أنّ حواسّنا وخيالنا سبق وأن لم يصدقا؛ لذا لا يمكن الاعتماد عليهما. الأمر أشبه بمعرفتك بأنّ شخصًا ما يكذب عليك، ممّا يجعلك حذرًا منه دائمًا وميّالًا إلى عدم تصديقه. يجري الأمر ذاته فيما يتعلّق بالإدراك الحسّي.

في السبب الثاني، نواجه معضلة كلاسيكيّة استكشفها الفلاسفة الشرقيّون والغربيّون منذ آلاف السّنين: عدم القدرة على التحديد، بيقين مطلق، ما إذا كنّا مستيقظين حقًّا، أو نائمين أو حالمين. ومع ذلك، فإنّ النقطة المهمة هي أنّه سواء أكّنّا مستيقظين أم نائمين، فإنّ إحساسنا اليومي بالواقع يخلقه العقل من خلال أفكارنا. هناك احتمال مرجّح أنّ إحساسنا بالواقع يفرض على طبقة راسخة عمقًا في ذهننا. إنّ الولوج إلى هذه الطبقة هي هدف ممارس اليوغا. ولهذا السبب يسعى ممارسو اليوغا إلى تصفية أفكارهم من أجل إدراك الحقيقة. إذا كانت عقولنا هي ما تصنع واقعنا، فعند تصفية أذهاننا يمكننا أن نأمل بالوصول إلى الحقيقة الكامنة وراءها.

ما الطبقة الخفيّة التي تقوم عليها أفكارنا وخبراتنا؟ إجابتنا عن هذا السؤال تكمن في رحلة البحث التي نخوضها. وسأترك ديكارت يخبرنا عن هذه العملية في اقتباس سبق وأن مرّ معنا. 

٥- الآن، سأغمض عيني وأصمّ أذني، وسأعطّل حواسي كلّها..."" هذا ما أحاول القيام به في كل مرة أجلس فيها للتأمل من أجل الوصول إلى أعمق درجات المعرفة. ولكن ديكارت لا يقف عند هذ الحدّ بل يعود ليقول: ""سأمحو من فكري صور الأشياء الجسيمة جميعًا، أو على الأقلّ سأعدّها باطلة زائفة، ما دام محوها عسيرًا. وسأبذل جهدي حين أخلو إلى التحدّث إلى نفسي وأعكف على النظر إلى طبيعتي، في أن تزيد على التدريج معرفتي لنفسي وعشرتي لها"". (التأملات، التأمّل الثالث).

هذا المقطع يختصر العلاقة بين تقنيات اليوغا وفلسفة ديكارت. البرتياهارا هي محاولة فصل وعي المرء عن العوامل الخارجيّة، وهي الخطوة الخامسة من الخطوات الثمانية التي يعتمدها ممارس اليوغا. إنّ سعي ديكارت للتواصل مع ذاته على المستوى الباطني، هو السبب الحقيقي الذي يجعل الناس يمارسون اليوغا. نتعرّف على حواسّنا وجسمنا لدرجة أنّنا ننسى أن طبيعتنا العميقة والتي منها نستقي الإحساس بوجودنا، تقع في قاعدة أفكارنا وتصوّراتنا. ومن هنا، تبدأ هذه الرحلة. عندما تصمت أفكارنا وتصفو عقولنا، يبدأ إحساسنا بالعالم الخارجي  بالتلاشي، تمامًا كما يحدث عند النوم. في هذه الحالة، نصبح أكثر وعيًا بذواتنا وبعلّة وجودنا. يخلق هذا شعورًا عميقًا بالفرح والسلام.

عندما يبدأ ديكارت بتطبيق هذه العملية، يصبح أكثر معرفةً بقوى العقل: 

6- ""أنا شيء يفكّر أيّ شيء يشكّ ويثبت وينفي ويعرف القليل من الأشياء ويجهل الكثير منها ويحبّ ويبغض، يريد ولا يريد، ويتخيّل ويحسّ أيضًا. فمع أنّ هذه الأشياء التي أحسّها وأتخيّلها ربّما لم تكن في ذاتها ومن دوني شيئًا على الإطلاق -كما لاحظت في ما تقدّم- فإنّي واثق مع ذلك أن هذه الأحوال من التفكير التي أسمّيها أحاسيس وتخيّلات، من حيث إنّها أحوال من التفكير وحسب، هي يقينًا قائمة ومتلاقية فيّ. (التأمّلات، التأمّل الثالث).

يكتشف ديكارت أنّه حتّى وإن تلاشى العالم الخارجي، فإنّ أنماط تفكيره ستستمرّ، الإحساس بوجوده سيستمرّ. إنّه الآن يصقل إدراكه لنفسه باعتباره عقلًا.  

7- ""في أنّنا لا نستطيع أن نشكّ دون أن نكون موجودين وأنّ هذه أوّل معرفة يقينيّة يستطاع الحصول عليها، ونحن حين نرفض على هذا النحو كل ما يمكننا أن نشكّ فيه بل وحين نخاله باطنًا يكون من الميسور لنا أن نفترض أنّه لا يوجد إله ولا سماء ولا أرض وأنّه ليس لنا أبدان. لكنّنا لا نستطيع أن نفترض أنّنا غير موجودين حين نشكّ في حقيقة هذه الأشياء جميعًا. لأنّنا ممّا تأباه عقولنا أن نتصوّر أنّ من يفكّر لا يكون موجودًا حقًّا حينما يفكّر. وعلى الرغم من أشدّ الافتراضات شططًا، فإنّنا لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاعتقاد بأنّ هذه النتيجة: ""أنا أفكّر إذن أنا موجود"" صحيحة. وتاليًا، إنّها أهمّ وأوثق معرفة تعرض لمن يدبّر أفكاره بالترتيب. (مبادئ الفلسفة، الجزء الأوّل٧).

نلاحظ أنّه في الجملة الأخيرة من الاقتباس يقول ديكارت عن هذه المعرفة: ""هي أكثر معرفة يقينيّة قد يصل إليها الفيلسوف..."" هذا يعكس الخطوة الجبّازة  التي يصل إليها ممارس اليوغا في رحلته. هذه المعرفة تكمن في أنّ الشيء الوحيد الذي لا يمكن إنكاره في رحلة الشك هي: أنا موجود.

كما نلاحظ أنّ ديكارت في بعض الأحيان يتخلّى عن فكرة الله والسماء. بهذه الطريقة يصل إلى أكثر شيء يقينيّ. في الواقع، ينبغي علينا في رحلتنا الباطنية أن نتخلّى عن الأفكار والمفاهيم التي تبقينا على اتّصال بالعالم الخارجي. أن نترك وعي المرء يسبر أغوار الوجود الذاتيّ هو الرحلة إلى ""مملكة الجنّة الداخليّة"" -إلى النيرفانا أو السمادهي، أي التأمل في المطلق. في ضوء ما سبق، نستطيع أن نقارب عبارة المسيح: ""مملكتي ليست من هذا العالم"" بطريقة جديدة، حيث تشير كلمة ""العالَم"" إلى عالَم الإدراك الحسّي وكلمة ""مملكتي "" إلى بهجة الوجود المحض.

غالبًا ما ينقل عن ديكارت، قوله: ""Cogito ergo sum"". وتعني: ""أنا أفكّر إذن أنا موجود"". بالنسبة إلى ممارس اليوغا، الجزء الأهم من هذا الاقتباس هو ""أنا موجود""، هذا الشعور ينمو في داخلنا شيئًا فشيئًا كلّما حاولنا تصفية أذهاننا والانعكاف إلى تأمّل الداخل.

 

موقع ديكارت عبر التاريخ 

المثير للاهتمام أنّ ديكارت سرعان ما يترك ما توصّل إليه من معرفة عميقة، والتي يبحث عنها أيضًا ممارسو اليوغا الهنود، ويتّجه إلى البحث عن الله وأفكار العالَم. وفق بعض الفلاسفة، إن ديكارت فشل في إثبات وجود الله بطريقة عقلانية. هنا أشعر أن ديكارت كان متأثّرًا بشدة بعصره وثقافته. كان هوسه بإثبات وجود الله متأثّرًا بالظروف المحيطة به وبرغبته في أن يعيش بسلام، فلا يجب أن ننسى أنّ محاكم التفتيش كانت في أوج نشاطها!

بحسب تقديري، إنّ أكبر مساهمة قدّمها ديكارت في الفلسفة هي إثباته أنّ الرحلة الباطنيّة ليست مقيّدة بالثقافة أو الجغرافيا، بل هي رحلة شاملة تجمع كلّ البشر. لقد اختار ديكارت خوض هذه الرحلة موظّفًا ما توصّل إليه في تشكيل العالم الحديث. ولكن سواء أكنّا نجلس بجانب نهر الغانج أم نهر السين، فإنّ رحلتنا تصبح مرتكزة على يقين ""الأنا"". هذا الوعي المستكشف هو الجنة الخالدة أو السمادهي.

يجيب ديكارت عن السؤال الأكثر تحدّيًا الذي يمكن أن يطرحه العقل: ما الواقع؟ ما الذي يمكننا أن نعرفه باليقين؟ كيف تعمل عقولنا؟ ما العلاقة بين الفكر والعاطفة؟ ما التفكير؟ ما الشعور بالذات ؟ كيف يمكننا التمييز بين الصواب والخطأ؟ ما الزمان والمكان؟ هل يوجد إله؟ هل المنطق والعقل يقوداننا إلى الله؟ هذه أسئلة كان ممارسو اليوغا في الهند يعملون على استكشافها منذ عصر بوذا...

سوجانترا مككّيفر ٢٠٢١ ©

سوجانترا مككّيفر هو مؤسس دار ""Heart Yoga"" في سان دييغو والتي تعرض خدمات لأكثر من 1000 ممارس يوغا في الأسبوع، وقد ساعد أيضًا في إنشاء منصّة رقميّة لممارسة اليوغا. درس التأمّل على سري شينموي وألقى محاضرات عن التأمّل واليوغا في أكثر من 30 دولة، وله خمسة كتب عن الفلسفة الشرقيّة والتأمّل.

 

مقالات ذات صلة