القائمة الرئيسية

مشكلة قسم الموارد البشرية

مشكلة قسم الموارد البشرية
ملخص المقال

تناقش كيتلين فلاناغان فشل الموارد البشرية في معالجة التحرش الجنسي في العمل، رغم مرور عقود على حملة #MeToo. تشير إلى تحول هذه الأقسام من دعم الضحايا إلى حماية الشركات قانونيًا، مما يؤدي إلى استمرار المشكلة دون حل فعلي.المصدر: ذا أتلانتيك

بقلم كيتلين فلاناغان

قضيت ثلاثة أيام من أبريل عام 2018م في أوستن، تكساس، بصحبة أكثر من 2500 شخص، معظمهم من النساء اللواتي يشعرن بقلق عميق إزاء مشكلة التحرش الجنسي في مكان العمل. كنا في مركز المؤتمرات بالمدينة، وعندما اعتلى رجل يُدعى ديريك إيرفين المسرح وقال إن هناك ""انتفاضة في عالم أولئك الذين يرفضون التزام الصمت""، هتفت الجماهير تأييدًا لما قاله. وقد قدّم الرجل مجموعة من المتحدثين الذين شاركوا بشكل وثيق في حملة #MeToo: تارانا بيرك، مؤسسة الحملة الأصلية والهاشتاج، ورونان فارو، الذي كشف قصة هارفي وينشتاين في مجلة نيويوركر، وآشلي جود، إحدى الممثلات التي قالت إنها تعرضت للمضايقات من وينشتاين. وقام آدم جرانت، أستاذ في كلية وارتون ومؤلف العديد من الكتب المرموقة حول نظرية الإدارة، بإجراء مقابلات معهم، وكانت تصريحاتهم غالبًا ما تُقاطع بتصفيق حار يدل على الإعجاب.

وانتهت الفعالية بحفاوة بالغة، وهو أمر لم يكن مفاجئًا، نظرًا للمكانة الأخلاقية للمتحدثين. لكن ما كان مفاجئًا هو تركيبة الجمهور: لم يكن هذا تجمعًا للناشطين، بل للمهنيين الذين يعملون في مجال الموارد البشرية. كان الحدث عبارة عن مؤتمر أقامته شركة برمجيات يسمى Workhuman.

لمدة 30 عامًا، منذ أن أدلت أنيتا هيل بشهادتها في جلسات تأكيد تعيين كلارنس توماس في المحكمة العليا، أصبحت الموارد البشرية عالميًا وسيلة يحاول أصحاب العمل من خلالها منع التحرش الجنسي ومراقبته والتحقيق فيه. فحتى لجنة تكافؤ فرص العمل تقوم بتوجيه الأمريكيين إلى مكاتب الموارد البشرية الخاصة بهم إذا تعرضوا للمضايقات. إن استمرار حملة #MeToo في إثارة العديد من القصص الصادمة في العديد من أماكن العمل المحترمة بدا لي وكأنه يعكس فشلًا فادحًا لأقسام الموارد البشرية في القيام بالمهمة التي توقعنا منها أن تؤديها، إذ حتى شركة هارفي وينشتاين، على الرغم من كل شيء، كان لديها قسم للموارد البشرية.

ذهبتُ إلى تكساس للتعرف إلى شعور الأشخاص الذين يعملون في هذا المجال تجاه هذا الكشف عن أوجه القصور في مهنتهم. كل صباح في المؤتمر، كنت أبحث في حقيبتي عن شيء يصدر صوت طقطقة لأتسلى به عبر الشارع إلى مركز المؤتمر، لأنضم إلى مجموعة من النساء اللاتي يرتدين ملابس مماثلة. (إن مهنة الموارد البشرية مهنة نسائية؛ 75 بالمائة من العاملين في هذا المجال هم من الإناث – وهن بلا شكّ الغالبية العظمى من الموظفين الذين يتعرضون للتحرش الجنسي.) وتزايدت أعدادنا حتى أصبحنا مجموعة نساء مهنيات تتراوح أعمارهن بين 25 إلى 60 عامًا، يرتدين سترات من علامة بانانا ريبابلك وفساتين ملفوفة من علامة آن تايلور وأحذية من علامة جي كرو، جميعهن في مزاج متفائل، والعديد منهن يرتدين مجوهرات كبيرة.

عندما تعرفت عليهم، وجدت أن الحاضرين في مؤتمر Workhuman أنيقو المظهر ومتعاونون للغاية، ويتوقون إلى توجيهي نحو طاولات الغداء ومجموعات القهوة. لكنهم لم يكونوا مهتمين تجاه حملة #MeToo وهذا ما أثار استغرابي. فعلى الرغم من أنهم اعتبروا الحملة ملهمة، إلا أنهم لم يظهروا أي شعور خاص بالمسؤولية عن أنواع الإخفاقات التي سمحت بتطور التحرش. فعندما قال فارو إن حملة #MeToo كانت تدور حول ""الأنظمة المدروسة المطبقة والتي يمكن أن يستخدمها الرجال الأقوى والأغنى""، وأجاب جرانت بأن ""أنظمة نقل التقارير في الشركات لا تعمل بشكل جيد""، اعتقدت أن الجمهور قد يتعرض للإهانة، لكن لم يبدُ أن أحدًا قد شعر بذلك.

وتابع جرانت أن مشكلة التحرش الجنسي لم تكن مجرد مشكلة ""تفاحات فاسدة""، بل كانت أيضًا مشكلة ""صناديق فاسدة"". نظرت حولي في القاعة، معتقدة أنه استنادًا إلى هذا التشبيه، كان الرجال المتحرشون هم التفاح، والأنظمة التي تحميهم – مثل الموارد البشرية – هي الصناديق الفاسدة. ولكن لا يبدو أن أي شخص آخر فكر في ملاحظته بهذه الطريقة. وصفق الجمهور بلطف عندما أشاد فارو بهم: لقد كان ""سعيدًا جدًا بالتحدث في هذه القاعة"" إلى الأشخاص الذين اعتبروا منع التحرش الجنسي ""واجبهم المقدس"".

ولم يطالب أحد بتحسين أنظمة الموارد البشرية أو استبدالها، بل على العكس تمامًا: يبدو أن الرد على فشل أنظمة الموارد البشرية كان الزيادة في أنظمة الموارد البشرية.

لقد أثارت هذه التجربة سؤالًا في عقلي: إذا كانت الموارد البشرية عنصرًا حيويًا في الأعمال التجارية الأمريكية، حيث تمتد إلى العديد من مجالات الحياة العملية للموظفين، فكيف فاتها هذا النوع من التحرش الجنسي الذي يقع في جوهر حملة #MeToo؟ وبالنظر إلى ما حدث، فلماذا لا تزال الشركات واثقة من قسم الموارد البشرية؟ لقد عدت إلى هذه الأسئلة عدة مرات على مدار العام التالي، إذ أجريت مقابلات مع خبراء في مكان العمل، ومحامين، ومستشارين إداريين، وعاملين في هذا المجال.

أخيرًا، أدركت أنني أخطأت في كل شيء، فالحقيقة البسيطة والمرة هي أن قسم الموارد البشرية لا يعتبر سيئًا في التعامل مع التحرش الجنسي، بل هو في الواقع جيد جدًا في ذلك.

في الأيام الخوالي، كان قسم الموارد البشرية عبارة عن مجموعة موظفين يقومون بإصدار كشوف المرتبات، والتوظيف، و– إذا سارت الأمور بشكل سيئ – إصدار خطاب فصل. لقد كان مكتبًا يشير فيه صوت طقطقة الآلة الكاتبة إلى أن كميات كبيرة من الأوراق تُنقل من صندوق الوارد إلى صندوق الصادر، وفيه يُطرد الموظفون دون مبالاة. كان عملًا نسائيًا، وينظر الجميع إلى هذا القسم كتجمع للعانسات، عديم الفكاهة ومتشدد.

يؤدي قسم الموارد البشرية كل هذه الوظائف القديمة، إلى جانب مجموعة من الوظائف الجديدة. وغالبًا ما يعتقد الموظفون أن ""الموارد"" هي المخصصات التي تتدفق إليهم من هذا القسم، ولكن في أصول هذا المصطلح في القرن التاسع عشر، كان العمال أنفسهم هم الموارد، وأصل آخر من أصول المنشأة - إلى جانب المعدات والمصانع ورأس المال – التي تكون تحت تصرف الشركة. ولا يستطيع ممثلو قسم الموارد البشرية اليوم أبدًا حتى أن يحلموا بالتحدث عن الموظفين كنوع من السلع (على الأقل ليس في وجوههم)، على الرغم من أنه قد يكون من الصعب فهم ما يتحدث عنه هؤلاء بالضبط، لأن المجال غني بالمصطلحات مثل تهيئة الموظفين الجدد، وثيقة الأداء المتوازن، التكامل الثقافي، قاعدة 80/20.

في سوق العمل القوي، يجسد قسم الموارد البشرية روح السخاء والكرم؛ مما يجعل الموظفين يشعرون بالتقدير والأهمية. ولكن في حالة تغير الاقتصاد، يمكن أن يصبح قسم الموارد البشرية قاتلًا بالسرعة نفسها التي يصبح فيها صديقًا.

في مسلسل ذا أوفيس، قال مايكل سكوت ذات مرة عن توبي، ممثل الموارد البشرية في شركة Dunder Mifflin: ""لو كان لدي مسدس برصاصتين، وكنت في غرفة مع هتلر وبن لادن وتوبي، كنت سأطلق النار على توبي مرتين"". على مدار العام الماضي، في كل مرة يسألني أحد الأصدقاء عما كنت أعمل عليه وأذكر الحروف HR، كانت هناك ردة الفعل نفسها في كل مرة: تأوه هادئ ونظرة قصيرة نحو الأعلى- ليست نظرة رصاصتين، ولكن ليست نظرة رصاصة واحدة أيضًا.

سواء كان ذلك عادلًا أم لا، يُنظر إلى قسم الموارد البشرية على أنه قسم الشركة الذي يبطئ الأمور، ويصدر مذكرات لا نهاية لها، ويتدخل في الأعمال الشخصية للموظفين، ويعقد ""تدريبات"" إلزامية، ويفسد أي شيء ممتع أو يدمر الروح المعنوية للموظفين. وقد نُشر عدد من مجلة فاست كومباني في عام 2005م بغلاف يحمل قصة مسيئة، تحت عنوان ""لماذا نكره الموارد البشرية""، إذ طرح مؤلفها، كيث هاموندز، سلسلة من الأسئلة التي لاقت صدى لدى رجال الأعمال منذ ذلك الحين:

لماذا تستغرق تقييمات الأداء السنوية الكثير من الوقت — وتكون عديمة الفائدة؟ لماذا يكون قسم الموارد البشرية في كثير من الأحيان تابعًا للمدير المالي، إذ يجد طرائق لخفض المخصصات والتلاعب بكشوف المرتبات؟ لماذا غالبًا ما يستهزئ كلامهم بالواقع — هذا إذا استطعنا فهم ما يقولون؟ لماذا هناك الكثير من الأشخاص الذين يقومون بأعمال مكررة ولا فائدة منها؛ مما يخلق غابة من الأوراق لكل معاملة بسيطة؟ ولماذا يصر قسم الموارد البشرية على أن يظهر نفسه كقسم همه الوحيد المحافظة على حقوق الموظفين؟

لكن السبب الحقيقي الذي يجعل العديد من العمال لا يحبون قسم الموارد البشرية هو أنه في حين يظهر القسم نفسه كاتحاد – يفتح الباب لشكاوى العمال، وتطوير المخصصات الجديدة القيمة – فهو ليس اتحادًا. في سوق العمل القوي، يجسد قسم الموارد البشرية روح السخاء والكرم؛ مما يجعل الموظفين يشعرون بالتقدير والأهمية، ولكن في حالة تغير الاقتصاد، أو في حال تغير توجه القسم، يمكن أن يصبح قسم الموارد البشرية قاتلًا بالسرعة نفسها التي يصبح فيها صديقًا. فالوجه الأخير الذي ستراه هو وجه جين — صديقتك من الموارد البشرية، التي توزع التذاكر المخفضة إلى Knott's Berry Farm وترسل رسائل بريد إلكتروني جماعية حول Chipotle Friday — وهي تسحب بطاقتك التعريفية دون أي إحساس بالحزن وتكتب الرمز COBRA على شاشة الحاسوب.

جين ليست شخصًا سيئًا، فهي تنفذ الأوامر التي تصدر من الأعلى فقط. وعندما يتعلق الأمر بالتحرش الجنسي، تدرك النساء أن جين ترفع التقارير للإدارة العليا، وليس هيئة محايدة تلتزم بالتصرف الأخلاقي الصحيح. وإذا أراد أصحاب العمل قياس قدرة أقسام الموارد البشرية على منع التحرش الجنسي، لكان معظمهم قد حصلوا على درجة فاشلة منذ فترة طويلة. إن ما يتحمل قسم الموارد البشرية مسؤوليته فعليًا — إحدى الطرائق المركزية التي ""يضيف بها القسم قيمة"" إلى الشركة — هو أن يكون خط الدفاع الأول ضد دعوى التحرش الجنسي. والحقيقة أن هذين الهدفين متوافقان، ولكن إذا تعلمنا أي شيء من العام الماضي، فهو أنه يمكنك تحقيق الهدف الأخير دون القيام بأي شيء على الإطلاق فيما يتعلق بالأول.

الصورة من نيو استوديو

في أكتوبر 2014م، قامت إلين دي جينيريس بشيء في برنامجها الحواري لا يمكننا أن نتخيله في بيئة اليوم، فقد ألقت نكتة مطولة حول التحرش الجنسي، وقالت للجمهور: ""في الأسبوع الماضي، عقدنا ندوة تدريبية إلزامية حول التحرش الجنسي"". ""نقدمها كل عام للموظفين جميعًا، تجمع بين المناقشات الصريحة حول سلوك مكان العمل و... الملل الذي يخدر العقل"". ضحك الحضور تقديرًا — وكانوا يعرفون بالضبط ما كانت تقصده. ثم قدمت لعبة: ""التدريب على التحرش الجنسي أم مشاهدة فيلم في وقت متأخر من الليل؟"" وبمشاركة متحمسة من الجمهور، قرأت سطورًا من الحوار وطلبت من الجمهور تخمين مصدرها.

اعتمدت نكتة إلين على فهمنا السابق أنه في العقود التي تلت شهادة أنيتا هيل، أنشأت إدارة الموارد البشرية مجموعة ضخمة من المقاطع التعليمية، ووحدات التدريب على الكمبيوتر، ونصوص الندوات، والسياسات المكتوبة حول التحرش الجنسي. من المفترض لهذا الموضوع الملح والمرتبط بالغريزة والخوف والشعور بالذنب — بطريقته الخاصة — والذي خلق عملًا معروفًا في المقام الأول ببلادته، أن يعطي دليلًا على أن قضية التحرش الخطيرة وصلت إلينا من خلال بيروقراطية هدفها لم يكن (على الأقل ليس بشكل كامل) حماية النساء العاملات.

لا ينجح قسم الموارد البشرية إطلاقًا عندما يتعلق الأمر بحل المشكلة، ولكن عند إنشاء بروتوكولات ""الامتثال"" للدفاع عن الشركة ضد الدعاوى القضائية؟ يحقق نجاحًا باهرًا.

جذبت شهادة هيل اهتمام الجميع. لقد حدث ذلك قبل سنوات من أن يصبح تقرير ستار للطب الشرعي جزءًا من حديث مائدة الإفطار، وقبل أن تصبح المواد الإباحية المتشددة موضوعًا للمحادثة المفتوحة، وقبل إجراء مقابلات مع العاملين في مجال الجنس، بكل احترام، في برامج الأخبار الوطنية الرصينة. لقد كان الأمر غير مسبوق: امرأة محترمة ومثقفة للغاية تدلي بشهادتها أمام مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الذكور، وكل ذلك بينما كانت الكاميرا أمامها والجميع ينظر. وبعبارة أخرى، كان هذا بالضبط نوع الحدث الخاص الذي لا ينبغي أن يكون له صدى على المستوى الشخصي العميق مع أي امرأة، باستثناء بعض كتبة القانون لدى كلارنس توماس. ومع ذلك، فقد لاقت هذه الفكرة صدى لدى النساء – الملايين منهن. وكان ردهم غير حزبي، وموحدًا، وعلى الصعيد الوطني، ومثيرًا للاهتمام — بالنسبة إلى العديد من الرجال. لقد وُلد مفهوم ""Me too""، إن لم يكن التكوين اللغوي له، بين عشية وضحاها تقريبًا. كانت رباطة جأش هيل مذهلة في مواجهة التعليقات الذكورية المدمرة والمهينة في كثير من الأحيان (ودعونا لا ننسى، تعليق جو بايدن). قالت ببساطة: ""لم أتفوه بشيء من الخيال، هذا ليس شيئًا كنت سأذكره إذا لم أكن متأكدة منه تمامًا

أعطت شهادة هيل النساء الأمريكيات وسيلة لفهم شيء قررته المحكمة العليا قبل أربع سنوات ونصف، في قضية بنك ميريتور الشهيرة ضد فينسون، والتي أقرت أن التحرش الجنسي شكل من أشكال التمييز على النحو المحدد في الباب السابع من قانون الحقوق المدنية. وولدت مجموعة قوية من العوامل: كان من الممكن أن ترفع النساء دعوى قضائية بتهمة التحرش الجنسي، وكان صاحب العمل سيكون في موقف صعب بخسارات فادحة. وقد لفتت هذه الحقيقة الأخيرة انتباه أصحاب العمل الأمريكيين وهم أساس النظام الذي سخرت منه إلين والعديد من الأمريكيين الآخرين.

لا ينجح قسم الموارد البشرية إطلاقًا عندما يتعلق الأمر بحل المشكلة، ولكن عند إنشاء بروتوكولات ""الامتثال"" للدفاع عن الشركة ضد الدعاوى القضائية؟ يحقق نجاحًا باهرًا. كيف نعرف؟ يعود ذلك جزئيًا إلى أن أصحاب العمل مخلصون لهذا القسم؛ فأول شيء سيفعله العديد من المسؤولين التنفيذيين عندما تخضع إحدى الشركات للتدقيق بسبب التحرش الجنسي هو الثناء على فريق الموارد البشرية التابع لها، ووصف الرجال المتهمين بأنهم أفراد مختلفون لا ينتمون للباقي. 

وذكرت بام تيرين، محامية التوظيف في لوس أنجلوس، التي تخرجت من كلية الحقوق وبدأت العمل في إحدى الشركات في عام 1990م ""اعتقدت أنني ربما لن أواجه قضية تحرش جنسي على الإطلاق"". وفي العام التالي، أدلت أنيتا هيل بشهادتها، وتوالت هذه القضايا واحدة تلو الأخرى. وقالت لنفسها: ""الحد الأدنى لهذا هو خمس سنوات. فهذا ليس بالشيء البسيط؟ لا تمسك النساء، ولا تحدق في أجسادهن"". ضحكنا كلانا، كان الأمر واضحًا حقًا. اعتقدتْ أن الرجال سوف يدركون الأمر وسُيغلق هذا الباب، لكنها كانت مخطئة. فمثل آلاف المحامين في أنحاء البلاد جميعها، ظلت تتولى قضايا التحرش الجنسي منذ ذلك الحين، كرست حياتها المهنية بأكملها لهذا العمل.

أحد جوانب حملة #MeToo التي حيرت المراقبين هو طبيعة الحادثة التي حرضت هذه الحملة: ادعاءات التحرش الجنسي ضد هارفي وينشتاين. لماذا أدى هذا الحدث - بفنادقه الفاخرة، ومواقعه الساحرة، وإشراك ممثلين مشهورين، ووعوده بالنجومية في هوليوود – إلى حركة وحدت النساء من مناحي الحياة كلّها وأنواع الوظائف جميعها؟

والحقيقة هي أن حملة #MeToo كانت تنتظر حدوثها. كان غضب النساء واستيائهن كوعاء يغلي على النار يهتز غطاؤه، كان هناك شيء ما سيؤدي إلى الغليان في النهاية. كان الغضب عائدًا على التحرش، والاستياء بسبب النظام الذي أُنشِأ لمعالجة الأمر.

في الأشهر التي سبقت الكشف عن جرائم وينشتاين، في أكتوبر 2017م، تحدثت ثلاث نساء أمريكيات بارزات ضد أقسام الموارد البشرية. في شهر فبراير، كتبت مهندسة في شركة أوبر تدعى سوزان فاولر تدوينة مكونة من 3000 كلمة تزعم فيها حدوث تحرش جنسي في الشركة. ووصفت تجربتها مع مدير عرض عليها الزواج وكتبت أنها ""توقعت أنني عندما أبلغ عنه إلى قسم الموارد البشرية، سوف يتعاملون مع الموقف بشكل مناسب، وبعد ذلك ستستمر الحياة""، لكن لم يحدث ذلك. وفي 6 أبريل، تحدثت نانسي إريكا سميث، التي مثلت جريتشن كارلسون في دعوى التحرش التي رفعتها ضد روجر آيلز، رئيس شبكة فوكس نيوز، في المؤتمر السنوي للمرأة في العالم وأخبرت الجمهور الحقيقة الصادمة: ""قسم الموارد البشرية ليس صديقكن، قسم الموارد البشرية لن يساعدكن"". وفي اليوم نفسه، كتبت أنيتا هيل في صحيفة واشنطن بوست: ""لا تزال هناك شركات تتظاهر بأن أقسام الموارد البشرية قد تساعد النساء بينما تسمح في السر بالتشهير بالنساء عندما يتقدمن ببلاغات"". وكل هذا مهّد الطريق لما حدث في أعقاب قضية وينشتاين.

في الواقع، كان من الممكن أن تبدأ الحركة قبل عام كامل، في عام 2016م، عندما أصدرت فرقة عمل خاصة من لجنة تكافؤ فرص العمل النتائج التي توصلت إليها بشأن التحرش الجنسي. وكانت المناسبة الذكرى السنوية لقضية ميريتور، وقد جرى تكليف فرقة العمل بتحديد مدى التقدم الذي أحرزته البلاد منذ هذا القرار التاريخي، ولكن كانت نتائجه قليلة جدًا. ووجدت فرقة العمل أن ""الكثير من التدريب الذي جرى على مدار الثلاثين عامًا الماضية لم ينجح كأداة وقائية"". وهذا بيان لا يصدق — ثلاثة عقود من الفشل.

أدى فضح المتحرشين ذوي المناصب العالية إلى تفاعل كبير في بداية حملة #MeToo، لكن التغيير الاجتماعي المبني على حركة شعبية محكوم عليه بالتلاشي.

يشكل تقرير لجنة تكافؤ فرص العمل ورقة حكومية بيضاء على مر العصور، فهو مترامي الأطراف، وغامض، ومبهم بشكل متعمد تقريبًا. لكن عندما تتصفحه والقلم في يدك، ستدرك أنه قد يكون وثيقة مذهلة أيضًا، يكشف أن التحرش الجنسي ""منتشر"" و""مستمر""، وأن 85% من العمال الذين يتعرضون للتحرش لا يبلغون عنه أبدًا. وتستنتج هذه الوثيقة أن الموظفين أكثر احتمالًا للتوصل إلى حلول خاصة بهم - مثل تجنب المتحرش، أو التقليل من أهمية التحرش، أو ببساطة تحمله — بدلًا من طلب المساعدة من الموارد البشرية. وهم أكثر ميلًا إلى طلب النصيحة من أحد أفراد الأسرة أو زميل العمل بدلًا من تقديم شكوى، لأنهم يخشون أنهم سيواجهون تداعيات إذا فعلوا ذلك.

كان التدريب على مكافحة التحرش ومركزية الموارد البشرية في حل مشاكل المرأة أمرًا عانى منه الموظفون منذ عام 1998م. وعندما صدر قراران من المحكمة العليا، بشأن قضيتي Faragher v. City of Boca Raton وBurlington Industries, Inc. v. Ellerth، غيرت الطريقة التي تنظر بها المحاكم إلى دعاوى التحرش؛ إذا استخدمت الشركة الدفاع الذي استخدمه Faragher-Ellerth، فهي تؤكد أنه على الرغم من السياسة الواضحة والتدريب المنتظم، فإن الموظف الذي تعرض للمضايقات فشل في تقديم تقرير إلى قسم الموارد البشرية ومن ثَمَ لم يتمكن صاحب العمل من حل المشكلة. ولهذا السبب يبدو كل هذا التدريب — مقاطع الفيديو والدورات التدريبية وأوراق العمل عبر الإنترنت — عديم الفائدة، لأنه مصمم ليكون بمثابة دفاع ضد دعوى التوظيف. واستشهد فريق العمل بدراسة وجدت أنه ""لا يوجد دليل على أن التدريب أثّر على تكرار التحرش الجنسي الذي تتعرض له النساء في مكان العمل"". وذكرت فرقة العمل أيضًا أن تدريبات وإجراءات الموارد البشرية ""تركز بشكل كبير على حماية صاحب العمل من المسؤولية""، ولا تركز بشكل كافٍ على إنهاء المشكلة. 

إن النتائج محبطة، ومع ذلك، في العرض التقديمي المصاحب للتقرير، حافظت فرقة العمل على لهجة مفعمة بالأمل، بل ومرحة في بعض الأحيان، مبينة أن ""الخبر السار""، الذي أعلنت عنه بعد تقديم الحقائق المريعة، هو ""أن لدينا بعض الأفكار الإبداعية"".

وتأتي إحدى هذه الأفكار في صيغة تأكيد جريء: ""يمكن لحملة ""It’s On Us"" في مكان العمل أن تغير الوضع"". تشير لجنة تكافؤ فرص العمل هنا إلى الحملة التي جرى تقديمها خلال إدارة الرئيس باراك أوباما للحد من الاعتداءات الجنسية في الحرم الجامعي. وليس هناك ما يشير إلى أن الحملة فعلت أي شيء على الإطلاق للحد من الاعتداءات الجنسية، فبعد حفل تدشيني كبير حظي بتغطية إعلامية واسعة النطاق، جرى نسيانها إلى حد كبير. وتشمل الاقتراحات الأخرى التدريب على تدخل المتفرج والتدريب على أدب الأخلاق، وتعترف لجنة تكافؤ فرص العمل بأن هذا الأخير لم يتم ""تقييمه بدقة"" بعدّه أداةً لمنع التحرش.

""أفكار إبداعية""؟ قبل عام من ظهور قضية وينشتاين، كانت الوكالة المسؤولة عن مكافحة التحرش الجنسي في أمريكا في موقف بائس كالغريق الذي يتعلق بالقشة.

عندما كنت في أوستن، سألت الحاضرين في المؤتمر لماذا لم يحقق قسم الموارد البشرية سوى القليل جدًا، أجابوني بنسخة مختلفة من الإجابة نفسها في كل مرة: ليس لديهم السلطة؛ يمكنهم تقديم التدريبات وكتابة السياسات، ويمكنهم أخذ التقارير وإجراء التحقيقات، ولكن ما لم يكن المتحرش صاحب منصب منخفض نسبيًا داخل المنظمة، فلن يكون لهم رأي كبير في النتيجة. في معظم الأحيان، إذا كان الرجل مهمًا حقًا للشركة، يجري إخراج القضية بسرعة من أيدي الموارد البشرية، ويجري تسليم التحقيق إلى المحامين ويصدر القرار النهائي من قبل المديرين التنفيذيين. فهؤلاء المسؤولون التنفيذيون ليس لديهم أي إلزام قانوني بإنهاء عمل الجاني المزعوم أو حتى فرض عقوبة معينة، فليس بإمكانهم إلا التأكد من أن المرأة التي قدمت البلاغ ستكون في أمان في المستقبل.

أدى فضح المتحرشين ذوي المناصب العالية إلى تفاعل كبير في بداية حملة #MeToo، لكن التغيير الاجتماعي المبني على حركة شعبية محكوم عليه بالتلاشي عندما تفقد هذه الحركة شهرتها. فقد بدأت البلاد بالفعل في المضي قدمًا، وتباطأت وتيرة طرد الرجال المشهورين، واكتسبت ردود الفعل العنيفة ضد ما يُنظر إليه على أنه عقوبات غير عادلة قوة أكبر. وكتبت تافي بروديسر-أكنر في أبريل قصة غلاف لمجلة نيويورك تايمز حول مزاعم بوجود نمط واسع النطاق من التحرش الجنسي والتمييز في شركة ستيرلنج جولرز، وهي سلسلة من متاجر التجزئة تضم كاي وجاريد وزاليس. وهذا مثال على كاتبة بارزة تكتب عن موضوع مهم، كان من النوع الذي كان سيجذب انتباه البلاد قبل عام. ولكن مع تراجع حملة #MeToo، تحول الغضب إلى قبول مستسلم.

مثل أي شخص آخر يفهم المشكلة، ومن بينهم لجنة تكافؤ فرص العمل، أفاد موظفو الموارد البشرية الذين التقيت بهم في المؤتمر أن هناك طريقة واحدة فقط للقضاء على التحرش في مكان العمل، وهي من خلال خلق ثقافة تبدأ من قمة الشركة، تنص على أنه لا يجري التسامح مع المتحرش وسُيعاقب بشدة. لا يستطيع المديرون أصحاب المناصب المتوسطة تغيير ثقافة الشركة، ولا يستطيع فعل ذلك إلا الأشخاص المسؤولون في الشركة. ومن غير الواقعي أن نتوقع من موظفة موارد بشرية — ملتزمة بقرض سيارة أو رهن عقاري أو رسوم جامعية — أن تخاطر بوظيفتها في معركة ضد الإدارة نيابة عن موظف بالكاد تعرفه.

واجهتُ العديد من البدائل للنظام التقليدي للتعامل مع التحرش الجنسي، طوال فترة كتابة هذا المقال. لقد تحدثت مع أحد المتقاضين الناجحين في لوس أنجلوس ويدعى مارك بوت. قال لي بمرح: ""أنا قاسٍ في قاعة المحكمة، وقد حصلت على ما يكفيني"". طُلب من بوت في بعض الأحيان التحدث إلى المديرين التنفيذيين في الشركات الكبرى. عندما يجري تقديمه، لا يهتم به أي من الرجال كثيرًا، لأن الموضوع هو الموارد البشرية. ولكن بعد ذلك، قال بصوته الذي كان يدوي في قاعة المحكمة: ""أنا هنا حتى لا تقوم هذه الشركة بتعيين شخص مثلي ليأتي ويدمر حياتكم المهنية"". وضع الرجال هواتفهم جانبًا. هاجمهم بكل نتيجة محتملة لمضايقة زميلتهم في العمل، ثم أهانهم: ""أخبرني، إذا كنت رجلًا ذا شخصية مهيمنة، فلماذا تواعد فقط النساء اللاتي يعملن تحت سلطتك في العمل؟ لماذا لا يمكنك العثور على شخص آخر خارج هذا المبنى؟""

يتسم النهج الذي يتبناه بوت بأنه عدواني، وغير تقليدي، وفعال للغاية على ما يبدو. لقد أذهلني ذلك النوع من ""الفكرة الإبداعية"" التي ربما كانت لجنة تكافؤ فرص العمل تبحث عنها. لكن لا أحد قد يعمل بها بجدية. ومع ذلك، يمكننا أن نتوقع رؤية قسم الموارد البشرية ينشر تقنيات جديدة تهدف إلى حماية الشركات أكثر من حماية الموظفين.

أصبح ما يسمى بعقود الحب شائعًا، حيث يتطلب من الموظفين الذين يتواعدون إبلاغ قسم الموارد البشرية بالتوقيع على أوراق تؤكد أنهم يشاركون عن طيب خاطر في علاقة بالتراضي. إن الأمر يشبه نشر المحظورات، أشبه بإعلان عام عن النية، يقوم بعده قسم الموارد البشرية بالاحتفاظ بوثيقة أخرى موقعة لتعويض الشركة عن أفعال موظفيها في حالة حدوث أي أمر. ويمكن فهم هذا على أنه تغيير لمهمة الموارد البشرية الأصلية، أو يمكن فهمه على أنه علامة أخرى للرحلة التي نخوضها جميعًا، مع سقوط الدين وتلاشي العادات، وتصميم قواعد السلوك الجديدة بعكس ما ينص عليه قانون العمل. فقد أصبح الباب السابع هو الكتاب المقدس، والتدريب على الامتثال هو الخطبة، ومكتب الموارد البشرية هو كرسي الاعتراف.

لا يستطيع قسم الموارد البشرية مجابهة التحرش الجنسي، فهو يضع العدوان الجنسي الذكوري في مواجهة مع نظام الأوراق والوعود الكاذبة، ولا تثق النساء به. لمدة 30 عامًا، قمنا بكل شيء يمكن أن نفعله لتحسين قسم الموارد البشرية، ولم ينجح الأمر، لذلك علينا أن نجد طريقة أفضل.

كيتلين فلاناغان كاتبة في مجلة ذا أتلانتيك، ومؤلفة كتابي Girl Land وTo Hell With All That.

مقالات ذات صلة