القائمة الرئيسية

الزفاف الإيرلندي

الزفاف الإيرلندي
ملخص المقال

في قصة إليزابيث مكراكن، تُسرد تجربة سادي أثناء قيادتها من مطار دبلن إلى حفل زفاف أخت جاك، حيث يتناول النص التوتر والارتباك الذي تشعر به سادي في مواجهة عائلة جاك الغريبة. بينما تواجه صعوبات في القيادة على الطرق الإيرلندية الممطرة، يتفاعل الزوجان بطريقة مرحة وساخرة، مما يعكس بداية حياتهما المشتركة. لحظة وصولهم إلى المنزل المظلم، تتداخل مشاعر القلق والمرح، حيث تلتقي سادي بأفراد عائلة جاك وتكتشف التعقيدات الثقافية والاجتماعية في علاقتهم. تعكس القصة التحديات العاطفية والهوية الشخصية، مع لمسة من الفكاهةالمصدر: ذا أتلانتيكقصة قصيرة

بقلم: إليزابيث مكراكن

قادت سادي السيارة المستأجرة من مطار دبلن إلى حفل الزفاف، لأن جاك لم يقدْ– لا قيادة سيارة عادية، ولا قيادة على الجانب الأيسر من الطريق، ولا بأي حال من الأحوال، وهي تقود السيارة بسرعة في الحقول الخضراء –لبضعة أميال– تتحرك ببطء خلف جرّار على طريق متعرج. كانت الساعة 10 مساءً، وكانت تمطر، ولو كانت إيرلندا قريبة وواضحة، فلن يمكنها معرفة ذلك، ولن تستطيع المخاطرة بأي شيء. كان الجرّار الذي تختبئ خلفه مُطمئنًا، وأضواؤه البيضاء تشعّ في المكان، كانت تخطّط لملاحقته أطول فترة ممكنة، أو حتى بلوغ الفجر، إن لزم الأمر.

قال جاك: ""تجاوزيه"".

فأجابت سادي: ""تجاوزه أنت"".

""لست أنا من يقود"".

فقالت سادي: ""هذا صحيح"". 

لم تكن هذه الحفلة التي يسرعون لحضورها حفلة زفافهم، بل حفلة زفاف الأخت الثانية لجاك، فيونا. كانت سادي ستلتقي بالعائلة بأكملها في الوقت نفسه؛ فيونا والرجل الهولندي الذي سيصبح زوجها، وبيت، وأخت جاك الأصغر كاتي، وأخته الكبرى إيلويز، وعائلتيهما؛ وبالطبع والديه السيد والسيدة المهمين، مايكل وإيرين فاليرت. كان جاك هو الأصغر بينهم جميعًا، وهو الوحيد الذي وُلد في أمريكا، على الرغم من إصراره بأنه ليس أمريكيًا، إلا أنه تربى معظم حياته هناك. وكان بقية أفراد عائلته إنجليز، وهو كذلك، إلا أنه لم يُقبَل كشخص إنجليزيّ الأصل.

قادت سادي السيارة كعمل بطوليّ، على الرغم من أنها في أي لحظة قد تنحرف عن الطريق، أو تقع في خندق أو منحدر؛ لأنها لم تكن متأكدة، فهي لا تستطيع رؤية الطريق أمامها جيدًا. في بوسطن، حيث يعيشون، نادراً ما تتاح لها الفرصة للقيادة، لأداء هذا العمل بمروءة. وعندما تفعل ذلك كان جاك مفعمًا بالامتنان والثناء، ويمرّر لها وجبات خفيفة ومشروبات، ويقرأ لها من المجلات. هم ما يزالون في بداية حياتهما معًا، وهذا الزفاف هو الأول الذي يحضرانه معًا.

قال جاك: ""أنتِ قريبةٌ جدًا من هذا الجانب"".

لم يكن يقود السيارة، ولكن جسده تصرف وكأنه يعرف كل شيء عن القيادة. استخدمت الفرامل في السيارة، فانكمش على نفسه متجهّزًا للموت. كانت سيارة الإيجار صغيرة، وذات لون أزرق فاتح، وكانت من علامة تجارية ونموذجًا لم تسمع سادي عنهما من قبل، وكان هناك رسمة لمخلوق أسطوري ذي جناحين وحراشف في وسط عجلة القيادة. سيكون الزفاف في منزل كبير في إيرلندا بالقرب من بلدة كلونميل، فلم يكن هناك خيار آخر سوى القيادة. والخبر الجيد هو أن المنزل مِلْكٌ لفيونا وبيت، اللذين اشترياه بثمن رمزيّ بعد وفاة الشخص الذي كان يعيش في إحدى غرفه العديدة، لذا يمكن للعائلة بأكملها الإقامة هناك مجانًا، وفور وصولهم يمكنهم الشرب دون قلق. وكان هذا بالطبع هو الخبر السيئ أيضًا، إذ بعد الشرب وطوال تلك الساعات ستكون على طبيعتها أمام عائلة جاك. كانوا يحلقون طوال الوقت عبر الهواء وعبر المناطق الزمنية، والآن حل منتصف الليل.

قال جاك: ""ستفوتنا وجبة العشاء"".

""لقد فاتتنا في الواقع"".

""لقد فاتتنا. لا بأس بذلك"".

هبّت الرياح الإيرلندية على السيارة الصغيرة، ومالت سادي إلى الأمام، كما لو أن الطريق نفسه خريطة لا تستطيع قراءتها؛ لا، ليس كما لو أن، بل هو كذلك.

سألها جاك: ""كيف حالك""؟

فأجابت بصوت مرح: ""أنا بخير""! وحينها أدركت أن هذا الصوت مشابه لصوت والدتها التي كانت دائمًا ما تبتهج عندما تشتد الأمور. وقد قبلت من والدتها نصيحة أيضًا، دون تفكير، بأنه يجب عليك دائمًا شراء تأمين السيارة الكامل عند القيادة على الجانب الخطأ من الطريق. ولحسن الحظّ فعلت ذلك، لأن السيارة كانت قد خُدِشَت على جانب واحد، وربما ستفقد مرآة الرؤية الجانبية.

كان الجرّار يُبطئ من سرعتهم، وكذلك كان شعور سادي بأن إيرلندا تظهر شيئًا فشيئًا في هذا الظلام كلما تقدمت في المسير، وكان جاك يقدم لها التوجيهات في اللحظات الأخيرة، فأحيانًا ينظر إلى الخريطة، وأحيانًا إلى ظرف قديم كتب عليه ملاحظات. وأخيرًا وصلوا وتوقفوا على المدخل الطويل. يمكنهم الآن تمييز الشكل الباهت للمنزل المظلم وسط الأشجار والضباب.

قالت سادي: ""إنه قصر""!

فأجاب جاك: ""إنه مبنى جورجي الطراز"".

كانت قطرات المطر أخفَّ وألطفَ خارج السيارة، وهو ما كانت عليه على نوافذ السيارة؛ خفيفة جدًّا، ورطبة تنزلق فوق شعرهم، حتى تصل إلى ياقات قمصانهم. تركا حقائبهما في السيارة، وأسرعا نحو الباب الأماميّ، الذي كان يحمل مقبضًا ضخمًا ماموثي الشكل يشبه ذلك الذي في روايات ديكنز، وعلى استعداد لتحويل وجه شخص ما، ولكن من؟ فتح جاك الباب بقوّة بكتفه، ومن ثم دخلوا إلى ردهة مظلمة مضاءة بضوء الليل، بها أرضية فيرمير باللونين الأسود والأبيض، وخمسة أبواب، كانت تبدو كالأحجية. وقد كانت سادي واثقة من وجود أسد خلف أحد تلك الأبواب، ومستقبل سعيد خلف آخر، ومخزون يكفي مدى الحياة من علب رايس-أ-روني خلف الباب الثالث.

فُتح باب رايس-أ-روني لتخرج منه امرأة صغيرة تحمل مصباحًا يدويًّا، مرتدية ملابس تشبه ملابس عامل الإسطبل، أو ما تتخيل سادي أن يرتديه عامل إسطبل، وهو سروال من قماش الكودري داخل حذاء مطاطيّ، وسترة من المؤكّد أنها أعطيت له من شخص غير مبالٍ، ولديه كثير من المال؛ فهي مصنوعة من كاشمير بُنّيّ بأكمام متفككة الخيوط.

وقالت بصوت هامس مسرحيّ: ""من هذا الاتجاه، أهلًا بكم""!

فهمس جاك: ""مرحبًا""!

وهمست قائلة: ""رتبنا لكم غرفة صغيرة دافئة لهذه الليلة، آمل أن يكون ذلك مقبولًا. سينتقل غدًا بعض أفراد العائلة إلى الفندق في وسط المدينة ليتجهزوا، يمكنكم حينها أخذ غرفتنا"".

تبعاها إلى غرفة صغيرة في وسط المنزل يحتلّ السرير فيها الحيز بالكامل. وقالت المرأة: ""مرتبة هوائية، ولكنها جيدة، البطانية الكهربائية تعمل. أشفق عليكم، فأنتم حتمًا تشعران بالإرهاق"".

أجاب جاك: ""نحن كذلك"".

وقالت المرأة: ""سنلتقي لقاءً أنسب في الصباح ونحن في حالة أفضل""، ثم أضافت: ""يبدو شعرك مرحًا وكثيف جدًا. أليس كذلك""؟

رفع يديه وتلمس شعره، ثم قال: ""أعرفك على سادي"".

خرجت المرأة من الباب المقابل للباب الذي دخلوا منه قائلةً: ""تشرفت بمعرفتك يا سادي، أراكِ في الصباح"". وكان الصمت يسود المنزل حولهم.

سألت سادي: ""لمَ دعتك ليني""؟

ركل المرتبة الهوائية برجله قائلًا: ""لأنه اسمي. فاسمي الحقيقي هو ليونارد، وأنتِ تعلمين بأن عائلتي تدعوني ليني. وأنا أكره ذلك"".

وقالت: ""كنت أعرف أنه اسمك، ولكنّي لم أعرف أنه اسمك الحقيقي"".

كرّر قوله: ""أنا أكرهه"".

شعرت حينها بشيء من الاضطراب والتوتر وقالت: ""أحتاج إلى الذهاب إلى الحمام"".

كانوا في غرفة لها ثلاثة أبواب: الباب الذي دخلوا منه، والباب الذي خرجت منه المرأة، وباب خارجي به نوافذ زجاجية. ويبدو أن المطر يتساقط على هذه النوافذ كلها.

وقال جاك: ""إن الأمر محير جدًّا. اذهبي إلى الخارج"".

وقالت وهي تفتح الباب الذي دخلوا منه: ""إلى الخارج""؟ لتواجه ستة أبواب أخرى وجميعها مغلقة. لربما تجد خلف أيّ منهم مرحاضًا، أو شخصًا غريبًا نائمًا. وقد فتح جاك الباب الخلفي بالفعل، وقال: ""حسنًا، سأذهب للتبول في الهواء الطلق"".

""سهلٌ عليك قول ذلك"".

وقال مردّدًا: ""اذهبي، اذهبي، اذهبي، اذهبي"".

قالت لنفسها يمكن أن يكون الأمر أسوأ من هذا. فقد كانت ترتدي فستانًا لذا خلعت معطفها وجواربها وسروالها الداخلي وخرجت في المطر. كان الطقس باردًا، ولكنها كانت تشعر بالبرد حقًّا؛ فلا يمكن أن تبرد أكثر من ذلك.

وسألته: ""هل انتهيت من التبول""؟

""انتهيت"".

""تعال، أعطني يدك. هل عائلتك بأكملها هنا""؟

""أعتقد ذلك"".

""هل يشاهدونني أتبول تحت المطر""؟

""بلا شك"".

""من كانت تلك السيدة""؟

""تلك السيدة كانت العروس. فيونا. ألم أقل ذلك""؟

""أنت لم تفعل. حسنًا، لقد انتهيت"".

وجد جاك بداخل المنزل مصباحًا صغيرًا يمكن تشغيله وهو مثبّت على حافة سلم صغير. كانت الجدران ذات لون أخضر زاهٍ، وبدا وكأنه سيدة من لوحات تولوز لوترك، يضيء المصباح من أسفله بشكل ساحر، واثق من الموت أو الإصابة بالعمى أو الجنون.

وقد بدت فكرة المرتبة الهوائية والبطانية الكهربائية ككارثة لسادي، ولكنها أعادت ارتداء سروالها الداخلي، وخلعت فستانها المبلل، واستخدمته لتجفيف ركبتيها المبللتين، ومن ثم، وبسبب شعورها بالبرد القارص، تغطّت بالبطانية. لم تجرب النوم أسفل بطانية كهربائية من قبل، كانت دافئة ومُريحة، وشعرت وكأنها حيوان صغير مهجور توفيت أمه، ولكن يمكن إنقاذه بالتقنيات الحديثة، شعرت بالاحتضان. لربّما ستتعرض لصعقة كهربائية، وربما ستنفجر المرتبة الهوائية وستنزلق متحركة في الغرفة عندما ينفد الهواء منها. وللحظةٍ لم تشعر بشيء أجمل من شعور أن هذه الطوّافة الصغيرة الدافئة في طريقها للنوم.

وبعد ساعات سمعت صوت الأطفال، ثم صوتًا غاضبًا يقول: ""لا، توماس، لا، إنهم نائمون، لا، بي، تعال إلى هنا، ستعزف البيانو لاحقًا"". كان النهار مشبعًا من مياه الأمطار، والمطر قد توقف، ولكنها كانت ما تزال تسمع صوت قطرات الماء. وبجوارها كان هناك بيانو عموديّ الأوتار مدهون. وكانت البطانية الكهربائية باردة، والمرتبة الهوائية فقدت قليلًا من الهواء، ولكن ما يزال فيها ما يكفي.

وقال جاك: ""إيرلندا"". 

قالت سادي: ""إلى الآن""؟

""نعم، لعدة أيام"".

ومن ثم، عادت إلى النوم.

عندما استيقظت في المرة التالية سمعت أصواتًا تأتي من وراء جميع الأبواب، اليسار واليمين وعند رأس السرير. كانت سادي بملابسها الداخلية محبوسة في غرفة سرية محاطة بعائلة جاك. ولو كانت قد تجاوزت ذلك الجرّار، وكانت أكثر شجاعةً، وقادت مباشرة في اتجاه شبه جزيرة دينغل على الجانب الآخر من البلاد. دينغل، يا له من اسمٍ جميل لمكان رائع! إذ لم تكن قد زارتها من قبل، ولكن إحدى صديقاتها من المدرسة الثانوية كانت قد أرسلت لها بطاقة بريدية مرة واحدة من شاطئ إنش.

قالت: ""جاك""، ولكنه لم يكن هنا، فلقد كان خارجًا حقًّا، اللعنة عليه! فقالت لنفسها بصوت هامس: ""ليني"".

لا توجد ستائر في الجزء الخلفي من المنزل. ولكنه كان قد نشر فستانها على السلم، وأصبح نصفه جافًا، لذا ارتدته ووقفت بجوار المرتبة؛ كان عليها أن تدخل قدميها من الأسفل ليسهل لبسه، وأخذت تبحث مستمعةً لصوته. استطاعت إيجاده، وكان هناك أيضًا صوت صب القهوة أو الشاي، وكانت تأمل أن تكون قهوة. كان يتحدث مع أشخاص آخرين، لم يمكنها أن تخرج إلى هناك بأي حال من الأحوال. لربما إذا خرجت من الباب إلى الردهة يمكنها أن تجد طريقها إلى السيارة وأمتعتها، وإلى فرشاة أسنانها.

خلف الباب كانت هناك ردهةٌ باللونين الأسود والأبيض، وفي نهايتها من الأمام كان هناك رجل حافي القدمين يطل من النافذة، التفت إليها، لم يكن إنجليزيًا، شيء ما في تسريحة شعره المدببة، وحدة نظاراته الفولاذية مربعة الزاوية. كان بيده شطيرة، وقال بصوت أوربيّ هادئ: ""مرحبًا، هل قصدتِ ترك باب السيارة مفتوحًا""؟

""ماذا؟ لا""!

وقال: ""هناك قطّة وكلب داخل السيارة"".

ارتدت حذاءها، الذي كان لا يزال بجوار الباب والرطب، مثل المحار. وقالت وهي تشعر بالروع: ""قطة وكلب""! كان المطر ينهمر بغزارة؛ حيث كانت تعتقد أنه تحدث بمعنى مجازي. ولكنه لم يكن كذلك، فقد كان الباب من جهة السائق مفتوحًا، وقفز خارج السيارة كلب من نوع شتلاند سبرنجر متجهًا نحو الممر. وقد كانت هناك قطة سيامية تسلك طريقها عبر الأحجار الصغيرة نحو الحديقة الأمامية.

وقال الرجل الذي تبعها حافي القدمين وأغلق باب السيارة لها: ""حسنًا، كما رأيتِ. أدعى بيت"".

قالت: ""أدعى سادي. هل…، هل هذا كلبك""؟

""ربما الجيران؟ لا أعرف. أليس لك؟ ألم تحضري لنا قطةً وكلبًا من أمريكا""؟

وفي وضح النهار استطاعت أن ترى أنهم كانوا على قمة تل، وكانت هناك تلال أخرى أمامها تغطّيها درجات متفاوتة من الضباب والوميض. ""هل تظنّ أنهم أمضوا الليلة بأكملها هناك""؟

وأومأ بيت قائلًا: ""أحب أن أظنّ ذلك، نعم"".

وقالت: ""مثل كتاب للأطفال"". فقد تبخر الشعور المهين، لأنها مرهقة جدًّا، حتى إنهاا تركت الباب مفتوحًا في أثناء عاصفة ممطرة. ففي أيّ مكان آخر ستحتمي حيوانات كلونميل؟ يجب أن تكون تلك علامة جيدة، إن هذا الزواج غريب وسعيد بعد كل شيء، ولكن علامة من كانت؟

قسم بيت شطيرته قسمين، وسلمها الجزء غير المأكول منها، وقال: ""الإفطار"". وبسرعةٍ بدأت في التهامها. ولقد كانت تتوقع تناول لحم الخنزير، ولكنه كان شيئًا حلوًا ولذيذًا ومقرمشًا بين أسنانها.

قال بيت: ""الفراولة والزبدة والسكر"". لمس ذقنه وقال: ""أعتقد أنني سأتزوج، لذا يجب علي أن أحلق ذقني"".

""هل حفل الزفاف هنا""؟

وقال بطابع فلسفي: ""إن الزفاف في الكنيسة، ويمكن أن يكون زواجي على صخرة، من نسر أو دب، ولكن ليس فيونا. إنها تؤمن بوجود الرب. وأخبرتها بأن 'الرب في كل مكان، أليس كذلك'؟ ولكن أنا ملحد، ومن ثَمَّ فإنّ آرائي عن الرب لا تهمّ"".

قام بحمل حقيبتها ودلها على الحمام، الذي كان يحتوي على مرحاض مثبت غير دقيق على الحائط، وحوض استحمام على شكل أرجل ذات مخالب موجود بزاوية الغرفة، في انتظار تركيبه. تأكّدت أن الماء في المغسلة جارٍ، وكانت فرشاة أسنانها قد احتكت بشيء صابونيّ في حقيبة مستحضرات التجميل ذات طعم يشبه النعناع والعطر المنتهية صلاحيته. ومن ثم غيّرت ملابسها إلى فستان نظيف، وزوج من اللباس الداخليّ، وجوارب نظيفة، ثم وضعت الحقيبة في غرفتهما الصغيرة الدافئة، وعلقت ملابسها المتّسخة والرطبة في الجزء العلويّ، ثم سارت عبر الممر الطويل لتتبع الأصوات إلى المطبخ. وهناك كان جاك يستند إلى موقد مطلي بالمينا الأصفر، ومحاطًا بأشخاص إنجليز، إذ يرتدي الجميع ملابس تشبه تلك التي يرتديها عمال الإسطبلات. وكان لا يزال يرتدي ملابس الأمس، أدّى النوم بهذه الملابس إلى تتجعّد بوضوح. كانت الغرفة تفوح منها رائحة السجائر والسجق، وحينها تفحّصت وجه جاك بحثًا عن أيّ دليل على الشعور بالذنب بسبب تخليه عنها.

وبدلًا من ذلك قال: ""ها هي""!

ذهبت هي إليه، لكنه لم يضع ذراعه حولها كما كان يفعل في أمريكا. وقال لها بصوت مفعم باللطف، شعرت من خلاله بأنه سعيد لرؤيتها: ""تعالي، واجلسي. ماذا يمكنني أن أجلب لك؟ سأحضر لك بعض القهوة"". وقال للمجموعة الإنجليزية المتجمعة هنا: ""هذه سادي"". وكانوا جميعهم نساء، سوى صبي صغير، وفجأة فتح باب الغرفة الصغيرة، وبدأ بالنقر على البيانو، وكان هناك رجل ذو يدين ضخمتين يضع الأطباق في خزانة. وكل هؤلاء الأشخاص هم الذين يطلقون على جاك اسم ""ليني""، كان يبدو عليهم أنهم هكذا بلا أدنى شكّ. ""سادي، لقد قابلت فيونا وهاتين كيتي وإيلويز، أخواتي الأخريات. وهذا زوج كيتي، بول"".

بدا جاك وأخواته معًا وكأنهم صندوق أدوات كاملة، كالفأس والسكين والمجراف والمجرفة الصغيرة. وقد أدركت سادي بعد جلوسها أنها لن تلمس أيًّا من الأشخاص الحاضرين. وقد كانت على وشك إلقاء التحية عندما دخل رجل كبير السن من باب في زاوية الغرفة وهو ينفض الماء من يديه.

كان والد جاك –لا بدّ أن يكون كذلك– بشعره المجعد الكثيف الذي يشبه شعر جاك، رغم أنه أكثر بياضًا وترتيبًا. كان رجلًا طويل القامة ومتجهمًا إذ شعرت سادي بأنها تُتَجاهَل حقًّا، كما كانت تشعر دائمًا حوله، وبعينين زرقاوين غير عاديتين لا بدّ أنه كان مغرورًا بهما. وكان يرتدي سترة بلون أغمق، مثل لون الطاووس، لإبرازها.

قال بصوت مبتهج: ""ما زلت هنا""!

فقال جاك: ""بحقّ الجحيم"". أستحلفكِ!

وأجابت المرأة التي دعتهم للدخول: ""ليس كذلك""! وكانت فيونا، العروس، تغسل الصحون وتدخن سيجارةً. ""لا يمكن هذا"".

وقال والدهما: ""أحسنت يا ليني""!

قالت سادي: ""ماذا""؟

فقال والد جاك: ""أعتقد أنها هدية جميلة قد جلبها لين"". ومن ثم عبس وجهه.

وقد لاحظ بول الذي كان بجانب الخزانة هذا العبوس، وصاح باتجاه الغرفة الصغيرة: ""باي، توقف عن تعذيب هذا البيانو"". إذ توقف العزف على البيانو لمدّة نصف ثانية، ومن ثم بدأ مرة أخرى بتعمد أكثر.

وقالت إحدى الأخوات: ""إنه عمل فنيّ حقًا"".

نظرت سادي إلى جاك، وحينها هز رأسه.

فقالت فيونا: ""ضيفة حفل زفاف مكرمة جدًّا"".

وقال جاك بإحدى اللهجات الإنجليزية المبالغ فيها التي كان يستخدمها أحيانًا: ""اخرسي"". فقد كان لديه عشرات من هذه اللهجات، وجميعها متشابهة، ولكن لاستخدامات مختلفة تمامًا، مثل شفرات سكين الجيب. وأضاف: ""هلّا فعلتِ""؟

فقال والده: ""سجل لين المستمر"".

ومن ثم عاد الصبي الصغير وقال لسادي بالبهجة نفسها: ""لن ينتهي هذا الموضوع بسلام""! ولم تغلب سادي مثل هذه السعادة لهذه اللمسة الإنسانية أبدًا في حياتها، حينما وضع يده على ركبتها.

سمعت سادي عائلة فاليرت يضحكون بهدوء، وهي ضحكة ميزتها من ضحكة جاك: إن إحداث ضجيج من شأنه أن يفسد النكتة.

وقالت فيونا: ""الإصرار على هذا الموضوع شديد ومستعصٍ بشدّة"".

قال والد جاك لسادي كما لو كان يلاحظها لأول مرة: ""أوه، هذا صحيح""! ونظر إليها بحدّة لم تستطع تفسيرها، أهي لطف، عنف، غزل؟ ""إن الأمريكيين لا يقدّرون هذا الموضوع، أليس كذلك""؟

وقالت سادي: ""نحن نفعل ذلك""، بينما هي تفكر أنها لا تفعل ذلك. كانت طاولة المطبخ مائلة على زاوية الجدران؛ وهو ما سبب لها الصداع. يمكنها أن تتذوق السكر من شطيرة الفراولة بين أسنانها. كم تبعد المدينة عن هنا؟ وهل يمكنهم الخروج من هناك؟ ونظرت إلى جاك: ""قهوة""؟

""سأعدّ بعضها"".

قالت فيونا وهي تنظر بعينيها إلى الدخان المنبعث من سيجارتها: ""هذا والدي وأبي، هذه سادي. أنا آسفة لأنك لن تقابلي والدتي"".

وقالت سادي لجاك: ""ألن أقابلها""؟

قال مايكل فاليرت: ""إنها ليست على ما يرام، فهذا توقيت سيّئ"". كانت عيناه تربك الأمور، فقد كانتا زرقاوين مذهلتين لدرجة أنهما بدا وكأنّهما تحملان كل المشاعر ونقيضها. وقال لها: ""لا بد أنك محطمة ومتعبة تمامًا"".

""ليس بذلك السوء"".

""القيادة لتلك المسافة، سأكون متعبًا، أنا متعب حقًّا"".

وقال جاك: ""أمرٌ مؤسف، موضوع والدتي"".

فقالت فيونا: ""ليس بوسعنا شيء، سنسجّل فيديو لها"".

وضع جاك كوبًا من القهوة على الطاولة، وكان الإبريق البلاستيكي الصغير الموجود أمامها يحمل علامة الحليب. وقالت لجاك: ""كريم""؟

وهز رأسه بالنفي: ""سأساعد بيت في إعداد طاولات الاستقبال. هل أنتِ على ما يرام""؟

أومأت برأسها وأدركت حينها أنه سيُتَخلّى عنها بطريقة ما بين هؤلاء الإنجليز. وسألت جميع من في الغرفة عمومًا: ""ماذا يمكنني أن أفعل للمساعدة""؟

فقالت فيونا: ""ليس هناك شيء لفعله"". وأسقطت سيجارتها في عنق زجاجة بيرة موضوعة على المنضدة، والتي كانت مملوءةً بالفعل بالسجائر: ""كل الأمور في متناول أيدي الهولنديين"".

وقالت إيلويز: ""سنذهب في نزهة سيرًا على الأقدام، إذا كنتِ ترغبين في القدوم"".

""هذا يبدو جيدًا"".

""يمكنكِ استعارة زوج من الأحذية ومعطفٍ واقٍ من المطر"".

قال مايكل فاليرت عندما مرّت سادي بقربه: ""إنه أمرٌ كبيرٌ هذا مدهش، لا بد أنكِ تطعمينه جيدًا"".

 

لم يكن حذاء ""البوت"" يتجاوز ساقي سادي السميكتين، لذا ارتدت حذاءها المبلل، وهو زوج من أحذية ماري جين ذات النعل المطاطي. لم تتمكن من زر السترة فوق وركها، لذا ارتدته مفتوحًا. وكانت إيلويز تعني بكلمة ""نحن"" نفسها وكلبًا صغيرًا أشعثَ ذا عيون جامحة، يشبه الكلب في لوحة ""The Arnolfini Portrait""، الذي كان اسمه، على ما يبدو، شيثيد. اتّبعتهما سادي إلى خارج الباب وعبر أحد الحقول، وبعد ذلك مقلق، إلى أعلى التل.

قالت سادي من أجل أن تثبت لإيلويز أنها لم تكن مقطوعة النفَس أبدًا للتحدث: ""إنه منزل رائع، لماذا إيرلندا""؟

""لماذا حقًا، يبدو أنهم يحبون الإيرلنديين. وأعتقد أنهم مجانين لشرائه"".

""لماذا""؟

""سيستغرق منهم سنوات طويلة لإصلاحه. ناهيك عن التكلفة، وهم ليسوا عمليين جدًا. هيّا، لنذهب إلى هذا الطريق"". فتحت إيلويز بوابة مكتوبًا عليها: ""كن حذرًا من الثور""! وقالت: ""هيا، تعاليْ"".

وأشارت سادي إلى اللافتة وقالت: ""الثور""؟

كانت قبعة إيلويز الكبيرة المصنوعة من الصوف المخلوط قد انزلقت على عينيها؛ فدفعت حافة القبعة بقبضتها، وتمعنت في الحقل، وقالت: ""انظري، إنه هناك. هيّا! لا تكوني جبانة""!

""أنا كذلك؛ إنهم يتحركون بسرعة، أليس كذلك""؟

""لن يزعجنا. هيا، هيا يا شيثيد""! ونادت إيلويز بصوت حلو وتهديد: ""شيتي، شيتي""!

عبر الكلب أولًا وتبعاه، ثم تسلقوا فوق بعض الأسلاك الشائكة التي التصقت بشعر سادي. فقد كان بإمكانها أن تشعر بالحذاء الرطب يسحب بنطالها الضيق، والذي انخفض الحزام عنه ليصل إلى نصف مؤخرتها، ومن ثم وقعت في الوحل. وفي تلك اللحظة، ظنّت أن إيلويز كانت تختبرها أو تعذّبها عمدًا، ولكنها في النهاية أدركت أن هذا كان ببساطة نزهةً في الريف مع أي شخص إنجليزيّ، قد تقابله أبدًا بدءًا من الوحل والإصابة، وتجاهل السلامة والملكيات الخاصة.

سألت سادي إيلويز: ""ماذا تعملين""؟

سقطت القبّعة فثبّتها مرة أخرى. ""حقًا؟ أنا طبيبة. ألم يخبركِ لين""؟

وقالت، على الرغم من إنه لم يخبرها: ""بالطبع! كنت أقصد أي نوع من الأطباء أنتِ""؟

""طبيبة أمراض الكلى"".

ونظرت سادي إلى ساعتها، وقالت: ""ما وقت الزفاف""؟

""الساعة الخامسة"".

""إنها الساعة الواحدة"".

وقالت إيلويز: ""إنها كذلك"".

""هل تحتاج فيونا إلى المساعدة؟ للاستعداد؟ بما أن والدتك ليست هنا"".

""سيساعدها الهولنديون على ذلك، إنهم جيدون جدًّا. لماذا أنتِ متعبة؟ يمكننا العودة. لقد أخبرني ليني بكل شيء عنك"".

وقالت سادي: ""أوه، أنا آسفة لأن والدتك ليست هنا"".

""إنها مصابة بالنقرس"".

""حقًا""؟

""أتظنين أنها تكذب""؟

""لا. أنا فقط؛ أعتقد أنني لم أدرك أن النساء يُصبن بالنقرس"".

وقالت إيلويز: ""إنه ينتقل عبر الأجيال""، وأدركت سادي أن كل شيء قالته إيلويز كان تهديدًا: ""من هذا الطريق"".

يبدو أنهم كانوا يتجهون أسفل التل، وقد اعتقدت أنها كانت تلة ما أو ربما كان جبلًا"". من حسن الحظ أن المطر قد توقف"".

""إن الأرض ستكون مبللة حتى وقت حفل الزفاف"".

""هل هناك أسطح فوق الإسطبلات""؟

قالت: ""نعم، يوجد، ولكن لا يوجد فوق مكان الرقص"".

""أهناك مكانٌ للرقص""؟

وقالت إيلويز: ""سيرغب الهولنديون في الرقص بالتأكيد، وأنتِ أيضًا. فالأمريكيون دائمًا يرقصون، أليس كذلك، شيتي""؟! نادت إيلويز بصوت أشبه بصوت مديرة المدرسة: ""شيثيد، تعال إلى هنا""! ومن ثم، وبلا اكتراث، قالت: ""آمل ألا تكوني قد انزعجتِ"".

فقالت سادي: ""يا إلهي، لا. من ماذا""؟

""أبي، فلديه حس دعابة طفولي"".

دخلوا المنزل من بابٍ آخر يقع خلف الباب الخلفيّ. ولفّت إيلويز الكلب بمنشفة وردية قذرة كلون اللسان، ثم حملته تحت ذراعها: ""هل تودين الذهاب في جولة""؟

""بالطبع"".

""سوف نصعد الدرج الخلفيّ"".

وكما يفعل الخدم، فعلت سادي الشيء ذاته، وبما أنها قرأت ما يكفي من الكتب عن الفتيات الإنجليزيات المعرضات للخطر، ففكرت وتساءلت عما إذا كانت على وشك أن تُحبس في العلية.

كانت بعض الغرف ما تزال متهالكة، وبعضها الآخر تحت الإنشاء، ولكن لم ينتهِ من أي شيء تمامًا. وحتى وقت قريب كان المنزل مملوكًا ويسكنه رجل عجوز وحيد، توفي وحيدًا في إحدى غرف النوم. وطلى شخصٌ ما، أو ربما الرجل العجوز نفسه عندما كان شابًا، جميع الجدران بألوان التمبرا الزاهية وهو ما أعطى الغرف مظهرًا ثقيلًا يشبه الرسومات الجدارية لعصر النهضة –جديدة تمامًا وقديمة مثل الزواج نفسه– اللونَ الذي سيتقشر في المساء بسبب ملابس ضيوف حفل الزفاف الذين اقترب موعد وصولهم. اعتقدت سادي أن غرفة الرجل العجوز زرقاء، أو مطلية بلون اللازورد. فهل توفيت عائلته، وزوجته، وأبناؤه؟ ولكن الرجل العجوز لم يتزوج أبدًا؛ إن والديه وإخوته وأخواته هم من توفوا أو اختفوا واحدًا تلو الآخر. فلا يمكن لرجل قد تزوج أن يموت وحيدًا هكذا، ولكنه يبدو سعيدًا جدًّا في سريره، وهناك صورة للسيدة العذراء معلقة بزاوية حتى لا يضطرّ لإجهاد عنقه في النظّر إليها.

قالت سادي: ""إنه لمن المحزن أن يموت وحيدًا"".

وسألت إيلويز: ""كيف علمتِ بذلك""؟ ووضعت الكلب على الأرض، فأخذ يشمّ عتبة الباب، ولم يتجاوزها: ""أود أن أموت وحيدة، ولكن بدلًا من ذلك سأكون محاطةً بأطفالي وأحفادي"".

وقالت سادي: ""أوه، لديكِ أطفال"".

فقالت إيلويز: ""لقد كبروا في مكان آخر"". ومن ثم بلهجة إنجليزية مبالغ فيها، على الرغم من أن لهجتها كانت إنجليزية بحتة قالت: ""ذهبوا"".

ولاحظت سادي حقيبتها في زاوية الغرفة، وبجانبها حقيبة جاك. ولاحظت بأن حقيبتها قد أُعيد ترتيبها وإغلاقها، وأملت أن يكون جاك هو من فعل ذلك، ولكنها تشك في أنه لم يكن هو.

رُكِّب حوض الاستحمام الموجود في الطابق العلويّ جزئيًا فقط؛ حيث يتطلب جدارًا خارجيًا لإخفاء شكل الزجاج الليفي. وكانت هناك أحواض غير آمنة في أماكن غريبة، وكانت الأرضيات خشبية ومغبرة وقد تآكل الورنيش فيها؛ بدا كل شيء محفوفًا بالمخاطر، ولكنه جميل أيضًا فقد اعتقدت سادي أنه مكان ممتاز لبدء حياة ما سويًا.

وسألت إيلويز: ""ماذا أخذتِ كهدية""؟

فقالت سادي وهي سعيدة، لأن الفكرة كانت من اقتراحها: ""كتاب ضيوف المنزل الخاصّ"". فقد طلبوا من سميثسون أن يكون مغلفًا بالجلد ومكتوبًا عليه اسم المنزل – منزل كوروك – ومختومًا بالذهب على الغلاف.

وقالت إيلويز: ""ماذا""؟

لم تكن سادي تعرف الخطأ الذي ارتكبته، ألم يكن من المفترض ألا تكشفي عن هدايا الزفاف قبل موعده؟ ولكن إيلويز هي من بادرت بالسؤال!

وقالت إيلويز: ""هذا ما أخذته أنا كهدية، عليكِ أن تأخذي شيئًا آخر"".

فقالت سادي: ""حسنًا"".

وقالت إيلويز فجأة، كما لو أن المسألة قد حُسمت: ""إن لوتي مدعوة، أنا متأكدة أن ليني أخبرك بذلك"".

""المهرج""؟

عندها ضحكت إيلويز، وكانت ضحكتها مربكة؛ حيث يمكنك رؤية لسانها يتحرك مع كل رنة ضحك، كصاعقة سريعة في جرس: ""لست مهرّجًا، لا"".

""أوه، هذا صحيح. الدمى، صحيح""؟!

""أنتِ لا تعرفين عن لوتي. لقد كان يحبها حبًا جمًا، ولكنني متأكدة من أنه قد أخبرك"".

كان لوتي قد ذكر أنها أكبر سنًا منه، وأنهما كانا يعزفان الموسيقى معًا في شوارع لندن. فهي ليست صديقة؛ مجرد امرأة، وقد كان مراهقًا عندما التقيا. وعندما كانت سادي تفكر في ذلك فإن تصرفاتهما كانت من تلك الأزمنة البالية المضطربة، ذات اللونين الأبيض والأسود، ولكنه لم يتحدّث أبدًا عن العشق. كان كاحلاها يؤلمانها، وتساءلت عما إذا كان هناك مكان للقيلولة، أو حتى وقت كافٍ لذلك.

قالت إيلويز: ""يجب أن تجعليه يخبركِ عن لوتي. إنه مهمّ"".

وقالت سادي وقد جثمت لتربت على الكلب: ""حسنًا. مرحبًا شيثيد"".

فقالت إيلويز: ""اسمه هو شيموس"".

""أوه، لقد ظننت"".

أجابت وهي تنظر للكلب باعتزاز: ""شيثيد هو لقبه"".

 

كان حفل الزفاف في الخامسة، ويتبعه حفل استقبال. وقد ذهب معظم المدعوين للحفلة إلى الفندق في المدينة للاستعداد، ولكن الأقارب المفلسين، مثل سادي وجاك وكاتي وبول وتوأمهما، قد بقوا في المنزل، إذ استعدت سادي وجاك في غرفة النوم الزرقاء، حيث توفي الرجل العجوز.

قال جاك: ""أين حقيبتي""؟ إذ لم يكونا معًا لمدّة كافية ليحزما في الحقيبة نفسها.

""هنا. هل عائلتك دائمًا هكذا""؟

""بأطباع إنجليزية، نعم""!

""مهووسون بهذا الهراء"".

وضحك، وقال: ""نعم، ذوو أطباع إنجليزية. هذا لم يزعجك بالطبع""!

 ""كانت تراودني أحلام قلق أكثر راحةً من عائلتك. بالمناسبة آسفة على نقرس والدتك"".

""النقرس؟ ليست مصابة بالنقرس. من أين أصيبت به""؟

""إيلويز قالت هذا"".

""بالطبع، ستقول ذلك. لا. المشكلة هي أن فيونا قد تحوّلت إلى الديانة الكاثوليكية، وهي تتزوّج الآن من ملحد"".

""أيهما الأسوأ""؟

""من الصعب القول"".

وسألته: ""وماذا عن اليهودية؟ إذا كانت هي ضدّ الكاثوليكية""؟

""أنتِ لستِ يهودية"".

""أنا يهودية. هل أنت مدعو لحفلة الزفاف""؟

""لا"".

""ما قصة البدلة""؟

وأجاب وهو يرتدي السراويل المخططة: ""إنها البدلة الصباحية التي سأرتديها. هذا ما ترتدينه في حفلات الزفاف"".

""هل تملك تلك البدلة""؟

قال: ""نعم""، وأردف: ""والدتك يهودية""؟

""نعم، أمي يهودية، لذا أنا يهودية"".

""من قال ذلك""؟

""إن اليهود في جميع أنحاء العالم. ألم تعلم ذلك؟ إنه نظام ينتقل من الأم يا صديق"".

وقال: ""هاه، لا تدعيني بالصديق. لا، أعتقد أنها ستكون بخير مع ذلك. فأنتِ في نهاية الأمر لم تختاري ذلك"".

""ولكن ماذا لو فعلت""؟

وقال جاك: ""سادي"".

""ماذا عن لوتي""؟

""إنها ليست يهودية"".

""هل كنت على علم بأنها مدعوة لحضور حفل الزفاف""؟

وعندها ابتسم جاك، وبدأ في تلك الأثناء بترتيب شعره، وهو أحد عيوبه الرئيسة، تناثرت خصل شعره الداكنة التي تعلو جبهته، وقال: ""لا، ليست كذلك"".

""إيلويز قالت إنها مدعوة"".

 وقام بالضحك مع بعض الشعور بالارتياح: ""لا تصدقي كلّ ما تقوله لكِ إيلويز"".

""هي تقول إنكَ تحب لوتي حبًّا جمًّا"".

""هراء. لم أفعل ذلك""!

""أحب حديثك بلكنة بريطانية. وأنتما لم تناما معًا"".

""ليس في كثير من الأحيان"".

فضحكت سادي، ولكن جاك لم يضحك.

وقالها مرة أخرى: ""ليس في كثير من الأحيان"".

""بالقرب من البداية أم بالقرب من النهاية""؟

وأخرج يديه من شعره، وقال: ""قريبًا من منتصف الأمر"".

 

كانوا مستعجلين بالحفل عندما ذهبوا إلى الكنيسة. وسأل جاك: ""لماذا تبدو رائحة السيارة كرائحة الكلب المبلل""؟ ففكرت سادي في نفسها، هل كان ذلك اليوم؟ يبدو وكأنه منذ أسابيع. فلم تكن لديها فرصة لإخباره القصة التي كانت تعرف أنها ستسعده؛ إذ كانت قد نسيت ذلك.

أوقفت السيارة: ""هل فعلًا تشمّ ذلك""؟

وقال لها: ""تذكري مكابح الطوارئ"".

فقالت: ""أنا أفعل ذلك دائمًا""، على الرغم من أنها نسيت ذلك.

أخذهم شخص هولندي يرتدي سترة من الدنيم الأحمر داخل الكنيسة إلى المقعد الأمامي. ولم يكن على أحد أن يسأل عن جانب العروس أو العريس؛ فقد كان الإنجليز هم الذين يرتدون طبعات الأزهار والقبعات وبدلات الصباح، وكان الهولنديون هم الذين يجدلون شعرهم ضفائر طويلة، ويرتدون الألوان الأساسية. والتفتت سادي لترى إن كان بإمكانها التعرف على لوتي من بين الضيوف، ولكن كلّ ما استطاعت رؤيته هو القبعات، أسطول من القبعات.

 

حفل الزفاف، ولأنه حفل زفاف فقد مرّ دون وقوع حوادث.

 

شربوا بعد ذلك في ردهة المنزل ذي الأرضية المربعة، مع توزيع أطباق فطيرة الباتيه والخبز المحمص. وكان طلاء التمبرا على الجدران يتقشر على الأشخاص. كانت يدا التوأم زرقاء اللون، وكان جانب شيتهيد الأيسر مغطى باللون الأخضر. أما الضيوف الذين كانوا قريبين كثيرًا من الجدران الصفراء فقد بدَوا وكأنهم ملقّحون.

قال جاك: ""كانت والدتي ستكره هذا. من الأفضل أنها قد بقيت في المنزل"".

فقالت سادي: ""هل تحب حفلات الزفاف""؟

وقال: ""لا، لحسن حظنا إننا متزوجون"".

وضحكت سادي بأسف.

وقال جاك: ""ألم يعلن ذلك الرجل المخمور من البار أننا زوجٌ وزوجة في موعدنا الأول""؟!

""لا أعتقد أنه كان معتمدًا"".

""ربّما كان قبطان السفينة. هل تحبين حفلات الزفاف""؟

فكّرت في ذلك، وكان الجواب لا، ولكنها اعتقدت أنها تحب الزواج.

وقالت: ""لا أعرف، لا بأس بهم، لا، لا، أحبه""!

""لم أكن أعتقد ذلك"".

وبدأت حينها في البكاء.

وقال مذهولًا: ""أوه، لا، لا، ما الذي حدث""؟!

كانت المشكلة في أنها شعرت فجأة بقوة آل فاليرت، وفهمتهم كالرمال المتحرّكة، ولم تكن تعرف ما إذا كان يجب أن تخرج نفسها أم تحاول إنقاذ كليهما. كان إيلويز والأب، وحتى العزيزة فيونا، وحتى أطفال كاتي وبول التوأم، بتسريحات شعر مستوحاة من رود ستيوارت وأزياء الرجل العجوز التي تطابقت مع أزياء عائلة جاك. إذ كانت قد فهمت أن الملابس المتطابقة –كالبدلات الرياضية وسترات ديزني لاند والبيجامات المخطّطة– هو جنون أمريكيّ خاص، وهي لم تحب أيًّا من تلك النسخ الدولية أبدًا.

وقال بحنان واستياء: سأطلب منك ذلك يومًا ما، عندما أقوم بتسوية بعض الأمور"".

كانت مندهشة من أنه قد فهمها بنسبة قليلة جدًا.

 

قضوا ليلةً جميلةً بعد كل ذلك المطر، كانت الأرض موحلة، ولكن كانت الإسطبلات مرصوفة ومغطاة ومُزينة بأضواء ساحرة، ولم يكن هناك ساحة للرقص؛ فقد ألغي الرقص، لأنه كان من المخطّط أن يكون في الحقل، ولكنّه كان مغطّى بالطين. علق مايكل فاليرت على سادي عندما لاحظها وقال: ""مثل السوم""، كأنه يتحداها لفهم الإشارة التي لم تستوعبها. لم تكن هناك خطّة توزيع للمقاعد، بل طاولات طويلة مُرتبة فقط، لقد كانت حفلة زفاف صغيرة.

كانت إيلويز تبكي، فقد رأت كتاب الضيوف الذي اشتراه جاك وسادي.

وقالت لوالدها: ""إنه أجمل""!

""لا، ليس كذلك، أنا متأكّد من أنه ليس كذلك"".

وقالت: ""إنه بالفعل أجمل""! ومن ثم كانت تبكي على كتفه، وكانت فيونا هناك أيضًا، وكانوا جميعًا يواسون إيلويز التي لم يأتِ أبناؤها الكبار.

قالت فيونا: ""يمكن أن يكون هناك أنواع مختلفة من كتب الضيوف""! ونظرت إلى سادي وقالت: ""خاصتكِ جميلة. كلاهما جميل""!

كان على مايكل فاليرت أن يؤدّي دور مقدّم الحفل في أثناء العشاء، لأن إشبين العريس بيت كانت امرأة هولندية صغيرة وخجولة تدعى كيك، ولكنها رفضت القيام بهذا الدور. ذهب جاك وكيك ليدخّنا، ولكن مايكل فاليرت لم يهتمّ بذلك. وأخذ موقعه عند الميكروفون، وقدم نخبة يشير فيه، من بين أمور أخرى، إلى الموضوع الذي لن ينتهي بسلام المذكور صباحً، وعدد من النكات عن الهولنديين، ونكتة واحدة عن الفرنسيين؛ إذ تبين أن زوج إيلويز السابق، الذي انفصل عنها منذ فترة كان فرنسيًّ، ونكتة عن أمريكي غير مسلّح، أدركت سادي بدهشة أنها هي المعنية به. وقال مايكل فاليرت: ""للعروس والعريس""! كانت جالسة على طاولة مع الأخوات غير المتزوجات، وكان التوأم الشقر يلعبان لعبة تسمى mumblety-peg باستخدام سكينة الزبدة، وأيديهما الزرقاء اللطيفة.

سألت سادي: ""من منهما بيت""؟

فقالت إيلويز: ""كلاهما كذلك. هذه أسهل طريقة""!

وبدلًا من كعكة الزفاف، كان هناك ثلاثة أجبان هولندية بأحجام مختلفة. أين كان جاك؟ أعلن مايكل فاليرت عبر الميكروفون: ""ستقطّع العروس والعريس الجبنة الآن"".

والآن اعتقدت سادي أن هذا كان مضحكًا وانفجرت في ضحكة سعيدة.

وهكذا اكتشفت أن تلك التعبيرات التلطيفية كانت حكرًا على الأمريكيين فقط، فقد كانت الأمريكية الوحيدة هناك. إن جاك أمريكي أيضًا، بالطبع، بغض النظر عن كيفية إنكاره للأمر، ولكنه الآن في مكان آخر. عندما أدركت سادي أن جميع من في الإسطبل ينظرون إليها بدأت تضحك بشدة. ولم تكن ضحكتها هادئة، بل كانوا يستطيعون سماع ضحكتها.

همست إيلويز: ""ما الأمر""؟ ولم تستطع سادي سوى أن تقول: ""هذا يعني إ .. إخراج الريّح"". نظر إليها مايكل فاليرت عبر الإسطبل بعينيه الزرقاوين المتميّزتين، وبصوته الضخم كعادته، للحظة شعرت بالخجل، ولكن بعد ذلك وكأن روحها قد قُلِبت بمجراف، إذ تحول هذا الخجل إلى فرحة كاملة. فلقد استطاعت أن تقف وتغني، على الرغم من عدم قدرتها على الغناء، وقد قطّع العروسان الجبنة. كان فستان فيونا أخضر اللون ورائعًا، وقد وضع الهولنديون كثيرًا من الجل في شعرها.

في تلك الليلة ناموا في غرفة الرجل الميت، وسأل جاك: ""ماذا لو مات في هذه السرير""؟ فأجابت سادي بشجاعة لمرة واحدة: ""لقد مات الناس في كل مكان، يصعب تجنّب ذلك تمامًا، تعال إلى هنا""! في اليوم التالي استقلّوا السيارة إلى شبه جزيرة دينغل، وهي تفكر في نفسها مرارًا: ""ماذا لو انحرفت السيارة خارج الطريق وأفسدت كل شيء""، ولكنها لم تفعل ذلك أبدًا، وأخبرته عن القطة والكلب وشرحت له أنها اعتقدت أن والده قد صنع نكتة مضحكة متعمدًا، وهي أن العروسين سيقطّعان الجبنة – ثم انفجر الاثنان في ضحكة هستيرية، حتى اضطّرا للتوقف على جانب الطريق، ومن ثم عندما استعادا توازنهما ساقا السيارة إلى شاطئ إنش، حيث كانا الوحيدين على الشاطئ، وقضيا بعض الوقت معًا وحيدين على الرمال الرطبة، إذ لن يكون هناك مكان في جميع أنحاء إيرلندا ليس رططبًا، ولكن ماذا تفعل عندما تكون وحيدًا تمامً وحرًّا؟

في الوقت الحالي، وعندما عاد جاك إلى الطاولة، وجد سادي تضحك بشدة لدرجة أنها لم تعد قادرةً على الكلام، وكانت عائلته تحيط بها. كانت تبكي من شدة الضحك، وكلما حاولت تفسير الأمر ضحكت بشدة أكثر، وظهرت تعابير الدهشة على وجوه أفراد عائلته أكثر.

فسأل جاك، الذي شعر فجأة بعمق حبه لها، مثل كلاب بافلوف، فجميعهم واقعون في حب كلب البافلوف: ""ما الأمر""؟ 

وقال مايكل فاليرت عبر الميكروفون: ""لماذا تضحك تلك المرأة""؟

وقالت إيلويز: ""أخبرها أن تتوقّف! اجعلها تتوقف عن الضحك""!

ولكنه لم يستطع، ولم تستطع هي أيضًا.

 

هذه القصة مقتطفة من مجموعة إليزابيث ماكراكن المقبلة، بعنوان ""The Souvenir Museum"".

إليزابيث ماكراكن: هي مؤلفة سبعة كتب، بما في ذلك ""The Souvenir Museum""، وهي مجموعة قصص قصيرة.





مقالات ذات صلة