القائمة الرئيسية

لتصبح سعيدًا، اختر قراءة هذا المقال

لتصبح سعيدًا، اختر قراءة هذا المقال
ملخص المقال

في مقاله، يناقش آرثر بروكس مفهوم الإرادة الحرة من خلال قصة خيالية عن لعبة تؤدي إلى فقدان الإيمان بها، مما يسبب مشكلات نفسية. يبرز كيف أن الإيمان بالإرادة الحرة مرتبط بالرضا عن الحياة، ويشير إلى أن التصرف كما لو كانت الإرادة الحرة موجودة يمكن أن يحسن جودة الحياة، حتى في ظل الشكوك حول وجودها.المصدر: ذا أتلانتيك

بقلم آرثر بروكس

عام 2005م، نشرت مجلة نيتشر قصة قصيرة من الخيال العلمي للكاتب تيد تشيانغ عن لعبة صغيرة تسمى ""Predictor"" (""المتنبئ""). يبلغ حجم اللعبة تقريبًا حجم مفتاح السيارة، وتحتوي على زر وضوء أخضر. يضيء الضوء الأخضر مدة ثانية واحدة قبل أن يضغط المشغل على الزر. ولا يمكن لأحد أن يخدع اللعبة؛ لأنها تعمل من خلال قراءة سلوكيات المشغل المحددة مسبقًا قبل أن تكون واضحة للمشغل نفسه.

يعبث الناس في البداية بالجهاز لمجرد التسلية. لكن مع مرور الوقت، تصبح آثاره على العديد من المستخدمين خطيرة؛ لأنهم يدركون من اللعب به أن الإرادة الحرة مجرد وهم. ونتيجة لذلك، يصاب ثلث السكان بمرض يعرف باسم ""الخرس اللاحركي""، وهو نوع من الغيبوبة الحركية؛ إذ تغيب الدوافع كلها عن الحياة. ويُدخَل البعض إلى المستشفى لأنهم لا يريدون إطعام أنفسهم. ولذلك يبدو أن بغياب الإرادة الحرة، لا يشعر الناس أنهم أحياء.

هذه الرواية مجرد خيال، ولكننا نعيش في زمن يقدم فيه العلم والفلسفة تحديات جديدة لوجود الإرادة الحرة. وكما تشير قصة تشيانغ، فإن هذا له آثار عميقة على السعادة، ففهم الحجج المطروحة، وتحديد كيفية الرد، يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في حياتك.

تنشأ مسألة الإرادة الحرة مما يسميه الفلاسفة ""مشكلة العقل والجسم""، والتي تطرح التساؤل عما إذا كان العقل والدماغ الشيء نفسه أم كيانَيْن منفصلَيْن. اشتهر الفيلسوف رينيه ديكارت بصراعه مع هذه المعضلة في كتابه بعنوان ""تأملات في الفلسفة الأولى"" عام 1641م، إذ جادل أن العقل لا يشغل أي مساحة مادية، وبالتالي فهو منفصل عن الجسد.

وقد كان لهذه النظرة ""الثنائية"" العديد من الأتباع المعاصرين، المتدينين والعلمانيين. على سبيل المثال، يعتقد الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز أن العقل ليس ماديًّا أو ملموسًا، فهو يفترض أنه يمكن للمرء أن يوجد جسديًّا بلا وعي، مثل الزومبي، لذلك يجب فصل الوعي عن العالم المادي.

إذا عددنا ذلك صحيحًا، فأين يوجد العقل، إن لم يكن في الدماغ؟ قد يقول البعض أن العقل موجود في النفس –أو هو النفس نفسها– والتي إن لم تكن جسدية، قد تكون موجودة بعد الموت الجسدي. ويشير آخرون إلى نوع من النزعة النفسية الشاملة، أو درجة من الوعي تسكن الأجسام الطبيعية جميعها. ولكن مهما كان العقل وأينما وجد، فنحن نمتلك أساسًا يمكننا من اتخاذ القرارات في حياتنا اليومية، وهو تعبير عن الاختيار المستقل، والإرادة الحرة. وبهذا، نستطيع تشبيه الدماغ بالكمبيوتر والعقل بالمشغل.

وعلى عكس هذا، يعتقد ""الفيزيائيون"" أن الخبرات الذاتية والوعي ينبعان بالكامل من الدماغ، وأن الفصل بين الدماغ والعقل مجرد وهم. وإذا عدنا إلى التشبيه، فلا يوجد مشغل خارجي.

صحيح أننا لا نعرف كيف يرتبط وعينا ودماغنا، فلم يُحَدَّد أي مكون دماغي يعالج الإحساس بالذات الواعية. لكن هذا ليس دليلًا على عدم وجود العقل. ففي النهاية، نحن نعتقد أن الكون ظاهرة فيزيائية بحتة أيضًا، حتى لو لم نفهمها بشكل كامل. ولذلك من غير المنطقي أن نقول إن العقل منفصل عن الدماغ لمجرد أن الروابط غير معروفة.

يفسر هذا المنطق أيضًا سبب رفض العديد من الفيزيائيين لمفهوم الإرادة الحرة. وعلى حد تعبير عالم الأعصاب روبرت سابولسكي من جامعة ستانفورد، فإن ""ما نسميه ""الإرادة الحرة"" هي ببساطة بيولوجيا لم نفهمها بالقدر الكافي بعد"". بالإضافة إلى ذلك، يستشهد هؤلاء المفكرون بأدلة على أن العديد مما نعده أفعالًا طوعية تبدأ حتى قبل أن ندركها؛ إذ تحتوي أدمغتنا على حوالي 86 مليار خلية عصبية، مع ما يقدر بنحو 100 تريليون رابط بينها. والنشاط والروابط معقدة، وتتجاوز بكثير السيطرة الواعية للإرادة المتثاقلة، فبحلول الوقت الذي تقرر فيه تناول قطعة البسكويت، يكون عقلك قد بدأ الإجراء للقيام بذلك بشكل مسبق.

توجد حجة مختلطة فيما يتعلق بالإرادة الحرة، وهي حجة تعترف بتعقيد الدماغ وحقيقة أننا قد لا نتخذ كل قرار فردي بحرية. وتشير الحجة إلى أن القرارات التي تؤثر على أنماط الحياة اليومية قد تعمل بشكل تلقائي. لذلك، لا تستطيع اختيار طريق معين للذهاب إلى العمل كل يوم، على الرغم من استطاعتك اختيار الحصول على وظيفة في توكسون بدلًا من تاكوما بحرية، مما يحد من النطاق الإجمالي لإمكانيات تنقلك. وقد تقوم بالتزامات أخلاقية بناءً على دراسة متأنية، ولكن هذا بدوره يقيد اختياراتك السلوكية اللاحقة، والتي تقوم بها بشكل تلقائي.

لن نحل لغز الإرادة الحرة هنا، فكل منا لديه أفكاره المختلفة حول هذه النظريات كلها، وتبقى مجرد أفكار. إنما السؤال المطروح هو ما هي أفضل السبل لتحسين سعادتك، على الرغم من وجود الشكوك هذه، والجواب هو اعتناق فكرة إرادتك الحرة في أفعالك وحياتك على الرغم من هذه الشكوك. وهذه إستراتيجية عملية، تشبه رهان بليز باسكال الشهير حول الإيمان: ""يجب أن تؤمن، لأنك إذا كنت على خطأ فإنك تخسر القليل، ولكن إذا كنت على حق (وعشت وفقًا لذلك)، فلديك الكثير لتكسبه"".

لقد أثبت علماء الاجتماع أن الإيمان بالإرادة الحرة يرتبط بالرضا عن الحياة، كما أظهرت الدراسات بين المراهقين والبالغين. ولا تعتمد هذه النتيجة على الثقافة، فهي تظهر في الثقافات الجماعية وكذلك في الثقافات الفردية. كما يمكن أن يؤثر هذا الاعتقاد على أي شخص، لأن الأشخاص الذين تبين أن إيمانهم بالإرادة الحرة أضعف في الدراسات البحثية لديهم احتمالية أكبر للعدائية والتوافق الاجتماعي، ولديهم قدرة أقل على ضبط النفس.

تؤثر التعليقات حول الإرادة الحرة على سلوكيات الناس تجاه الحياة، بغض النظر عن معتقداتهم الأساسية. ففي تجربة نُشرت في مجلة علم النفس الفلسفي عام 2016م، طلب العلماء من المشاركين قراءة أي من العبارات التي تؤكد على الإرادة الحرة، مثل ""أشعر بالندم عندما أتخذ قرارات سيئة لأنني أعلم أنني مسؤول في النهاية عن أفعالي""، أو العبارات التي تنكر وجود الإرادة الحرة، مثل ""السلوكيات كلها تتحدد من خلال نشاط الدماغ، والذي بدوره يتحدد من خلال مجموعة من العوامل البيئية والوراثية"". ووجد الباحثون أن بعد قراءة العبارات التي تؤكد الإرادة الحرة، وضع الناس أهدافًا ذات مغزى لأنفسهم، بينما لوحظ في دراسة موازية أن المشاركين افتقروا للمعنى في حياتهم بعد قراءة العبارات التي تنكر وجود الإرادة الحرة.

إذا كنت تؤمن بوجود الإرادة الحرة، فأنت محظوظ. يمكنك محاولة تأكيد هذا الاعتقاد عندما تبدأ كل يوم بإخبار نفسك: ""هذا يوم الاختيارات أن أحب أو أكره، أن أعطي أو آخذ، أن أتقدم أو أتخلف في حياتي. سأختار الأفضل كلما استطعت"". عندما تشعر بالضيق أو الغضب، تذكر أن مشاعرك قد تحدث لك، ولكن يمكنك التحكم في ردود أفعالك تجاه تلك المشاعر.

حتى لو لم تكن متأكدًا من أن الإرادة الحرة حقيقية، فلا يزال بإمكانك الاستفادة من التصرف كما لو كانت كذلك، كما تُظهر الأبحاث. ليس عليك أن تتجول طوال اليوم على أمل أن تتضافر ميولك البيئية والوراثية لتمنحك يومًا سعيدًا. على العكس من ذلك، استحضار أفكار الإرادة الحرة يمكن أن يلهمك للسيطرة على حياتك بطريقة إيجابية. إذا كنت تفكر بأكثر من طريقة، فقد يعني ذلك التركيز على أهدافك الرئيسية في الحياة، والتي تعتقد أنها حقًّا تحت سيطرتك.

وقد تتشابه الإستراتيجية التي أقترحها مع تلك التي أشار إليها تيد تشيانغ في قصته، إذ يتواصل الراوي مع القراء في المستقبل، باستخدام التقنية نفسها التي تجسدها لعبة ""Predictor"". وبالنظر إلى الآثار السلبية الناتجة عن إدراك الناس أن ليس لديهم إرادة حرة، يقول لهم: ""رسالتي إليكم هي: تظاهروا أن لديكم إرادة حرة"". باختصار: ""الحقيقة ليست مهمة: المهم هو إيمانكم"".

إذا تُوصِّل إلى حل فيما يتعلق بمشكلة العقل والجسد، لا أعتقد أننا نستطيع اتباع هذا الأسلوب. لكن المشكلة لم تُحَل، لذلك قد تكون قراراتك حقيقية ومهمة للغاية. في هذه الحالة، نصيحتي هي الاعتراف بعدم المعرفة، والاستسلام، وعدم المبالاة باللغز، واتخاذ قرارات إيجابية بشأن اليوم التالي.

آرثر بروكس كاتب مساهم في مجلة ذا أتلانتيك ومضيف بودكاست كيف تبني حياةً سعيدة (How to Build a Happy Life).

مقالات ذات صلة