القائمة الرئيسية

ركوب الدرَّاجة في بروكسل

ركوب الدرَّاجة في بروكسل
ملخص المقال

النص يناقش كيفية تأثير التبسيط في تمثيل الواقع، مشيرًا إلى أن الصور النمطية قد تشوّه الحقائق وتضلل الناس. يوضح الكاتب كيف يمكن أن تكون الصور والمفاهيم المبسطة عن الثقافة البلجيكية، مثل البيرة والدراجة والشخصيات الكرتونية، مشوهة ولا تعكس الصورة الحقيقية للواقع. كما يناقش مغالطة ""رجل القش""، التي تتضمن تبسيط أو تشويه آراء الآخرين لتسهل مهاجمتها، ويحذر من هذه الممارسات في النقاشات الفكرية والسياسية. في النهاية، يؤكد على ضرورة الإحسان في تأويل الأفكار والكلمات الأخرى، حيث يجب تمثيل آراء الآخرين بأمانة لتحقيق فهم أعمق وأكثر دقة.

درّاجة، وشخصيّة كرتونيّة، وبيرة: هذا لا يمكن أن يكون إلَّا في بلجيكا. وهو كذلك. فنحن في بلاد بطل الدرّاجات إيدي ميركس، ومغامرات تان تان لهرجيه، واثنين وعشرين نوعًا من البيرة في كلِّ حانة. ولإكمال الصورة، كل ما أحتاجه هو امرأة يوروقراطيّة أنيقة تحمل علبةً من الشوكولاتة البلجيكيّة في يدٍ ولوحةً لرينيه ماغريت في اليد الأخرى، وطرف إحدى روايات هيركيول بوارو بارز من حقيبة يدها ذات ماركة ديلفو. ولكن هذه صورٌ نمطيّة؛ فالثقافة البلجيكيّة أغنى وأكثر تنوُّعًا من هذا. وحتى لو أضفنا المغنّي جاك بريل والمصوّر مارتين فارنك ومخترع الآلة الموسيقيّة أدولف ساكس، لن نكون أقرب في استخلاص الماهويّة البلجيكيَّة.

صورتي لا تعطي بلجيكا حقَّها بالكامل أيضًا؛ فما هي إلَّا تصوير جزئيّ. في لوحة ماغريت الشهيرة خيانة الصور (1929)، يصوّر الفنان السرياليّ غليونَ تبغ، وتحته كتب هذه العبارة المُتناقضة  ""Ceci n’est pas une pipe"" (هذا ليس غليونًا). وبمعنى من المعاني، هو على حقّ؛ فما نراه هو تصويرٌ ثنائيّ الأبعاد لغليون، وليس غليونًا ثلاثيّ الأبعاد، واقعيٌّ له ثقل ودفء معيّنَيْنِ في اليد، وعبقٌ متفرِّد، وتاريخٌ فريد. وهذا ينطبق على صورتي أيضًا؛ فما هي إلَّا لقطة من بلجيكا، ومحاولة يائسة في اختصار بلدٍ كاملٍ في صورةٍ ثنائيّة الأبعاد. وكما كان سيقول ماغريت: «هذه ليست بلجيكا». 

دفاعًا عن نفسي، حاولت تصوير ما أراه في الشارع تصويرًا دقيقًا. كاميرتي قديمة من ماركة لايكا، تستخدم فيلمًا لا مُستشعرًا رقميًّا، لذا تقلُّ إمكانيّة التصوير غير الأمين (مع أنهم في روسيا في الحقبة السوفييتيّة تمكّنوا من مسح السياسيّين الذين جرى «تطهيرهم» من الصور التي تجمعهم بستالين). العدسة تعطي منظورًا طبيعيًّا، ولا أستخدم الفوتوشوب على الصور. ومع ذلك، يمكن أن تكذب الكاميرا؛ والصور يمكن أن تخون.

خُذْ كلمة «بيرة» في الصورة. البيرة جزء من الثقافة البلجيكيّة، ولها العديد من التقاليد (على سبيل المثال، يُقدَّم كل نوع مختلف من البيرة في كأس لها شكل خاص)، ويظهر أن صورتي أخذت هذه الأهمية في الاعتبار. ولكن لا يمكنك أن تؤمن بما تراه؛ فالكلمة مطبوعة على حاوية نفايات بناء، وهي في الحقيقة اسم شركة متخصصة في التخلُّص من النفايات: بيرمان أو بيرلينغ أو ربما بيروينكل، لا أذكر. ولم تَصِر الكلمةُ «بيرة» إلّا لأني وقفت في الزاوية المناسبة من الشارع لحجب الجزء الثاني من الكلمة. وهكذا من دون اللجوء إلى التلاعب بالفوتوشوب أو التنقيح الستالينيّ، خلق تأطيري الانتقائيّ انطباعًا خاطئًا. والقيمة الأبستمولوجيّة للصورة تقوَّضت بطريقة تأطيرها (الأبستمولوجيا هي فرع الفلسفة الذي يُعنَى بطبيعة المعرفة). ومشاهدو الصورة قد يأملون في تحصيل بعضٍ من المعرفة في هذه الزاوية الصغيرة من بلجيكا، ولكنهم لن يكونوا في «اتّصالٍ إدراكيٍّ بالواقع» تمامًا، إذا استخدمنا تعريفَ الفيلسوفة الأمريكية ليندا زاغزابسكي للمعرفة. فالصورة أعادت تعريف الواقع، وخلخلت بخفاءٍ الاتصال الإدراكيّ للمشاهدين. ولذا لن يكون من العدل استخدام الصورة في الإجراءات القانونيّة، حيث الحقائق الواقعيّة على المحكّ. ولا يجب أن تُستَخدم دليلًا في مقاضاة شخصٍ بتهمة بيع البيرة من دون ترخيص.

الصورة لا تخبرنا الكثير عن القطط أيضًا. السلسلة التمثيليّة تجري على هذا النحو: قطّة حيّة ثلاثية الأبعاد تصير قطّة كرتونيّة ثنائيّة الأبعاد، فتصير شكلًا ثلاثيّ الأبعاد لقِطِّةٍ كرتونيّة، فتصير صورةً ثنائيّة الأبعاد لشكلِ قطّةٍ كرتونيّة. والمُنتَج النهائيّ بعيدٌ كلّ البعد عن الموضوع الذي يُفترض أنه يُصوِّره بحيث لا يمكننا أن نضع ثقتنا فيه لأغراضٍ أبستمولوجيّة. فعلى سبيل المثال، سيكون عديم القيمة في مُقرَّرٍ في الطبّ البيطريّ عن فيزيولوجيّة السنّوريّات.

والدرَّاجة أيضًا مشوهة. فستكون ثَمّة حاجة للعديد من قوارير البيرة البلجيكيّة الفاخرة (كلٌّ منها مسكوب في كأس ذات شكلٍ مختلف) لأجل إقناع سارق درَّاجات أن بمقدوره أن يركب هذا الشيء ويمضي به.

ولكن لا أنا ولا نحَّات القطة، ألان سشاس، سنزعم أننا كنا نحاول تصوير الواقع تصويرًا صريحًا (في حال كان هناك شيء كهذا). فكلانا بسَّط جوانبَ من عالمٍ مُعقَّد لأجل أن يكون قابلًا للاستيعاب الفوريّ. وجهود ألان استغرقت ساعات طِوال وكلّفت مدينة بروكسل 100,000 يورو، أمّا عملي فلم يستغرق جزءًا من الثانية.

 

عرضُ نطاقٍ محدود ورجالُ قشّ

التبسيط له فائدته؛ إذ إنه يأخذ في الاعتبار محدودية عرض النطاق الإدراكيّ البشريّ. ففي عالمنا المُتسارع -الحقيقيّ والافتراضيّ- نتجاهل غالبًا كلّ ما هو معقَّد دون مُوجِب لأنه يتطلَّب الكثير من قدراتنا في التركيز. طبعًا، قُرَّاء الفلسفة الآن يمتازون بهذه القدرات، لذا بمستطاعهم قراءة وتمييز الأفكار الدقيقة والمتشابكة التي تحفل بها المجلة. ولكن حتى الأذكياء يُقدِّرون الرسائل المقتضبة. والإشارات المصقولة جيدًا -كالصور والشعارات السياسيّة أو الدعائيّة القويّة- تخترق الضجيج وتُحقِّق أثرًا لا تحقّقه مقالةٌ مطوَّلة.

ولكنَّ الإسراف في التبسيط -على الرغم من إغرائه- خطير. إذ قد يقود إلى تأويلٍ كرتونيّ لأقوال المرء، وتخلّقِ كاريكاتور شفهيٍّ لآرائهم الحقيقيّة. عندما أعزف على المزمار في شوارع باريس، غالبًا ما أعزف إلى جانب فنّان غريب الأطوار اسمه فريدي، وهو رسَّام كاريكاتير محترف. وبمقدوره أن يختصر صورة زبون في ضربات فرشاة قليلة. كذلك يمهر فريدي في تحديد مَلْمح يسهل تمييزه في موضوعه ثم يضخّمه لتحقيق تأثير كوميديّ. ومع أننا نعمل خارج كاتدرائيّة نوتر دام، فإنه ينقل الصورة إلى برج إيفيل -على بُعْد أربعة كيلو مترات- لأن هذا يوحي بأن الصورة في باريس على الفور وببساطة.

تكنيكيّات فريدي الثلاثة -التبسيط والتضخيم والتلفيق السافِر- تلقى تقديرًا من زبائنه. والنتائج لطيفة وممتعة ومُربحة. ولكن في مجال الفلسفة، لا يُعدّ من اللائق تمثيل آراء امرئ على هذا النحو. وإن فعلنا هذا، سنُتَّهم عن حقّ بأننا نصنع «رَجُل قشّ». فبعد أن نُبسِّط أو نُضخِّم أو نُلفِّق موقف مُحاورنا، علينا أن نُطوِّح بهذه الفزَّاعة الواهية لهذه النسخة من تفكيره -رَجُل قشّ- بل التصدِّي لأقوالهم الحقيقيّة. وهذا ليس بعدل.

السياسيّون مولعون بهذه الحركة؛ فهم يلوون أعناق كلمات خصمهم أو حتى يخترعونها ليسهل استهدافها، ثم يدمّرون هذا الكاريكاتير لموقفهم. وفي الحالات المتطرّفة، يُشيطن الديماغوجيّون خصومهم باعتبارهم مصدرًا لآراء شرّيرة وخاطئة تمامًا، في الوقت الذي يجعلون فيه أنفسهم منبع كلِّ حكمة. وليس علينا أن نبحث كثيرًا لنجد قادةً عالميّين -في الماضي والحاضر- يتمادون في هذه المناورات الخبيثة.

ولكن ما الذي يُمثِّل رَجُلَ قشٍّ ليست مسألة واضحة. وكما يُشير جورج بيزر وآخرون، مبدأ بسيط من قبيل «سوء الاقتباس رَجُل قشّ» ليس صحيحًا دائمًا، لأن «سوء الاقتباس قد يكون أيضًا إعادة صياغة مُبرَّرة لما قيل» (التأثير الاجتماعيّ، 2009). وعلى النقيض، اقتباسٌ مُباشرٌ دقيق يمكن أن يكون رَجُل قشٍّ إن تمّ إخراجه من سياقه، مثل لافتة «البيرة» الخاصّة بي (مثال مذهل أكثر هو الاقتباس الدقيق من التوراة «لا إله»؛ فالمزامير تقول هذا فعلًا، ولكن لن يكون هذا زعمًا إلحاديًّا إلا إن حذفنا الكلمات السابقة «الأحمق يقول في قلبه...»).

الفيلسوف البولنديّ مارسين لونيسكي يُحدِّد اثنتَيْنِ من الخصائص المميِّزة لمغالطة رَجُل القشّ وهما «عدم المعقوليّة والخيانة» (الحِجَاج، 2011)، ويظهر أن هذا صحيح. وهو يحاكي خيانة الصور لماغريت، ويمكن أيضًا أن يتضمَّن الخيانة تجاه البشر (من خلال «شهادة الزور» في اللغة الإنجيليّة). ويمكننا أن نسمّي هذه عمومًا «الخيانة الأبستمولوجيّة».

الناس المحترمون لا يفعلون هذه الأشياء. ولكن كما نعلم، بعض السياسيّين وغيرهم ليس لديهم تحفُّظات تجاه تمثيل خصومهم تمثيلًا شرّيرًا. ويجب أن نكون متنبّهين لخداعهم لأنَّ «مغالطة رَجُل القشّ ليست ناجعة إلّا لدى الناس الذين يفتقدون الدافعيّة إلى تفحُّص الرسائل المُقنعة» (التأثير الاجتماعيّ). ولكن جميعنا تقريبًا نفتقد أحيانًا الدافعيّة إلى تفحُّص الرسائل بعناية، وحتى لو أجرى لنا هذه المهمة مُحقِّقون في الحقائق، يمكن بسهولة وصف هذا التفحُّص بأنه خاطئ بل وشرير بحدِّ ذاته.

حقيقةٌ أخلاقيّة

الوفاء هو عكس الخيانة. وإخبارنا عن كلمات الآخرين يجب أن يكون وفيًّا للمعنى الذي يقصدونه. وإن كنَّا نختلف معهم فيجب أن يكون على أساس ما قصدوه فعلًا، لا على أساس نسخة كرتونيّة يسهل ردُّها من آرائهم. وبعبارة الفيلسوف الأمريكيّ دونالد ديفيدسون، يجب أن نُبديَ «إحسانًا في تأويل كلمات وأفكار الآخرين» (أهمّ ما كتب ديفيدسون، 2006، ص. 163). و«مبدأ الإحسان» هذا ليس المقصود منه أن نعامل الناس بلطف، وإنما هو تكنيك أبستمولوجي ضروريّ لاستخراج المعنى الحقيقيّ لما قالوه. فلأجل أن نفهم الناس، ينبغي لنا أن نمنح كلماتهم أحسن تأويلٍ ممكن: «مثلما وجب علينا أن نُحقّق القدر الأقصى من الاتّفاق وإلا سنُخاطر بألَّا يكون كلامه مفهومًا، كذلك علينا أن ننسب له القدر الأقصى من الاطِّراد الذاتيّ لا ألَّا يعسر علينا فهمه».

وسأذهب أبعد من هذا. هناك بُعدٌ أخلاقيّ إضافةً إلى البُعد الأبستمولوجي في تأويل وإعادة صياغة ما يقوله الآخرون؛ فسوء التمثيل عمل غير مُتسامح. وتزييف آرائهم عن قصد إهانةٌ لكرامة الشخص الآخر، كما أنه يحرمنا من فرصة أن نفهم العالَم على نحوٍ أفضل وأن نُشكِّل اتصالًا إدراكيًّا أقوى بالعالَم. لذا يجب ألَّا نصنع رَجُلَ قشٍّ بتشويه كلمات محاورنا، بل أن نُساعده في التعبير عن آرائه على نحوٍ أكثر إشراقًا بقدر الإمكان.

إنْ نظرنا إلى صورتي بإحسان، فلربما كانت تختزل بعضًا من جوهر بلجيكا، والقطّة المنحوتة ليست رَجُلَ قشٍّ بل تكشف شيئًا قمينًا عن جوهر القطّة. ولكنَّ الرسالة الأكبر هي أن الصور النمطيّة التبسيطيَّة للمواقف السياسيّة وغيرها أمرٌ غير مرغوب. وعلى الأرجح أن هناك بعض القيمة في آراء الخصوم، لذا فعلى السياسيّين والفلاسفة أن يصوروها على نحوٍ أكثر إحسانًا. وهذا سيضع القطّة بين الحَمَام فعلًا. 

©  الدكتور شون موران

شون موران يدرِّس طلاب الدراسات العليا في إيرلندا، وهو أستاذ فلسفة في إحدى أقدم الجامعات في بنجاب.

 

مقالات ذات صلة