القائمة الرئيسية

لماذا لا يسأل الرجال عن الاتجاهات؟

لماذا لا يسأل الرجال عن الاتجاهات؟
ملخص المقال

أظهرت دراسة أن الرجال والنساء يستخدمون استراتيجيات مختلفة للتنقل؛ فالنساء يعتمدن على معالم ثابتة، بينما يعتمد الرجال على ذاكرة الحركة. رغم أن كلا الجنسين يصل إلى هدفه بنفس الكفاءة، فإن النساء أفضل في التكيف مع التغيرات البيئية، بينما يتفوق الرجال في البيئات الثابتة. تعود هذه الاختلافات إلى فروق بيولوجية في الدماغ.المصدر: نيويورك تايمز

بقلم ساندرا بليكسلي

26 مايو 1992

من خلال مراقبة حركة طلاب الجامعات من الذكور والإناث عبر المتاهات، يعتقد عالم نفس ذو مكانة مرموقة أن الرجال والنساء، مثل ذكور وإناث الفئران، يستخدمون استراتيجيات مختلفة للتنقل.

وقال الباحث أن التجارب البشرية والحيوانية تشير إلى أن الإناث تميل إلى الاعتماد على نقاط مرجعية محددة للتنقل. إذ تنعطف المرأة أثناء القيادة إلى منزل الجدة مثلًا يمينًا عند متجر الأطعمة المعلبة ويسارًا عند المكتبة ثم يمينًا مرة أخرى عند شجرة البلوط الكبيرة.

كما أوضح أن الرجال يميلون إلى الاعتماد على إحساس أكثر بدائية للحركة باستخدام الاتجاهات التي يتذكرونها. فمثلًا، أثناء القيادة إلى منزل الجدة، يتحرك الرجل في اتجاه واحد لمدة خمس دقائق وينعطف يمينًا، ويمر بخمس أو ست بنايات ويتجه يسارًا، ثم يقطع طريقه لمدة ثلاث دقائق تقريبًا وينعطف يمينًا.

هذا وقال أستاذ علم النفس واللغويات بجامعة روتشستر الباحث الدكتور توماس بيفر أنه ليست هناك طريقة أفضل للتنقل. وجدير بالذكر أن الدكتور توماس متخصص في كيفية قيام المتغيرات البيولوجية مثل الجنس أو استخدام إحدى اليدين بتسليط الضوء على تنظيم الدماغ وسلوكه.

وقال إن الرجال والنساء ينتقلون من النقطة أ إلى النقطة ب بنفس المستوى ولا يضيع أي من الجنسين طريقه أكثر من الآخر. بالإضافة إلى ذلك، قال إن هناك قدرًا كبيرًا من التداخل، إذ تتبنى بعض النساء استراتيجية الذكور والعكس صحيح. قال الدكتور بيفر: ""فالأمر متعلق بالميول والخيارات وليس بالقواعد"".

وقال الدكتور بيفر في مقابلة عبر الهاتف أن الاختلافات بين الجنسين في طريقة التنقل المكاني قد ظهرت من قبل لدى الفئران، ولكن هذه أول تجربة على البشر. تم وصف التجارب يوم الخميس في ندوة عُقِدت في جامعة كيبيك في مونتريال حول الاختلافات بين الجنسين في السلوكيات المعقّدة.

تثير هذه النتائج مجموعة من الاحتمالات المهمة: هل يمكن أن تفسر هذه النتائج سبب عزوف الرجال عن السؤال عن الاتجاهات، حتى عندما لا يجدون طريقهم؟ أو سبب مواجهة بعض النساء لصعوبة في فهم الخرائط؟ أو حتى سبب لعب الأولاد بالشاحنات أكثر من البنات؟

وقال الخبير الرائد في اختلافات الدماغ والجنس في جامعة روكفلر، الدكتور بروس ماك إيوان، أن النتائج ""جديرة بالاهتمام"". وأضاف أنه بعد أن رأى نتائج الفئران، ""لم يكن متفاجئًا"" بالنتائج الجديدة.

لكن الدكتور راندي غاليستل، خبير رائد في تنقل الحيوانات يعمل في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، لا يزال غير مقتنع بهذه الفكرة. فقد قال: ""بالنظر إلى فائدة أن يعرف المرء مكانه، لا أوافق هذا الرأي تمامًا بأن أحد الجنسين يعتمد على النقاط المرجعية والآخر يعتمد على حساب الموقع. لكنني لست مطلعًا بما يكفي في مجال الفرق بين الجنسين"".

وقالت الأستاذة المساعدة في الطب النفسي والطب السلوكي الحيوي في جامعة كاليفورنيا، الدكتورة ميليسا هاينز، أن مثل هذا البحث يعتمد على فرضية مفادها أن أدمغة الذكور والإناث تتعرض لهرمونات جنسية مختلفة قبل الولادة وفي فترات معينة في وقت لاحق من الحياة. وقالت إن الهرمونات تنتج اختلافات طفيفة في بعض هياكل الدماغ مما يؤدي إلى مجموعة متنوعة من الاختلافات السلوكية. فالنساء مثلًا يكتسبن مهارات لغوية معينة بسهولة أكبر بسبب طريقة عمل أدمغتهن.

لكن الدكتور بيفر أوضح أنه لا توجد فروق بين الجنسين في الذكاء العام، ولا ينبغي إساءة استخدام اكتشافات الفروق بين الجنسين في الدماغ والسلوك لأغراض سياسية. وقال: ""هناك اختلافات ذرية بين الفولاذ والألومنيوم، ولكن يمكن استخدام أي منها لصنع كرسي بجودة عالية"". ""قد تختلف المجموعات في الطريقة التي تستخدمها لحل مشكلة ما، ولكنها تتمتع بقدرات متساوية وظيفيًا"". 

استخدام الخرائط الذهنية

وقال غاليستل أن معظم الحيوانات المتنقلة لديها خريطة ذهنية بدائية للعالم مشفرة في الأنسجة العصبية تساعدها على معرفة كيف وأين تتحرك. وقال إنه في حين أن العديد من الحيوانات تتبع الروائح أو الإشارات الأخرى للتنقل، يتعين على الطيور والثدييات وبعض الحشرات أن تجد طريقها للعودة إلى عشها، ولذلك تستخدم استراتيجيتين، إذ تستخدم تقدير الموضع– وهو حساب الموقع بالنسبة لبعض نقاط البداية المعروفة عن طريق تتبع المدة التي تحركت فيها وفي أي اتجاه وبأي سرعة – وتتبع النقاط المرجعية.

وكانت الأستاذة المشاركة في علم النفس في كلية بارنارد، الدكتورة كريستينا ويليامز، أول من اكتشف أن الذكور والإناث يفضلون إحدى الاستراتيجيتين على الأخرى. بعد حقن الهرمونات الجنسية في أدمغة الفئران النامية لتعزيز توصيلات الدماغ لدى الذكور أو الإناث، قامت الدكتورة ويليامز بتدريب الفئران على الجري عبر متاهة دائرية وتذكر مكان تخزين حبيبات الطعام.

وبعد العديد من هذه التجارب، أدركت هي ومساعدها الدكتور وارين ميك من جامعة كولومبيا أن الفئران كانت تنتبه إلى أشياء أخرى في الغرفة التي بها متاهتها. ووجدت أنه عندما يتم نقل الأشياء الكبيرة في الغرفة – عربة طعام وطاولة عليها ميزان، وشخص يجلس أمام جهاز كمبيوتر – بشكل عشوائي، فإن إناث الفئران تتشوش ولا تتمكن من العثور على كل حبيبات الطعام، بينما لا يتأثر ذكور الفئران بذلك.

ولكن عندما يتم تغيير شكل الغرفة عن طريق وضع فواصل للغرفة أو تعليق ستارة دائرية، يتصرف ذكور الفئران على حد زعمها ""كما لو كانوا في غرفة جديدة تمامًا، لم تكن لديهم أي فكرة عن مكانهم""، بينما لا تتأثر إناث الفئران بذلك.

وتوصلت بعد مزيد من البحث إلى أن الذكور يميلون إلى تبسيط المهام المكانية عن طريق حفظ شكل الغرفة وتجاهل النقاط المرجعية. على النقيض من ذلك، استخدمت الإناث كلتا الطريقتين، إلا أنهن أولين اهتمامًا أقل لشكل الغرفة مقارنة بحفظ النقاط المرجعية. لذا، يعتبر النهج الأنثوي أكثر تعقيدًا ويتطلب سعة ذاكرة أكبر.

على الرغم من أن الذكور يتعلمون التنقل عبر المتاهة بشكل أسرع، إلا أن الإناث أكثر ترجيحًا لمعرفة الطريق حتى لو تغيرت الظروف الخارجية إلى حد ما. 

تنقل الطلاب عبر المتاهة

بعد تكرار تجارب الدكتور ويليامز على الفئران، قرر الدكتور بيفر اختبار الناس. ابتكر هو وزملاؤه متاهة على شكل الرقم ثمانية تبلغ 50 × 30 قدمًا باستخدام الممرات الموجودة في الطابق السفلي من مبنى علم النفس.

وارتدى الطلاب عصابات عين تسمح لهم برؤية جزء صغير فقط من الأرضية أمامهم، وبالتالي حجب الإشارات البيئية الواضحة مثل أرقام الغرف. بدءًا من أحد الأطراف، طُلب منهم التجول عبر النظام حتى يجدوا علَمًا في الطرف الآخر. وفي نهاية كل تجربة، تم تعصيب أعين الطلاب ووضعهم على كرسي متحرك.

وتم إرجاع البعض إلى وضع البداية الأصلي، وبالتالي تدريبهم على التحرك داخل المتاهة في اتجاه واحد فقط. تم تحريك الآخرين قليلًا وعادوا إلى موقع الهدف لذا كان عليهم التحرك داخل المتاهة في كلا الاتجاهين. كان الطريق الصحيح دائمًا في الحدود الخارجية للمتاهة.

تم تكرار نفس التجارب على جهاز كمبيوتر حيث استخدم الطلاب عصا التحكم للتنقل عبر المتاهة المعروضة عليهم. في بعض التجارب، تم تحريك الطلاب عبر متاهة الكمبيوتر في عربة بحيث يجربونها بشكل غير مباشر.

وعندما أزال الدكتور بيفر جميع النقاط المرجعية من متاهة الكمبيوتر، ضاعت النساء أكثر من الرجال. أما عندما قام بتغيير الشكل الهندسي لمتاهة الكمبيوتر، ضاع الرجال أكثر من النساء. وعندما طُلب من الطلاب الاختيار من بين مجموعة من الرسومات التي تمثل المتاهة التي تعلموها للتو، تمكن الرجال من معرفة الإجابة الصحيحة في نصف الوقت، بينما تمكنت النساء من الإجابة في ربع الوقت.

لكن أداء النساء كان أفضل في تجربة مصاحبة. التقط الدكتور بيفر صورًا لعشرين تقاطعًا يبدو دون علامات مميزة بالنسبة له في نظام الأنفاق الضخم تحت الأرض بالجامعة، والذي تم بناؤه حتى يتمكن الطلاب من الوصول إلى الفصل الدراسي أثناء العواصف الثلجية.

وقال الدكتور بيفر أن النساء كن أفضل من الرجال في تحديد التقاطعات، كما كن أفضل في ترتيب الصور بالتسلسل.

قال: ""بصراحة، حتى أنا لم أتمكن من تحديد ترتيب أي منها"". 

الاعتماد على النقاط المرجعية

قال إن النساء، مثل إناث الفئران، اعتمدن أكثر على النقاط المرجعية وكان أداؤهن أفضل من الرجال في المتاهات ذات النقاط المرجعية.

وقال إنه عند النظر إلى الصور، لاحظت النساء مميزات دقيقة، مثل نمط الطلاء المتقشر، وكان بإمكانهن معرفة مكانهن.

وعند التحرك عبر المتاهة في اتجاه واحد فقط، تمكنت النساء من حفظ مجموعة واحدة من النقاط المرجعية بسرعة. لكن عند التحرك عبر المتاهة في اتجاهين، كان عليهن أن يتعلمن نقاط مرجعية مماثلة في اتجاهين متعاكسين، وهذا أصعب. ولكن عندما تم تغيير الشكل الهندسي للمتاهة، لم يتأثر أداءهن.

وأوضح الدكتور بيفر أن الرجال، مثل ذكور الفئران، اعتمدوا أكثر على ذاكرة الحركة عبر المكان، أو الذاكرة ""الحركية""، وكان أداؤهم أفضل من الإناث في المتاهات التي لا تحتوي على نقاط مرجعية.

وعند النظر إلى الصور، لم يتمكن الرجال من تحديد أماكنهم لأنهم لم يتحركوا فعليًا عبر الأنفاق.

واستنتج الدكتور بيفر أن الرجال كانوا أفضل في التحرك عبر المتاهة في الاتجاهين، لأنهم حفظوا الشكل الهندسي بسرعة ولم يعتمدوا على النقاط المرجعية. ولكن إذا تم تغيير هندسة المتاهة أو تم تحريكهم خلالها، فإن أدائهم يتغير بشكل سلبي.

وتقود النتائج الباحثين إلى تجارب وتوقعات أخرى. ربما يلعب الأولاد الصغار بالشاحنات لصقل مهاراتهم في التنقل المكاني. وتخطط الدكتورة هاينز لدراسة هذه الفكرة.

القدرة على فهم الخرائط

ربما يكون الرجال أفضل في فهم الخرائط لأنه من الأسهل نقل التمثيل الحركي على الورق بدلًا من نقل مجموعة معقدة من النقاط المرجعية. فهم لا يسألون عن الاتجاهات لأنهم يثقون في أن خرائطهم الذهنية ستوصلهم إلى وجهتهم – أي أنهم لا يعتقدون بأنهم ضلوا الطريق.

نظرًا لأن العديد من الحيوانات الذكور، بما في ذلك الكلاب والقطط الأليفة، تتجول في مناطق أكبر من الإناث، فربما يحتاجون إلى تقدير الموقع لتجنب الضياع. وربما تكون هناك طريقة أفضل لتعليم النساء الحسابات الرياضية بناءً على أسلوبهن المعرفي في تعلم المهام المكانية.

وقال الدكتور غاليستل أن هناك نصيحة عملية واحدة يمكن استخلاصها مباشرة من البحث: ""عندما يصف لك رجل الاتجاهات ويقول لك انعطف يسارًا لكن يده تشير في نفس الوقت إلى اليمين، فاتبع دائمًا الطريقة التي تتحرك بها اليد ولن تضيع"".

مقالات ذات صلة