لقد كان يومًا حافلًا لعمالقة الإعلام، انفصل تاكر كارلسون عن فوكس نتيجةً لادِّعاءات المنتجة السابقة آبي غروسبرغ؛ ذلك أنّ ستوديو تصوير برنامج تاكر كارلسون تونايت كان مكانَ عملٍ معاديًا للنساء، وتمّ طرد دون ليمون من قِبل (سي إن إن) بعد أسابيع فقط من إعلانه أن المرشحة الجمهورية الأساسية نيكي هايلي قد تجاوزت فترة ""ريعانها"" في سِنّ الـ 51، وتمّ إقالة جيف شِل أيضًا وهو الرئيس التنفيذي لشركة (إن بي سي) العالمية، بسبب ما وصفه بأنه ""علاقة غير لائقة مع امرأة في الشركة""، وما وصفته المرأة المعنية، هادلي جامبل، بالتحرش الجنسي في شكوى قُدّمت إلى (إن بي سي) قبل إقالة شِل. ربما لم يكن الدافع وراء هذه الأحداث متمثِّلًا في الأمور المتعلقة بالمرأة والتحرش الجنسي، بل التأثير العام لحركة: #أنا_أيضًا (#MeToo)، عندما بدأت العواقب على الجناة في التبلور لأول مرة.
ومع ذلك، قد يسأل مراقب ساخرًا عن سبب استمرار مثل هذه الحوادث التي تكشف عن ثقافات أماكن العمل الرجعية المظلمة بعد سنواتٍ من ظهور حركة: #أنا_أيضًا، وانهيار العديد من المهن اللامعة على أُسسٍ مهينة. هل تُعد هذه الحوادث ردة فعل صادقة لحركة: #أنا_أيضًا، كما قلق المعلقون في الأشهر الأخيرة؟ أم تدل على فشلها، كما عبّر أحد الأصدقاء بقلقٍ يوم الاثنين الماضي؟ والإجابة هي: لا، للحالتين. إنما أود أن أقول: تمثّل حركة #أنا_أيضًا، صراعًا دائمًا على السلطة في العديد من الأماكن -في جميع أنحاء هذا المجال (الإعلام) وغيره الكثير-، صراعًا لم يفز فيه أحدٌ بعد. ولكن مثل هذه الحلقات المخيفة التي يتم الكشف عنها كل يوم تشير إلى أنه لا يزال هناك تقدّم.
يجدر تصور حركة #أنا_أيضًا على أنها صراع على السلطة؛ لأن هذا الإطار يركز بشكل مناسب على من يتحكم بالفعل في ثقافات وبيئات أماكن العمل، مقابل وجهة نظر أكثر محدودية، ترى حركة #أنا_أيضًا كمجموعة من العديد من الصراعات المختلفة بين العديد من الأفراد المختلفين. كل حالة من هذه الحالات مهمة، فالشخصيات والخبرات مهمة، ولكن أنظمة التسلسل الهرمي للشركات التي تسمح للّاعبين رفيعي المستوى في الشركة بإيذاء الموظفين الآخرين، هي أكثر أهمية بكثير للسمِّية المستمرة في أماكن العمل من أي فرد كان، أو حتى جميع الأفراد مجتمعين. ولقد حقّقت رائدات حركة #أنا_أيضًا أعظم نجاحاتهن عند النظر إلى ما هو أبعد من مواردهن المباشرة لتحقيق العدالة، وذلك من خلال الخروج من الأنظمة التي أضعفتهن للدفاع عن حقوقهن.
وبالنسبة لضحايا هارفي وينشتاين، كان ذلك يعني إخراج قصصهم من هوليوود إلى محكمة الرأي العام ومن ثمّ إلى المحاكم المناسبة، حيث تمت مقاضاة وينشتاين وإدانته جنائيًّا. وكانت غريتشن كارلسون إحدى ضحايا روجر آيلز العديدة في قناة فوكس نيوز، وكان ذلك يعني بالنسبة لها الحاجة للهروب من مخطط التحكيم القسري الذي أبقى التحرش الجنسي الفاضح لآيلز سرًّا، على مستوى الشبكة من خلال رفع دعوى قضائية في محكمة علنية، والتي قامت فوكس بتسويتها لاحقًا. ففي كل حالة من هذه الحالات، تمّ النضال من أجل الحق في مكان عمل أفضل، والفوز به من خلال اللجوء إلى سلطة أكبر. عادةً في المحاكم، وغالبًا ما يكون ذلك على مرأى من الجميع.
وقد جاءت تلك الانتصارات مع إيجابيات دائمة، ففي العام الماضي وجد مركز بيو للأبحاث العلمية أن معظم الأمريكيين يشعرون بأنّ حركة #أنا_أيضًا جعلت المساءلة عن التمييز الجنسي في مكان العمل أكثر احتمالًا عندما يتم أخذ احتمالية احتجاج الضحية في عين الاعتبار، وتُعد مثل هذه النتيجة التي تغير من بيئة العمل ثمينة جدًّا. ونظم الكثير من الناس حملات مستوحاة من حركة #أنا_أيضًا؛ للدفاع عن حقوقهم في جميع أنحاء البلاد. وفقًا للباحثين في جامعة جورج تاون الأمريكية، وجامعة أوريغون، فإنّه ""بين عاميّ 2017م و2021م، قدّمت الولايات 2324 مشروعًا قانونيًّا متعلقًا بحركة #أنا_أيضًا، وأقرّت منها 286"". وكانت النتيجة أن هناك نشاطًا أقل على المستوى الفيدرالي، باستثناء قانون إنهاء التحكيم القسري للاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي (Ending Forced Arbitration of Sexual Assault and Sexual Harassment Act)، وقانون الإفصاح (Speak Out Act)، وكلاهما دافعت عنهما غريتشن كارلسون، ووقّع عليهما الرئيس جو بايدن، (حيث يضمن مشروع القانون الأول إمكانية التماس ضحية التحرش أو الاعتداء الجنسي سبل الإنصاف في المحاكم، وليس من خلال عملية تحكيم سِرية؛ ويحدّ الثاني من استخدام اتفاقيات عدم الإفصاح لإسكات الضحايا).
كنت حاضرًا في جلسة استماع اللجنة القضائية بمجلس النواب في الـ 16 من نوفمبر 2021م، وهو اليوم الذي أدلت فيه العديد من النساء بشهاداتهن حول تجاربهن مع التحرش الجنسي والتحكيم القسري؛ لدعم قانون إنهاء التحكيم القسري المعلق آنذاك. كان ينتابني الشعور بأن شيئًا بالغ الأهمية كان يحدث للعمّال الأمريكيين أمامي. فإن قدرة صاحب العمل على محاصرة موظف في محكمة خاصة باختياره بمجرد بند تعاقدي –قبل أن يصبح مشروع القانون قانونًا–، هو تشجيع للاستغلال! وقد صرّحت بذلك الكثير من النساء اللواتي أدلين بشهادتهن اليوم بعد حلف اليمين، والتأكيد على قول الحقيقة أمام المحكمة. ونتيجة مشروع القانون هي أن الموظفين الذين يتعرضون للتحرش الجنسي أصبح بإمكانهم الآن اللجوء إلى هذه السلطة الأكبر بكثير من أصحاب العمل.
ولكن حكاية #أنا_أيضًا، لا زالت مستمرة بعد النجاح الأوليّ، فلا يوجد أي قانون أو تنظيم قويٍّ بما يكفي حتى الآن لحلّ مشكلة الرجال الأثرياء وغير الخاضعين للمساءلة. بدلًا من ذلك، تم الانتصار في معركة النضال من أجل العمل والعيش بكرامة في مجتمع متحضّر من خلال تحولات صغيرة في السلطة، لا تزال قيد التحقيق حتى الآن.
إليزابيث برونيج، كاتبة في مجلة (ذا أتلانتيك).
