المصدر: نيويورك تايمز
بقلم ديفد زويرنر
22 مايو 2020
عندما وافقتُ على كتابة هذه المقالة، لم أكن أعلم أنني عندما أحظى أخيرًا بوقت لكي أقوم بذلك، ستكون جميع متاحفي المفضلة مغلقة أمام الجمهور، وكذلك كل مكتبة ومسرح وقاعة حفلات موسيقية ودار سينما، ومعارضي، بلا شكّ، تؤكّد على ذلك. فكأنّ عالمنا، فجأة ودون سابق إنذار، تبدّل من ألوانه الزاهية إلى اللونين الأبيض والأسود.
لكن خطر لي أنه لا توجد لحظة أفضل للتأمل في أهمية الفن – أو بصيغة أفضل، الثقافة نفسها – من لحظة غيابه المادي الكامل.
تعتبر الخسارة الكاملة للتجارب الفعلية الملموسة مع الفن نوع من الانسحاب بالنسبة لي، إذ أعتقد أن الخبرة والتقدير – الحاجة – للثقافة متأصلة في وجودي، وكذلك متأصلة في جنسنا البشري. فالفن ليس شيئًا يحدث على هامش حياتنا، بل هو في الواقع أمر أساسي يحرك حياتنا.
يشبه الأمر ما قالته والدتي ذات مرة: ""الفن هو كيفية تسويغنا لوجودنا"".
بدأنا بابتكار الفن منذ فترة أطوال بكثير مما هو مسجل في التاريخ. إذ يعود تاريخ أقدم الفنون البصرية، كلوحات الكهف في سولاوسي في إندونيسيا وديل كاستيلو في إسبانيا، إلى ما يقرب من 40 ألف سنة مضت. وهناك دافع قوي لأن أفترض أن هناك أعمالًا سابقة لا نعرف عنها بعد، فقد كان منافسونا العظماء في السباق التطويري، البشر البدائيون (Neanderthals)، أقوى وأكبر حجمًا ولديهم جماجم أكبر منا، لكنهم لم يتركوا وراءهم أي أدوات متطورة ولم يتركوا سوى القليل جدًا من المصنوعات اليدوية. تقول إحدى الحجج أن خيال البشر البدائيين كان محدودًا، وأن طريقة تفكير الإنسان العاقل المعقدة – أو ما قد نطلق عليه مسمى إبداعنا – هي ما جعلنا نتصدر أنواع الجنس البشري.
والفن بالنسبة لي ليس مجرد تحفيز حسي، إذ أعتقد أنه ممتع كسعي فكري. الفن العظيم بحكم تعريفه معقد، ويتطلب جهدًا في التعامل معه. هناك تلك اللحظة الرائعة، التي افتقدتها مؤخرًا، عندما تقف أمام عمل فني، وفجأة يتحدث إليك العمل. وذلك لأن الأعمال العظيمة تحمل معها الكثير من الرسائل والمعاني، وغالبًا ما تبقى هذه الرسائل لقرون، أو – وبشكل أكثر غموضًا – تتغير مع مرور السنين والعقود، دون أن يقل تأثيرها وأهميتها.
وتتبادر إلى ذهني لوحة ""لاس مينيناس"" لفيلاثكيث، كما تتبادر إلى ذهني البهجة التي كنت أشعر بها في كل مرة أراها في متحف برادو في مدريد في مراحل مختلفة من حياتي. إن التفكير في ""لاس مينيناس"" اليوم وسط الواقع الجديد للوباء يذكرني بمدى تطلعي لرؤية الأعمال الفنية في مساحاتها المادية مرة أخرى. لا يوجد بديل عن مادية العمل الفني، التي ترتبط في النهاية وبشكل ثابت بحواسنا وأجسادنا وبراعتنا التحليلية وفضولنا الفكري.
غالبًا ما يكون تقدير الفن تجربة جماعية، فهو يجمعنا معًا – عندما نذهب إلى المتاحف، أو الافتتاحات أو الحفلات الموسيقية أو السينما أو الباليه أو المسرح. فنتجادل، وأحيانًا نتشاجر، لكننا بالتأكيد لا نشن حربًا بسبب التعبير الفني. وأود أن أؤكد أن الفن والثقافة هما أهم الوسائل التي من خلالها نفهم بعضنا البعض، فهما يجعلاننا فضوليين بشأن ما هو مختلف أو غير مألوف، ويسمحان لنا في النهاية بقبوله، بل وتبنيه. وإذا أمعنا التفكير، فسنرى أن المجتمعات الأكثر خوفًا من ""ما هو مختلف"" – النازيين والاتحاد السوفييتي في عهد ستالين والصينيين في عهد ماو – لم تكن قادرة على إنتاج أي أعمال ثقافية مهمة، ألا يخبرنا هذا شيئاً؟ ومع ذلك، فإن وفرة الأعمال التي تم إنشاؤها لمقاومة مثل هذه الأيديولوجيات لا تزال مهيمنة على خطابنا الثقافي.
وفي الآونة الأخيرة، احتدم النقاش حول كيفية مواجهة الفن والثقافة للعلوم الصعبة. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذا السؤال يلقي بثقله على جامعات الولايات المتحدة، حيث تلعب العلوم الإنسانية دورًا أصغر من أي وقت مضى، وهذه قضية خطيرة. ففي حين أن العلوم جلبت إلى هذا العالم الكثير من الأشياء الرائعة، إلا أن لها دور أيضًا عندما يتعلق الأمر بأكثر إنجازاتنا شرًا – الحرب النووية والتلاعب الجيني وتدهور الطبيعة.
وفي حين أن الفن يمكن أن يصل إلى أحلك الأماكن في النفس البشرية، فإنه يقوم بذلك لمساعدتنا على الفهم والتميز، فالفن يسمو بنا. وأعتقد أن الهدف منه أن يجعلنا أشخاصًا أفضل.
لقد أثبتت الآلات كفاءتها أثناء الوباء، فهي تربطنا وتوعينا وتسلينا، لكنها في النهاية محدودة، فقد ولِدت من العلم وليس لديها خيال، ولذلك علينا أن نتخيل بدلًا منها.
ومن يدري ماذا سيجلب المستقبل؟ إذا واجهنا تحديًا نحن البشر العاقلون مرة أخرى، فلن يكون ذلك من قِبَل بشر بدائي – ولا من أي نوع آخر – بل من قِبَل الآلات التي اخترعناها بأنفسنا. والفوز في تلك المعركة لا يمكن أن يتم دون إطلاق أهم المحركات التي نمتلكها، وهما الثقافة والإبداع، لأن العقل يولد من تجاربنا الثقافية، والأعمال الفنية تحمل معها حكمة العالم.
سوف تنقضي هذه الفترة الصعبة التي مررنا بها مؤخرًا، وقد منحتني المناقشات التي أجريتها مع الفنانين التشكيليين بعضًا من الأمل. تواصلت مع الكثيرين أثناء عملهم، وشعرت بأنهم كانوا سعداء عند الاستماع لكلامي، وكانت محادثاتنا مهذبة تمامًا؛ إلا أنني كنت أشعر في قرارة نفسي بأني كنت أقاطع عملهم المهم الذي كان أهم من التحدث إليَّ، فقد كانوا يصنعون الفن.
لا أستطيع الانتظار لرؤية الفن الذي كانوا يعملون عليه، وأعدكم أنني سأعرضه عليكم في أقرب وقت ممكن.
ديفد زويرنر تاجر لأعمال فنية لديه معارض فنية في نيويورك ولندن وباريس وهونغ كونغ.
