في دولة اليونان القديمة، يقال إن الطبيب أبقراط افترض وجود علاقة بين نسبة سوائل الجسم الأربعة -الدم، والمِرّة الصفراء، والمِرّة السوداء، والبلغم- وطباع الأشخاص المختلفة. اقترح عالم النفس كارل يونغ، في كتابه ""أنماط الشخصية النفسية"" (Psychological Types) الذي نشر في عام 1912م نوعين رئيسين من الاتجاهات السلوكية (الانطواء والانفتاح) وأربع وظائف معرفية (التفكير والشعور والإحساس والحدس) التي تتحد لتنتج ثمانية ملامح وخصائص نفسية مختلفة، وفي عام 2022م، اقترح مساهم على موقع ""بازفيد"" (BuzzFeed) أن الجميع إما تفاحة أو موزة (أنا تفاحة).
المغزى هو أن الناس بذلوا جهودًا عظيمةً عبر التاريخ لمعرفة وتصنيف شخصية الإنسان، ولا يزالون يحاولون فعل ذلك. فبيلي منفتح، ولغة حب سارة هي إعطاء وتلقي الهدايا، وشخصية صديقتك المفضلة تشبه شخصية ""ميراندا"" (من برنامج Sex and the City)، وتستمتع بإمضاء الوقت معها بالرغم من انتمائها لبرج الجوزاء. في الوقت الراهن، تعتبر محاولة تصنيف الشخصية موضوعًا ممتعًا للمحادثات، ومجالًا علميًا لا يزال قيد النمو، وصناعةً تدر أرباحًا بمليارات الدولارات.
لكن هذا الكم الهائل من طرائق تصنيف الشخصيات يطرح معضلة جديدة: هل تعتقد بأن أحد الطرائق تتفوق على الأخرى؟ تشير الأبحاث إلى وجود ثلاثة دوافع رئيسة لتقييم الذات -التقييم الذاتي (اكتساب المعرفة الذاتية الدقيقة)، وتعزيز الذات (سماع مجاملات تعتقد بأنها تنطبق عليك)، والتحقق الذاتي (التحقق من إذا كان الآخرون يرونك كما ترى نفسك)، لكن تستطيع طرائق التصنيف الحديثة -سواء كانت تستند ليونغ أم الفواكه- أن تجذب أنواعًا مختلفة من الناس، فهم يختارون اختباراتهم المفضلة لأسباب مختلفة، أو بعبارة أخرى، كيفية اختيارك لاختبار الشخصية – اختبار شخصية بحد ذاته.
هل تستطيع توقع اختبار الشخصية الذي سيختاره الشخص بناءً على شخصيته؟ أعدت مجلة ذا أتلانتيك اختبارًا لتساعدك على معرفة ذلك. ومثل العديد من الاختبارات التي سبقته، فهو غير مثبت علميًّا، كما يضع تعريفًا واسعًا لكلمة اختبار، ستجد الأبراج كأحد نتائج الاختبار، والتي لا تعتبر اختبارًا بمعنى الكلمة، بل طريقة لتصنيف الناس بناءً على موقع النجوم والكواكب عند ولادتهم، جرب إجراء هذا الاختبار كما سيفعل شخص برجه الدلو: بعقل منفتح وروح سخية.
ما اختبار الشخصية الذي يناسبك وَفقًا لشخصيتك؟
لتكتشف الاختبار الذي يناسبك، اسحب البطاقات -لليسار لتعارض، ولليمين لتوافق- أو اضغط الرموز الظاهرة أسفل البطاقات.
أعتقد أنني أتناسب فطريًّا مع نوع معين من الوظائف.
أجد الراحة في الدين.
اعتبر اختبار الشخصية دليلًا لتحسين الذات.
لا أشعر بالحاجة إلى تغيير سلوكاتي الفطرية.
غالبًا ما أرى جوانب من شخصيتي في ""ميمات الإنترنت"" (memes).
إنني أقدر توجيه الدين، ولكني لا أحب صرامته.
أحاول أحيانًا أن أكون أشبه بالشخصيات الخيالية التي أحبها.
أشعر بالحنين للماضي في كثير من الأحيان في حياتي.
أعتقد أن بعض أنواع الشخصيات سيئة للغاية.
لا أمانع التعلم عن واستخدام ""العلوم الزائفة"" من وقت لآخر.
أثق بالأدلة التجريبية فوق كل شيء.
لا أؤمن بتصنيف الشخصيات في أنواع واضحة المعالم، فهي متدرجة ومتغيرة.
قد لا أكون على استعداد لتقبل الأفكار التي لا أجدها منطقية.
أبحث عن المعرفة الذاتية لمساعدتي في التقدم في مسيرتي المهنية.
تختلف شخصيتي كثيرًا عندما أكون متوترًا عن شخصيتي في أفضل حالاتي.
في نهاية المطاف، تفضيل الناس لاختبارات معينة ليس عشوائيًّا بالكامل، خذ مؤشر مايرز بريغز بالحسبان، الذي صنعه الفريق المكون من أم وابنتها، كاثرين بريغز وإيزابيل بريغز مايرز، الذي يصنف الناس إلى أحد 16 نوعًا من أنواع الشخصية. أثرت نظريات يونغ نظام المؤشر، وكل نوع يمثل باستخدام أربعة أحرف ISTJ (الانطواء، والإحساس، والتفكير، والحدس) وENFP (الانفتاح، والحدس، والشعور، والإدراك). والاختبار -الذي قد يبدو تجريبيًّا، بالرغم من أن العلماء عبروا عن شكوكهم حوله- يحظى بالشعبية في عالم الأعمال.
أصبح ارتباط الاختبار بعالم الأعمال وثيقًا في عام 1975م وفقاً لكتاب ميرفي إيمري ""وسطاء الشخصية"" (Personality Brokers)، عندما باعت إيزابيل الاختبار لصحيفة علماء النفس الاستشاريين. عُدّلت النسخة الجديدة لتكون أقصر ولتعمل بطريقة التقييم الذاتي؛ مما جعله أقل كلفة واختصر وقت إجراء الاختبار، ومن وجهة نظر الناقدين أقل اهتمامًا بالمصداقية؛ ولا يزال يستخدم من قبل أفضل الشركات، والجامعات، والمعسكرات لتقييم نقاط قوة الموظفين، وتحديد الموظفين الذين يجب أن يعملوا معًا، -رغم عدم تشجيع مؤسسة مايرز وبريغز بذلك- للمساعدة في التوظيف. وأخبرت ميرفي الراديو الوطني العام، أن هذا المؤشر أصبح ""أداةً مفيدة بشكل لا يصدق لإقناع الناس بأنهم يفعلون ما يجب عليهم فعله بحياتهم، وأنه ينبغي لهم إلزام أنفسهم بعملهم بحرية وسرور"".
ومن ناحية أخرى، قد يجذب اختبار الانياجرام الأشخاص الذين يسعون إلى التنوير الروحي بدلًا من مكان عمل أكثر سعادة. نظام هذا الاختبار -غير المثبت علميًّا أيضًا- يصنف من يجري الاختبار إلى أنواع شخصية مرقمة من 1 إلى 9، يمثل كل رقم ""فضيلة"" أساسية، والتي تتوافق أيضًا مع ""رغبة"" أساسية (أي الذنوب المتمثلة في ""الخطايا السبع المميتة"" بالإضافة إلى خطيئتين إضافيتان: الخداع والخوف). ويحاول الاختبار مساعدة الناس على معرفة ما يبعدهم عن الفضائل، ثم يساعدهم على إيجاد طريق العودة لهم. وقد توضح شعبيته عند المسيحيين ما يجذب الناس لاختبار شخصية معين دون آخر: أوجه الشبه ما بين نتائج الاختبار ومعتقدات الفرد ووجهة نظره للعالم.
هنالك العديد من مقاييس الشخصية الأخرى التي لها جاذبيتها الخاصة، حيث يقيم اختبار السمات الخمسة الكبرى لتحليل الشخصية (The Big Five Test) سمات الأشخاص -الانفتاح، والضمير، والاندفاع، والقبول، والعصابية- بنسب مئوية من 1% إلى 100%، وهو إطار التحليل المتفق عليه على نطاق واسع من قبل علماء النفس. فبالرغم من كونه غير مثالي، إلا أنه يضع مستخدميه على نطاق متدرج وليس ضمن مجموعة من ""الأنواع"" الصارمة؛ مما يتماشى مع شخصية الإنسان في الواقع. قد يجذب هذا الاختبار من يبحث عن اكتشاف الذات، الذين يثقون بالاختبارات التجريبية أكثر من غيرها، وللأشخاص الذين يهتمون بالروح أكثر من الدين (أو أولئك الذين يحبون ""ميمات الإنترنت"")، تقدم لهم الأبراج طريقًا آخر للتوجيه والتأمل الذاتي. وعلى الرغم من وجودها منذ آلاف السنين، إلا أن جيل الألفية والإنترنت أسهم في عودة نظام فرز الشخصيات القائم على النجوم. ومن ناحية أخرى، إن كنت تتعاطف مع شخصياتك الخيالية المفضلة، يمكنك أن تجد الكثير من الاختبارات المتعلقة بذلك على الإنترنت. فيمكنك أن تعرف ما الشخصية التي تشبهك من البرنامج التلفزيوني Sex and the City، أو ""عصر"" تايلور سويفت الذي تعيشه حاليًّا. ومن أكثر اختبارات الثقافة الشعبية إقناعًا الاختبارات التي تخبرك بمنزل هوجورتس الذي تنتمي إليه، حيث ترتبط مباشرة بتقاليد سلسلة هاري بوتر من خلال ""قبعة الفرز"" الواعية.
خلاصة القول هي أن اختبارات الشخصية التي يمكنك إجرائها من منزلك تشير لحاجة الإنسان الأزلية للتصنيف، ولا يجب أخذ معظمها على محمل الجد. أخبرتني جينيفر فايارد، أستاذة علم النفس في جامعة أواتشيتا المعمدانية في أركنساس، لا أن مؤشر مايرز بريغز واختبار الانياجرام ""ليسا حقيقيين"" و""ليسا جيدين"" فحسب، ولكن أيضًا أن الإفراط في الاعتماد على قدراتهما التفسيرية يمكن أن يكون له آثار سلبية؛ فقد قالت: ""تجربتي عند التكلم مع الآخرين عن هذا الموضوع هي سماعي عبارة ""أعلم أنه مجرد اختبار، ولا أجعله يستحوذ على هويتي بالكامل، فقط أستخدمه أداةً لفهم نفسي،"" ولكن أعرف الكثير من الناس الذين جعلوه يستحوذ على هويتهم، واستخدموه بعدّه طريقة لوصف شخصياتهم أو تبرير سلوكياتهم للآخرين"". ويمكن أن يؤدي هذا إلى استخدام نتائج الاختبار لتجاهل أو رفض الشخص لتعديل سلوكه السيئ: على سبيل المثال، اتخاذ قرار بعدم الذهاب لعشاء مخطط مسبقًا في اللحظة الأخيرة لأنه، كما ينبغي على أصدقائك أن يفهموا، فإن شخصيات الـ ENFP تعاني من صعوبة إدارة الوقت.
ولكن لا يُعد البحث عن الأعذار ما يحفز الناس عادةً على إجراء اختبار الشخصية اليوم، فبدلًا من ذلك، كما أخبرتني تيسا ويست، أستاذة علم النفس في جامعة نيويورك، يبحث الناس عن الشعور باليقين والاطمئنان بشأن المكان الذي ينتمون إليه والمسار الذي يجب عليهم اتباعه في الحياة. ولا يُعد هذا أمرًا مفاجئًا، فيمكن أن تبدو معرفة الذات وكأنها بلسم لعدم القدرة على التنبؤ بما سيحدث، سواء في العلاقات أو في مكان العمل. قد يعلق من يجري الاختبار أمله على أن التعرف على لغة الحب الخاصة به أو نوع العاملين الذي ينتمي إليه سيساعده على معرفة الخطوات التي يجب اتخاذها لتحقيق النجاح. علاوة على ذلك، قد تستطيع عبرها أن تجد حتى هويتك أو المجتمع الذي تنتمي إليه، ويبدو هذا صحيحًا بالنسبة إليّ -ففي نهاية اليوم، أنا من النوع الرابع- وبرجي الدلو -وبيتي رافينكلاو- ونمطي الـ INFJ.
كيلي كونابوي كاتبة مقيمة في نيويورك. نشرت أعمالها في مدونة Gawker، وموقع The Awl، ومجلة The New Yorker.
