23 أغسطس 2018
عندما يتأمل المرءُ العديدَ من المشاكل التي تواجه العالمَ اليوم، فهذا يستدعي سؤالًا قديمًا إلى الذهن: ما معنى أن تكون إنسانًا؟
أعتقد أنه لا توجد إجابة واحدة ثابتة لهذا السؤال. فنحن البشر نمثل ما نتصور أنفسنا عليه، وأعني بذلك شيئين: ما نَودُّ أن نكونَه، وما نقوله عن أنفسنا. تمثل تصوراتُنا عن أنفسنا استجاباتٍ للظروف التي تواجهنا في بيئاتنا، وتتغير هذه الظروف باستمرار مع الزمان والمكان. لذلك، الطريقة الوحيدة للإجابة على هذا السؤال هي دراسةُ كيفيةِ رؤيةِ الشخص لنفسه وللآخرين ضمنَ الظروفِ الاجتماعيةِ والثقافيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ لعصرِه.
لا يوجد شيءٌ اسمه كائن بشري هكذا بشكل مُجرَّد. وحين نرى الناس في وجود مُجسِّد في سياق تجاربهم وخبراتهم- أي: مواقعِهم الاجتماعية، ومساراتِهِم التعليمية، وذكرياتِهِم، وسعيهِم وتمسُّكِهِم بمبادِئِهم ومُثُلِهِم- حينها يكونُ سؤال: ""ما معنى أن تكون إنسانًا؟"" ذا معنى ودلالة.
يبدو أن الجميع متفقون على أننا نعيش اليوم في زمن مختلف تمامًا، قد نستخدم تسميات مختلفة له – عصر العولمة، وعصر الإنترنت، وعصر الرأسمالية المتأخرة، وعصر انهيار أيديولوجية الحرب الباردة – ولكن كل هذه المصطلحات تسعى إلى وصف الوضع الجديد في العالم. والسمة الأكثر لفتًا للنظر في هذا الوضع هي أننا أصبحنا أكثر حرية من أي وقت مضى في وصولنا إلى المعلومات والمعرفة والمساعدة التكنولوجية. وفي الوقت نفسه، فإن القوى التي تميل إلى وضع حدود لحرياتنا الشخصية – الدول، والأديان، والهويات العرقية، ومجموعات المصالح الاقتصادية وغيرها – تتحلل وتعيد تنظيم نفسها، إذ يموت البعض بينما ينمو البعض الآخر بقوة غير اعتيادية.
مثل هذه التغييرات يمكن أن تكون محيرة للعقل، فيمكن أن تصعّب علينا تذكر مكان موطننا، والتعرف على اللغة والعادات التي كنا نعتبرها في السابق أمرًا مسلمًا به، ومعرفة المكان الذي ننتمي إليه الآن. ومن هذا المنطلق، يأخذ سؤال ""ما هو الإنسان؟"" أو ""ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟"" صبغةً جديدة تمامًا، فتتبدَّلُ إجاباتُ اليوم عن إجابات الماضي.
تختلف الموارد التي نستخدمها للبحث عن إجابات لهذا السؤال حتمًا باختلاف تجاربنا الشخصية. فبالنسبة لي، ألزمتني خلفياتي الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية المختلفة – كفنان يعيش في الصين، كسجين سياسي والآن كمغترب –على تغيير وتعديل تصوراتي حول مفهوم الإنسان.
إن تجنب السؤال خطأ فادح، فعلينا أن نطرح هذا السؤال ونكرره. فالمناقشات والأحكام التي أدت إلى حكمة الإنسان في الماضي كانت بمثابة ردود على نفس السؤال المطروح في السياق السياسي والاجتماعي في ذلك الوقت، وهذا له علاقة بكل مستوى اجتماعي: الفرد، المجتمع، الأسرة، والأمة. إن العديد من الخلافات السياسية والثقافية التي نراها في العالم اليوم تنبع من الإحجام عن مواجهة هذه المسألة الرئيسية بشكل مباشر، والتوصل إلى تعريفات واضحة فيما يتعلق بها.
تشمل البشرية كلَّ واحدٍ منا. ومهما كانت الإهاناتُ والتحدِّياتُ السياسيةُ والثقافيةُ التي يُنتِجُها التاريخُ مُخيفةً، فإن آخر ما نملكُه وما لا يمكن اختزاله، وسيكون واضحًا لنا إذا صرنا فجأة في صحراءَ قاحلة، هواحترام الكرامة الإنسانية.
كل شيء يتوقف على كيفية تعريفنا لأنفسنا وكيفية تعاملنا مع الناس من حولنا والذين يأتون من أعراق وأديان وثقافات مختلفة. ويُحكم علينا بالفشل إذا فقدنا التفكير المستقل، وفقدنا القدرة على تقييم أنفسنا وتعريفها بحرية.
من وجهة نظري، يجب أن يكون تعريف الذات هو المبدأ النهائي والأقوى لكل فرد، فهو الدعامة الحديدية للأخلاق والجماليات والفلسفة العملية. فإذا أفلت من يدنا ولو للحظة واحدة، فالإجابة على سؤال ""ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟"" ستكون: ""لا شيء"".
آي ويوي فنان مقيم في برلين.
