بقلم: سارة بيزارو
«اتفق علماء الأخلاق بالإجماع على أنه ما لم تتمّ رعاية الفضيلة من خلال الحرّيّة، فلن تحصل أبدًا على القوّة اللازمة وما يقولونه عن الإنسان أمدّه للبشريّة، مُصرّينَ على أنه في جميع الأحوال يجب تثبيت الأخلاق على مبادئ راسخة، وأن الكائن الذي يطيع أيّ سلطة إلّا سلطة العقل لا يمكن وصفه بأنه عقلانيّ أو فاضل ». ماري ولستونكرافت
ربما اشتهرت ماري ولستونكرافت (١٧٥٩ – ١٧٩٧) بكتابِها «دفاعًا عن حقوق المرأة» ) A Vindication of the Rights of Woman) الذي نُشر في عام (١٧٩٢). تُقدم وولستونكرافت في هذا الكتاب حجّة رائدة ومقنعة للمساواة بين الرجل والمرأة. يُصنّف العمل -بحسب العادة- على أنه كلاسيكيّ نسويّ ومع ذلك، يمكن تطبيق نظريّاتها إلى ما بعد قضيّة المرأة في القرن الثامن عشر. ولكن، على الرغم من أنها ربما كانت واحدة من أكثر المفكّرين الأصيلين في عصر التنوير، إلا أنها نادرًا ما تُدْرس في فصول «مقدّمات الفلسفة» أو «تاريخ الفلسفة». فيما يلي، سأقوم بسرعة برسم الأفكار والحجج الرئيسة في الكتاب، على أمل أن يشجّعك هذا على معرفة المزيد عن عبقرية ماري ولستونكرافت.
التعليم والبناء الجندري
في عصر ولستونكرافت، كانت المرأة تعتبر «بطبيعتها» غير قادرة على التفكير أو التفكير مثل الرجل، في ذات الوقت كانت تُمنع في الغالب من فرصة الحصول على التعليم. بدأت ولستونكرافت كتابها بالإشارة إلى طبيعة هذا الموقف الذي يتطلّب تفسيرًا. كيف يمكن لأيّ شخص أن يقول إن المرأة تفتقر إلى القدرة الفكريّة إذا لم تتاح لها أيّ فرصة لتطويرها؟ إلى أي شخص يعتقد حقًّا أن المرأة أدنى منزلة من الناحية الفكريّة، تقترح هذا التحدّي: أتيحوا التعليم للنساء، ثم انظروا ما إذا كان لديهنّ بالفعل قدرة أدنى في أيّ موضوع.
ما السبب المحتمل الذي قد يدفع المجتمع إلى عدم تجربة ذلك؟ هل كان قادتهُ خائفين من أن المرأة لم تكن في الواقع أقلّ شأنا؟ في الحقيقة، الكتاب بأكمله هو مُحاججة مقنعة للغاية لتثقيف النساء، وأعتقد أن حججها حول هذا الموضوع لا تشوبها شائبة.
بشكل عامّ، تُحاجِج ولستونكرافت بأن الناس ليسوا «بطبيعتهم» هكذا بدلًا من ذلك، تمّ«""تنشئة» النساء ليكونوا بطريقة معيّنة بسبب مكانتهم في المجتمع. في هذا كانت مفكّرة مبكّرة في مناقشة «الطبيعة مقابل التنشئة». إنها تقع بلا شكّ على جانب «التنشئة». تتصرّف النساء بطرق معينة لأنهن نشأن على التصرّف بهذه الطرق، وليس لأن هناك نوعًا من «الطبيعة الأنثويّة» التي تمنح المرأة بعض الخصائص «الضعيفة». شُجِّعوا على إبقاء أجسادهن ضعيفة، على سبيل المثال، من خلال منعهم من ممارسة الرياضة وهم أطفال. لقد قُدِروا حينَ كانوا مطيعين ومتواضعين، ممّا يعزز تلك الخصائص، وقُدِرَ خضوعهنّ أولًا لأنه كان في مصلحة آبائهم «أسيادهم الذكور» في كل شيء ما عدا الاسم. وخلصت إلى أنه سيكون من الحماقة افتراض أن هذه السمات طبيعية عندما تربّى النساء بوضوح على التصرف بهذه الطريقة.
الاضطهاد يفسد الجانبَيْنِ
تُحاجج ولستونكرافت أيضًا أنه دون الحرّيّة لا توجد إمكانيّة للفضيلة. على الرغم من أن هذا الموقف لم يُطوّر في قسم واحد من الكتاب، إلا أنه يظهر هنا وهناك من البداية إلى النهاية.
توضح الفكرة بأمثلة ملوّنة. ستستخدم المرأة الخاضعة الخداع والمكر للحصول على ما تريد، والخداع والمكر ليسا فضائل. وتقول: إن الجنود سيكونون سطحيّين لسبب مماثل: عليهم أن يطيعوا الأوامر ويُطلب منهم ألّا يُفكّروا. ربما ليس من المفاجئ إذن أنه يُنظر إليهم تقليديًّا أيضًا على أنهم أغبياء نسبيًّا تمامًا مثل النساء. تقولُها مازحة، فلا عجب أن النساء لديهنّ ولع برجالِ الزيّ العسكريّ!
الأشخاص الذين يتمّ إخضاعهم ليسوا أحرارًا وبالتالي ليسوا أحرارًا في استخدام عقولهم لتقرير الصواب والخطأ. وبالتالي ليس لديهم الحدّ الأدنى من المتطلبَات ليتصرفوا بشكلٍ أخلاقيّ. سيُحرمونَ من الفضيلة بمجرد خضوعهم. لذلك دون الحرّيّة، لا توجد أخلاق. الخضوع يُفسد. ومع ذلك، فإن الاضطهاد سيحرف ليس فقط المُضطهدين،؛ أولئك الذين يَضطَهِدون سيكونون كائنات أخلاقيّة معيبة أو معطوبة أيضًا. غالبًا ما يتصرفون بمأمن من العقاب وسيُطاعون، الأمر الذي سيؤدّي غالبًا إلى سلوك مسيء، والذي يصعب وصفه أيضًا بالفضيلة. لذا فالسلطة والاضطهاد يفسدان الأقوياء والضعفاء. هذا وضع غير مُكسِب حيث لا يحقّق أيّ من الطرفَيْنِ النضج الأخلاقيّ الذي يمكن أن يؤدّي إلى السعادة والحياة الطيّبة. لذلك، تنادي ولستونكرافت بوضع حدّ للاضطهاد، وتطالب الرجال والنساء بخلق عالَم يسوده المساواة، لصالح كلا الجنسَيْنِ.
هذه النقاط المهمّة كافية لخلق مكانة مُشرِفة لـ ولستونكرافت في تاريخ الفلسفة، حيث من المحتمل أن تكون صاحبة أكثر المواقف تقدميّة في عصر التنوير. يمكن اعتبار هذه الأفكار أيضًا سلفًا لفلسفات مثل ""أخلاق الرقيق"" (Slave Morality) لفريدريك نيتشه. ادّعى نيتشه أن المسيحيّة كانت أخلاق العبيد، والرومان كانوا يتمتعون بأخلاق السادة، ثم يُحاجِج بأن أيًّا من هذه الأخلاق غير مقبول، وأننا بحاجة إلى تجاوز هذَيْنِ المنظورَيْنِ في الواقع، إلى ما وراء الخير والشر.
يمكن أيضًا توسيع أفكار ولستونكرافت هنا إلى نقد عدم المساواة بشكل عامّ، مُتجاوزةً عدم المساواة بين الجنسَيْنِ إلى الحالات التي توجد فيها عدم مساواة شديدة، مثل عدم المساواة في الثروة. وهذا يفسد أيضًا من يملكون ومن لا يملكون، تاركًا مساحة كبيرة للمسؤوليّة الأخلاقيّة الحقيقيّة على أيّ من الجانبَيْنِ. على سبيل المثال، إذا كنت تعيش على الكفاف، فإن اختياراتك الأخلاقيّة تنحصر في ""هل ستأكل وستتمكن من إطعام أطفالك، أم لا؟"" إذا كان هذا هو وضعك، فستفعل ما يتطلّبه الأمر لك ولأطفالك للبقاء على قيد الحياة، سواء كان ذلك العمل في شركة تحتقرها، أو اغتنام أيّ نوع آخر من الفرص أمامك، سواء أكانوا يؤذون الآخرين أم لا. قد تشعر أن الخيار الأخلاقيّ باهظٌ عليك. من ناحية أخرى، إذا كان لديك أموال للمحامين، فيمكنك إنقاذُ نفسك أو أن تتحاشى العدالة. إذا كنت غنيًّا و/أو قويًّا بشكل لا يصدّق، فيمكنك عمومًا أن تفلت من الكثير، حيث يمكنك الاستفادة من سلطتك حتى لا تعاني من عواقب أفعالك. في مثل هذا الموقف، فإن لا أخلاقيّتك تذهب بلا رادع، وبالتالي سينتهي الأمر بالناس في كثير من الأحيان إلى أن يكونوا غير أخلاقيّين نتيجة للقوّة المفرطة. إذا كان كل هذا صحيحًا، فإن محاربة الاضطهاد وتطوير المساواة لا يزالان ضروريّيْنِ اليوم كما كان في زمن ولستونكرافت.
مدافعة بصيرة للمرأة
دعا كتاب ولستونكرافت إلى الكثير من الأشياء التي حدثت في نهاية المطاف، على سبيل المثال، تعليم عامّ حيث يدرس الأولاد والبنات معًا. وحاجَجت بأن المرأة يجب أن تكون قادرة على متابعة أيّ تعليم وفقًا لقدراتها الفرديّة، تمامًا كما يفعل الرجل. كما قالت: إن المرأة يجب أن تكون قادرة على المشاركة السياسيّة، والقيام بوظائف ذات أهميّة اجتماعيّة. كل ما كان لا يمكن تصوّره في ذلك الوقت، أصبحَ الآن معطيات.
كانت المشاركة السياسيّة ضروريّة. اعتقدت ولستونكرافت أن النساء رُبِّينَ بشكلٍ مصطنع للتركيز على التفاصيل الدقيقة للحياة المنزليّة لمجرّد أنه لم يتمّ منحهنّ فرصة الانخراط في قضايا اجتماعيّة أكبر. اعتقدت أن هذا كان سببًا آخر لحبسهنّ الأخلاقيّ، حيث مُنِعن بشكل مصطنع من الاهتمام بالخُطط الكبرى للأشياء. إن تركيزهنّ المنفرد على الأسرة والتفاعلات الاجتماعيّة جعلهنّ أقلّ مما يمكن أن يكنّ عليه.
هناك جانب آخر من حياة المرأة أعاق تطوّرها الأخلاقيّ، وفقًا لـ ولستونكرافت، وهو أنه تمّ تكوينهن اجتماعيًّا للبقاء في حالة «طفولية». في تربيتهن كن محصّنات من أيّ مشقّة أو خطر، في حين يقال لهن إن هدفهن الرئيس في الحياة يجب أن يكون جذب وإرضاء الزوج. اعتقدت أن هذا أدّى إلى ضعف، معنويًّا وجسديًّا. من خلال عدم السماح لهن بممارسة النشاط البدنيّ عندما يكنّ صغارًا بحرّيّة مثل الأولاد، أصبحت أجسادهن أضعف، مما قد يحرض غريزة الحماية الذكوريّة. لكن في الواقع، أدى افتقارهنّ إلى حرّيّة الاستكشاف والنمو إلى انعدام المسؤوليّة. تُحاجج ولستونكرافت بأن الفضيلة لا تتطور على فراش من الورود،؛ على العكس من ذلك، فإن المشقّة ضروريّة للثبات، ولتكوين شخصية فاضلة حقًّا. لكن نساء المجتمع كن محصّنات من كل المصاعب، وبالتالي أصبحن «أقل فضيلة» في هذه العمليّة. هنا تذكرني مرة أخرى بنيتشه، الذي اعتقد أيضًا أن الألم ضروريّ لتنمية الفضيلة،؛ أو بالأحرى أن المرء يحتاج إلى تجربة الحياة بكل تقلباتها من أجل تجاوز أخلاقيّات السيّد والعبد. إن فكرة أن الله يضع التحديات أمامنا ليجعلنا أكثر فضيلة هي أيضًا جزء من استجابة مسيحيّة لمشكلة الشرّ. لذلك ربما لم يكن نيتشه بعيدًا عن المسيحيّة بعد كل شيء!
الوقوع في فخّ الطبيعة
أعتقد أن دفاعًا عن حقوق المرأة هو عمل ذو أهميّة فلسفيّة كبيرة كان متقدّمًا على وقته. ومع ذلك، فإن الموضوع الوحيد الذي لا يناسبني هو ازدراء ولستونكرافت الكامل لنساء المجتمع في عصرها. وهي تدعي أنهم في كثير من الأحيان لا يهتمّون بأطفالهم وبدلًا من ذلك كانوا يهتمّون فقط بتزيين أنفسهن من أجل إرضاء أزواجهن. وتقول إنه وفقًا للطبيعة، يجب على النساء رعاية أطفالهن وإرضاعهنّ رضاعة طبيعيّة لتجنّب الحمل المستمرّ، ولجعل الأطفال يتمتّعون بصحّة جيّدة. لذلك، في رأيها، النساء اللواتي لم يأخذن مسؤوليّة الأمومة على محمل الجدّ وبشكل شخصيّ، وتركن رعاية أطفالهنّ إلى الخدم، غير فاضلات.
يبدو هذا الجزء من الحجّة ضيق الأفق. أولًا، يتناول فقط قضايا فئة معيّنة من النساء، ويتجاهل قضايا جميع الفئات الأخرى، مثل العاملات في المزارع ونساء الطبقة الدنيا اللائي فعلن كل شيء لرعاية الأطفال، والعمل في الحقول، وما إلى ذلك، طوال الوقت دون التمتّع بالحرّيّة وبشكل دوريّ المعاناة على أيدي أزواجهنّ. ثانيًا، فشل في إدراك أنه بالإضافة إلى المخاض والرضاعة الطبيعيّة، لا توجد ضرورة طبيعيّة أخرى للأمّهات القائمات على رعاية أطفالهن الوحيدين. يمكن مشاركة رعاية الأطفال بشكل مستقلّ عن الجنس، ويمكن أن يتولّى المسؤولية شخص واحد أو شخصان أو أكثر. لا يوجد شيء طبيعيّ أو غير طبيعيّ في ذلك. المهمّ هو أن يكبر الأطفال بأمان ومحبّة، مهما كانت طريقة الرعاية التي نقدّمها لهم.
الخُلاصة
دفاعًا عن حقوق المرأة هو كتاب رائع يجب وضعه بين الكلاسيكيّات، وصُنّفت ولستونكرافت جنبًا إلى جنب مع فلاسفة التنوير الآخرين. أفكارها أصيلة ومُناقشة ومكتوبة جيّدًا ولا تزال ذات مغزى حتى اليوم، سواء بالنسبة للنساء أو لأيّ مجموعة تخضع للاضطهاد. إلى أن نجد طريقة لرفع الظلم من مجتمعاتنا، ستظلّ آراء ولستونكرافت ذات صلة كما كانت في أيّ وقت مضى. صوتها هو صوت مهمّ، يجب أن يُسمَع في كل درس من دروس مقدّمات أو تاريخ الفلسفة.
سارة بيزارو تدرس الفلسفة والأخلاق في جامعة فيرلي ديكنسون، وجامعة ديلاوير فالي، وكلية روان، مقاطعة بيرلينجتون، في الولايات المتّحدة، وهي باحثة مشاركة في مركز الأخلاق والسياسة والفلسفة في جامعة مينهو بالبرتغال.
