القائمة الرئيسية

ديفيد تشالمرز

ديفيد تشالمرز
ملخص المقال

في حواره مع بول دولان، يناقش ديفيد تشالمرز في كتابه ""الواقع+"" فكرة احتمال عيشنا في محاكاة كمبيوتر، مؤكداً أن العوالم الافتراضية حقيقية بنفس قدر الواقع المادي، وأن التقدم التكنولوجي مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي يمكن أن يساعد في معالجة قضايا فلسفية مثل مشكلة ديكارت حول معرفة العالم الخارجي. يطرح تشالمرز أيضًا مخاوف من هيمنة الشركات الكبرى على هذه العوالم الافتراضية، لكنه يتفائل بتطورها بطرق غير متوقعة بعيدًا عن الهيمنة الرأسمالية.

يجري بول دولان حوارًا مع ديفيد تشالمرز حول كتابه الجديد الواقع+: العوالم الافتراضيّة ومشكلات الفلسفة.

يغادر ديفيد تشالمرز في كتابه الجديد الواقع+ حديقة الوعي البشريّ المنظّمة ليسافر على دربٍ جديدٍ آخذًا قرّائه في رحلةٍ تقنيّةٍ فلسفيّةٍ في عوالم محاكيةٍ عبر الكمبيوتر «computer-simulated worlds» وفي الواقع الافتراضيّ «virtual reality». لقد طوى تشالمرز صفحةً فلسفيّةً امتدّت من أرسطوطاليس إلى جوانغ زي، ومن كهف أفلاطون إلى تجربة الآلة عند روبرت نوزيك، متطرّقًا إلى الأسئلة الكبرى في المعرفة، والواقع، والذّهن. من الأرجح أنْ تحيل نقاشات الأبستمولوجيا والميتافيزيقيا إلى المسلسل الدراميّ على نتفليكس المرآة السوداء «Black Mirror»، مثلما ستحيلنا إلى أفكار دانيال دينيت. يخطف فيلم المصفوفة «The Matrix» الأضواء أكثر من أعمال كانط. فأفلام علم الخيال الكلاسيكيّة كمثل سنو كراش «Snow Crash» وسبيك بلاير وان «Speak Player» تقف في منزلة تأمّلات في الفلسفة الأولى «Meditations on First Philosophy» لرينيه ديكارت وكتاب التّاريخ والحقيقة والعقل «History, Truth and Reason» لبوتنام. فقد ساعدت الرّسوم الفلسفيّة الفكاهيّة التي رسمها تيم بيكوك على تقدّم الحجّة. وما يحاجج إليه تشالمرز هو أنّه ينبغي علينا اتّخاذ احتمال كوننا كائناتٍ محاكيةٍ في كونٍ محاكٍ على محمل الجدّ. من غير المرجّح أن يولّد ذكاءٌ اصطناعيٌّ كوننا المحاكي. وواقعة أنّنا كائناتٌ واعيةٌ لا ينفي فكرة كوننا محاكين؛ لأنّ الوعي هو جزءٌ ثانويٌّ مستقلٌّ نشأ عن نظامٍ معقّدٍ بغضّ النّظر أكان مصنوعًا من البيولوجيا أو من السيليكون. ويعلن تشالمرز عن موقفه بأنّه واقعيٌّ افتراضيٌّ «virtual realist» محاججًا أنّ «الكيانات الموجودة في الواقع الافتراضيّ حقيقيّةٌ» (p. 105)، إنّها أشياء رقميّةٌ مؤلّفةٌ من المعلومات أو من البتات «bits». ويخلص إلى أنّه ينبغي علينا ألّا نخاف من اللّجوء إلى العالم الافتراضيّ؛ لأنّنا نستطيع فيه عيش حياةٍ أصيلةٍ وطيّبةٍ. وقد قابلته في أوكتوبر 2021 لإجراء حوارٍ افتراضيٍّ (طبعًا!).

لقد وضعتَ كتبًا كثيرةً في موضوع الوعي. ويبدو هذا الكتاب مسارًا جديدًا. أهو تقدّمٌ طبيعيٌّ لموقفك أم أنّك اتّخذت منعطفًا جديدًا تمامًا فيه؟

إنّه موضوعٌ جديدٌ إلى حدٍّ ما. وحتمًا يتطابق الكتاب مع ما قلتُه في الوعي على مرّ السنين. ولكنّني أيضًا أحبّ اعتبار هذا الكتاب مفتوحًا أمام النّاس الذين يختلفون معي اختلافًا كبيرًا في مسألة الوعي، أي أولئك الاختزاليّون «reductionist» أو الوظيفيّون «functionalist». إذ قد يرحّبون بهذا العمل الجديد. والحقّ أنّني لا أظنّ أنّ بعض الأشخاص الذين يوافقون على رأيي في مسألة الوعي سيوافقون عليه هنا.

حتمًا ثمّة نقاطٌ مترابطةٌ، فقد حاججت في إحدى الأفكار المحوريّة في كتاباتي حول الوعي أنّ الآلات يمكنها أن تكون واعيةً. الأذهان الاصطناعيّة هي على الأرجح أذهانٌ أصيلةٌ، وهذا الأمر مهمٌّ في التفكير في مسألة الواقع المحاكي. وثمّة طريقةٌ أخرى في التّفكير في مسألة الوعي تقرّب إلى البنيانيّة «structuralism» في العالم المادّيّ؛ بحيث لا يستطيع علم الفيزياء تقديم تفسيرٍ كاملٍ للوعي؛ لأنّ علم الفيزياء في معظمه ضربٌ من البنية السّببيّة المجرّدة «abstract casual structure»، بينما يتجاوز الوعي هذا الأمر. وقد تتماشى هذه الطّريقة مع ما طُرح في هذا الكتاب، بخاصّةٍ في مسألة البنيانيّة في العالم المادّيّ. إنّه طريقةٌ في التّفكير في الواقع المادّيّ حيث لا يختلف الواقع الافتراضيّ فيها كثيرًا عن الواقع المادّيّ.

لقد طرحتَ في مقدّمة الكتاب الطّرق المختلفة في قراءته مع درجاتٍ متفاوتةٍ من الصّعوبة، كمثل مستويات الكفاءة في لعبة الكمبيوتر. هل يعكس بنيان الكتاب عن قصدٍ ألعاب الواقع الافتراضيّ؟

لم أفكّر في هذا الموضوع! أظنّ أنّ المرء يستطيع اتّخاذ مستوى «اللاّعب الجديد» «new player» عند قراءة الكتاب ومستوى «اللاّعب الخبير» «expert». كنت أفكّر أنّ لدى النّاس اهتماماتٍ مختلفةً يمكنهم الاستفادة منها في الكتاب، كالتكنولوجيا، والعلم، والخيال، وغيرها من مواضيع الفلسفة.

هل هذا التّلخيص للفكرة العامّة في الكتاب منصفٌ؟ وهو على الأرجح أنّنا نعيش في محاكاة كمبيوتر، ولكن لا يجب أن تقلقنا هذه الواقعة لأنّ كلّ شيءٍ لا يزال حقيقيًّا. إنّ الواقع الافتراضيّ مؤلّفٌ من أشياء رقميّةٍ تكون حقيقيّةً (أي مصنوعةٌ من البتات)، لذا فإنّ الواقع الافتراضيّ حقيقيٌّ. وكلّما أمضينا وقتًا من حياتنا في الواقع الافتراضيّ يصبح وضعنا على ما يرام.

لن أجزمَ أنّنا «على الأرجح» في محاكاةٍ، بل سأكتفي بالقول إنّنا قد نكون كذلك ولا نستطيع حسم المسألة. وأفترض في الكتاب وجود أقلّه 25% من فرصة حدوث ذلك. أمّا الفكرة الأهمّ فهي كون الواقع الافتراضيّ واقعًا فعليًّا: أي يكون العالم الافتراضيّ حقيقيًّا كمثل العالم المادّيّ تمامًا، وذلك في إطار فرضيّة المحاكاة والواقع الافتراضيّ. إذ سيصبح الواقع الافتراضيّ عنصرًا محوريًّا في حياتنا، وأظنّ الحياة في الواقع الافتراضيّ قد تكون ذات معنًى.

تبدو لي فرضيّة المحاكاة والواقع الافتراضيّ في الكتاب حجّتَيْنِ مختلفتَيْنِ. ما العلاقة القائمةُ بينهما؟

أجل، إنّه لسؤالٌ مثيرٌ للاهتمام. لقد ألقيت محاضراتٍ مؤخّرًا «من المصفوفة إلى الكون المابعديّ». أعتبره بنية الكتاب أيضًا. لننطلق من أمرٍ متطرّفٍ، أي فيلم المصفوفة، وهو في معظمه خيالٌ علميٌّ ولكنّه ثريٌّ ومثيرٌ للاهتمام فلسفيًّا، ولنحاول تحليله. ثمّ طبّق بعض أفكار ذاك التّحليل على ما أسمّيه «الواقع الافتراضيّ الحقيقيّ» وعلى التّكنولوجيا العارضة طريقنا والتي تدعى الكون المابعديّ «Metaverse». [الكون المابعديّ هو عالمٌ محاكٍ ثلاثيّ أو ثنائيّ الأبعاد حيث يتفاعل فيه النّاس مع بعضهم بعضًا بمساعدة خوذ الواقع الافتراضيّ أحيانًا. المحرّر]. ومن اللّطافة أنْ نشرع في الأمر المتطرّف في الفلسفة أو العلم، لذا سأبدأ بالحالة المتطرّفة المعروفة بفرضيّة المحاكاة «simulation hypothesis». حاولتُ المحاججة لفكرة «إنّها من البتات» التي تفيد أنّنا حتّى لو كنّا في محاكاةٍ فالأشياء التي نتفاعل معها حقيقيّةٌ، وذلك بناءً على تعريفٍ محكمٍ «للحقيقيّ». لا ريبَ في كونهم أشياءَ رقميّةً، ولكنّهم قائمون في عالمٍ حقيقيٍّ ذي تجاربَ حقيقيّةٍ. لذا يجب عليّ تطبيقُ هذه الفكرة على حالةٍ أقلّ تطرّفًا. ففي الواقع الافتراضيّ العاديّ نتفاعل مع أشياءَ رقميّةٍ حقيقيّةٍ لديها قدرات سببيّة وتوجد مستقلّةً عن أذهاننا. وأظنّ أنّ لدى هذا الأمر بعض النّتائج المثيرة للاهتمام، مثلًا، الاستعمال العمليّ للواقع الافتراضيّ ليس وهمًا أو خيالًا. وربّما يعني ذلك أنّه لا توجد عوائق أمام تحقيقنا حياة ذات معنى في الواقع الافتراضيّ. ينطلق بعض ما يدور في هذا الإطار من حالةٍ متطرّفةٍ، ثمّ ينتقل إلى صيغةٍ أكثر عمليّةً عن تلك الحالة.

هل يمكنك تفسير كيف يساعدنا الواقع الافتراضيّ على إلقاء نظرةٍ جديدةٍ على مشكلة ديكارت حول مسألة كيف يمكننا معرفة أيّ شيءٍ عن العالم الخارجيّ؟

حسنًا، ظنّ ديكارت أنّ شيطانًا يخدعنا الآن بحيث كلّ ما نعدّه حقيقيًّا هو وهمٌ. يمكنك اعتبار عالم الشّيطان بأنّه ضربٌ من الواقع الافتراضيّ. أمّا الأمثلة التي يتلقّفها التّلاميذ بسرعةٍ فهي «قد تكون في المصفوفة الآن»، أو «قد تكون في محاكاةٍ الآن». أستعمل الواقع الافتراضيّ لطرح السّؤال الدّيكارتيّ، ولكنّ الأمر لا يتعدّى مستوى التّوضيح. ولا شيءَ في ذلك يغيّر السّؤال. ولكن إنْ جمعته مع تحليل الواقع الافتراضي، وإذا حاججت أنّ الواقعات الافتراضيّة حقيقيّةٌ فعلًا، كما أفعل تمامًا، فلدى استعمالك الواقع الافتراضيّ والحجّة الشّكوكيّة حول الواقع الخارجيّ تبعاتٍ.

تفترض حجّة ديكارت أنّ الواقعات الافتراضيّة ليست واقعاتٍ فعليّةً، بحيث إنْ كنّا في إحدى هذه الحالات المحاكية لا شيءَ حقيقيٌّ حولنا. وعلاوةً على ذلك يستعملها ليحاجج أنّنا لا نستطيع معرفة إنْ كان أيّ شيءٍ منها حقيقيًّا. وأعتقد أنّ هذا هو الافتراض الكبير خلف حجّة ديكارت، وهو أنّ الواقعات الافتراضيّة ليست واقعاتٍ فعليّةً. ولكنْ إذا سلّمت أنّ الواقعات الافتراضيّة واقعاتٌ فعليّةٌ فيعني هذا أنّ الاعتماد على حجّة ديكارت الشّكوكيّة بات أصعبَ. يصبح العالَم أقلّ غرابةً عنّا ممّا هو عليه في التّصوّر الدّيكارتيّ المحض. ولا أعني بذلك أنّ هذا الأمر يحلّ مشكلات الشّكوكيّة كلّها. لكنّ التّفكير في الواقع الافتراضيّ على هذا النّحو يوضّح كثيرًا من المسائل التي يثيرها الدّيكارتيّون.

يستعمل الفلاسفة الاستعارات التي تكون رمزيّةً في عصرهم. عندما كانت صناعة السّاعات تكنولوجيا العصر اعتقد الفلاسفة الرّبوبيّون أمثال فولتير أنّ الله صانع ساعاتٍ، أي خلق الله الكون ليعمل آليًّا. أمّا الآن فغالبًا ما تستعمل تكنولوجيا الكمبيوتر استعارةً للدّماغ البشريّ أو حتّى للواقع كلّه. هل يمكن أن يكون مفهوم كونٍ محاكٍ عبر الكمبيوتر مجرّد حالةٍ بدّلت الاستعارة فيها الحقيقيّ؟

أجل، إنّها نقطةٌ جيّدةٌ. ينزع التّفكير الفلسفيّ إلى أنْ يعكس تكنولوجيا العصر. كذلك يستطيع تفكيرنا الفلسفيّ أنْ يعكس أحدث معلوماتنا عن العالم. وغالبًا ما قادت التّقدّمات الحاصلة في مجال العلم الفلسفة المُحكمة، تمامًا مثلما فعلت التّقدّمات الحاصلة في مجال التّكنولوجيا. وقد يكون لدى هذا الأمر محاسنه ومساوئه. طبعًا إنّك محقٌّ لا نريد الذّهاب بعيدًا بالأمر، إذ لا نريد تفاؤلًا مفرطًا كمثل قولهم: «نظريّة الأوتار هي مفتاح الكون» «String theory» أو «الواقع الافتراضيّ هو مفتاح الكون». ولكنّني أيضًا أظنّ أنّه ينبغي عليك مراجعة كلّ حالةٍ على حدةٍ.

لقد انتقدتُ بعض الأشخاص الذين يصرّحون أنّنا نستطيع استعمال أحدث علم أعصابٍ، أو أحدث ذكاءٍ اصطناعيٍّ لتفسير الوعي. ولكنْ عند مراجعة الواقع وجدتُ أقلّه بضعة أفكارٍ مفيدةٍ انطلاقًا من التفكّر في الواقع الافتراضيّ. ولكنّني لا أرغب في القول أنّ «تلك هي أحدث تكنولوجيا لذا يسير العالم على هذا النّحو». بالنّسبة لي إنّ التفكير في الواقع الافتراضي -والتّكنولوجيا، وفكرة المحاكاة- يمهّد سبيلًا لطرح أفكارٍ عامّةٍ في الواقع وفي بنيته العامّة أو مفاهيمه الرّياضيّة. وأرى التّكنولوجيا دافعًا مفيدًا جدًّا لتحقيق هذا الأمر. وحتمًا إنّ سؤالنا الآتي تفاعلٌ متفهّمٌ: ألَا يدفع ذلك المماثلات بعيدًا جدًّا؟ فالمدى الذي توصلك إليه هو التّكهّن، نحو وليس هذا الأمر سوى احتمالٌ تصوريٌّ. حتّى لو فتحت التّكنولوجيا أمامنا احتمالات التّكهّن، فلا يزال هذا الأمر بحدّ ذاته مثيرًا للاهتمام.

الحياة في محاكاةٍ أقلّ دقّةً.

 أليس وعد الواقع+ بإمكانيّة تحميل أنفسنا في عالمٍ رقميٍّ سوى بديلٍ آخر عن الأخرويّة «eschatology» المسيحيّة لعالمٍ ما بعد المسيحيّ «post-Christian world»؟

لا أعتقد أنّ التّحميلَ مرتبطٌ بالدِّين، ولكنّه يشترك بديهيًّا مع الأفكار الدّينيّة حول الآخرة. ربّما تستطيع تسميته أخيريّة علمانيّة «secular eschatology».

هل سيساعد إمضاؤنا مزيدًا من الوقت في الواقع الافتراضيّ على حلّ المشكلات، كمثل التّغيّر المناخيّ والانقراض السّادس؟

أظنّ أنّنا نحتاج إلى التّفكير في هذه المسائل جميعها عند التّفكير في المستقبل، أي التّغيّر المناخيّ، والعدالة الاجتماعيّة، والذّكاء الاصطناعيّ، والعوالم الافتراضيّة، وغيرها. ولا أعتقد أنّ العوالم الافتراضيّة تحلّ مشكلة التّغيّر المناخيّ، ولا العكس. قد توفّر العوالم الافتراضيّة سبيلًا في التّعامل مع المشكلة إنّ لم نحلّها، أي أنْ نعيشَ في العوالم الافتراضيّة التي لم تتدهور كما تدهور العالَم غير الافتراضيّ. ولكنْ إذا تجنّبنا هذا التّدهور فسيكون أفضل بكثيرٍ.

ولكنْ أليسَ سيناريو الانقراض الجماعيّ أكثر احتمالًا من فكرة أنّ أجدادنا ابتدعوا محاكاةً تامّةً قبل قرونٍ من الزّمن، وأنّنا نختبر ما يشبه المحاكاة؟

ثمّة الكثير من المستقبلات الممكنة ذات الانقراض الجماعيّ، والكثير من المستقبلات الممكنة ذات المحاكاة. لستُ على درايةٍ بالممكنات، ولكنْ سيكون ضربًا من التّكهّن قولنا بأرجحيّة الانقراض الجماعيّ.

ثمّة عددٌ كبيرٌ من المخاطر والتّهديدات. أذكر أنّي عندما كنت صغيرًا قرأت كتاب آيزك أسّيموف خيار الكوارث «A Choice of Catastrophes» (1979). إنّ إمكانيّة الانقراض الجماعيّ التي تقلقني مرتبطةٌ بالذّكاء الاصطناعيّ؛ لأنّه حالما يتمّ التّوصّل إلى الذّكاء الفائق الاصطناعيّ يصعب علينا التّكهّن بما سيحدث. إذ قد يمتلك قوّة التصرّف على مستوى شاسعٍ، وقد يؤدّي إلى الانقراض. لنْ أزعم واثقًا أنّنا سنتخطّى هذا التّطوّر. ومن ناحيةٍ أخرى لن أؤكّد أنّنا على طريق الانقراض... وأتفهّم قلقنا وحذرنا عند التّفكير في طريقة تعاملنا مع هذه المخاطر في المستقبل. وأميل إلى التّفاؤل عمومًا، ولعلّه عيبٌ في الشّخصيّة.

تستخدم أمثولة السّجناء في كهف أفلاطون. من تعتقد اليوم أنّهم السّجّانون؟

يعتمد الأمر على الكهف، أو على المحاكاة. في فيلم المصفوفة السّجّانون هم الآلات. إنْ كنّا في محاكاةٍ فمن يدرِ؟ ربّما كان سجّاننا مقرصنًا من الكون الآخر. أمّا في ما يخصّ مفهوم الواقع الافتراضيّ القريب فالأشخاص الذين يديرون المحاكاة في العديد من العوالم الافتراضيّة هم الشّركات. يصوّر رسم تيم بيكوك في كتابي الواقع الافتراضيّ على أنّه نسخةٌ من القرن الواحد والعشرين عن كهف أفلاطون، فيما مارك زكربرغ هو من يدير المحاكاة. ولكنْ كي أكون منصفًا لا أحدَ مسجونٌ في الواقع الافتراضيّ، أقلّه إلى حدّ الآن!

أليس هذا هو المشكلة: لن يكون كتاب الواقع+ وليد الفلاسفة (ولعلّ هذا الأمر نعمةٌ!) بل سيتمّ تطويره في إطار رأسماليّة الشّركات «corporate capitalism»، أو الشّيوعيّة الصّينيّة، حيث يكون الهدف الرّبح أو السّيطرة، فيؤول الوضع إلى التّكنولوجيا المدمّرة بدلًا من التّكنولوجيا البنّاءة؟

أعتقد أنّ لدى الواقع الافتراضيّ إمكانيّةً مدمّرةً وبنّاءةً. لا أستطيع تكهّن ما ستؤول إليه النّهاية. إنْ هيمنت الشّركات فسيسهل لحظ انحراف الكثير من الأمور نحو مسارٍ خطأ. ولكنْ كون العوالم الافتراضيّة تهيمن عليها الشّركات في المدى القصير لا يعني أنّ الشّركات ستهيمن عليها في المدى البعيد. قد تنشأ أشكال إدارةٍ لا يمكننا توقّعها.

هل لديك أيّ آراء في تغيير شركة فيسبوك اسمها إلى ميتا والتّقدّم الحاصل في مجال الأكوان الأخرى وخُوَذ الواقع الافتراضيّ التي أعلنتها شركتا ميتا وآبل؟ 

الكون الآخر معقّدٌ. يبدو أنّ زكربرغ يستعمل الكلمة إشارةً إلى مجموع العوالم الافتراضيّة كلّها، أو إلى شيءٍ آخر. إذ سيوجد كون العوالم الافتراضيّة، ولعلّ الكون الآخر سيكون الواقع الافتراضيّ كلّه. وهذا ما يثير شتّى الأسئلة المهمّة. هل سيوجد كونٌ آخر مترابطٌ ذو معايير مفتوحةٍ لا يديره أحدٌ ولعلّه يوازي الإنترنت؟ لا أحدَ يدير الإنترنت ولكن لها أجزاءٌ تديرها مجموعاتٌ مختلفةٌ نذكر منها فيسبوك. أم سيكون الأمر أشبه بملكيّة الكون الآخر من البداية، أي تهيمن عليها شركةٌ واحدةٌ؟ وهذه هي الفكرة الرئيسة خلف آبل وفيسبوك في سباقهما نحو صنع الكون الآخر. أمّا الآن فنحن لا ندري المسار الذي ستسلكه الأمور. ومن المرجّح ستهيمن الشركات في المدى القريب، ولكنّك سترى في المدى البعيد هذا الأمر يصبح جزءًا من البنية التحتيّة من حياتنا، أي ما يشبه المنفعة العامّة، كمثل الإنترنت تقريبًا.

عندما يعيش النّاس نصف حياتهم في عالمٍ افتراضيٍّ سيصعب علينا تخيّل أنّهم سيتخلّون عن هذه السّيطرة لصالح الشركات. إنّني متفائلٌ أنّهم سيتوصّلون إلى أشكالٍ جديدةٍ من الإدارة والتنظيم بحيث لا تدير الشّركات الأمور. وحتمًا أتّفق أنّه إن أفضَى الأمر بإدارة الشركات فسيحمل تأثيرًا مدمّرًا. لذا من يمتلك هذه العوالم الافتراضيّة سيكون بمنزلة الآلهة، أي سيكون كلّيّ المعرفة وكلّيّ القوّة في تلك العوالم، ونحن لا نرغب حقًّا في تسليم هذه السّلطة إلى الشّركات. ولكنّي أظنّ في المدى البعيد أنّ الأمر سيتطوّر في نواحي لا يمكننا حتّى تخيّلها.

بول دولان، أستاذ فلسفةٍ في مدرسة زوريخ العالميّة «Zurich International School» وهو كاتب الذّاكرة الجماعيّة والهند الشرقيّة الهولّنديّة: نسيان تفكيك الاستعمار «Collective Memory and the Dutch East Indies: Unremembering Decolonization» (Amsterdam Univ. Press,2021).

ديفيد تشالمرز هو أستاذٌ جامعيٌّ في الفلسفة وعلم الأعصاب في جامعة نيويورك «New York University». اشتهر بعد نشر كتابه الذّهن الواعي «The Conscious Mind» سنة 1996.

مقالات ذات صلة