القائمة الرئيسية

تينيت

تينيت
ملخص المقال

يتعمّق ستيفان بوليا في دوافع الشرّير الذي يريد تدمير العالَم (يحتوي المقال على معلوماتٍ تكشف حبكة الفيلم)

أكتوبر 14, 2024

ترجمة: جوزيف بوشرعة

«إذا أردت أن تعرف المستقبل، فانظر إلى الماضي» إنّها واحدةٌ من شعارات ألبرت أينشتاين الذي كان يقصد فيها كلامًا حتميًّا زائفًا «pseudo-deterministic»: المستقبل ثابتٌ مثل الماضي يُنظر إليه من منظورٍ معيّنٍ، بحيث نكرّر أفعالنا الماضية في المستقبل. ولكنْ إذا اتّخذنا منظورًا آخر فقد يكون الماضي «مفتوحًا» كالمستقبل تمامًا (أي غنيًّا بالاحتماليّات). يمكننا أن نحصل على «مستقبلٍ في الماضي»، حتّى لو انطلقنا من منظورٍ مجازيٍّ. يحثّنا كريستوفر نولن، كاتب ومخرج فيلم تينيت «Tenet» (2020) على التّوقّف عن التفكير «بمفاهيمَ أفقيّةً» «linear terms»، و«العودة إلى الماضي» حرفيًّا من أجل تغيير المستقبل.

يلعب جون ديفيد واشنطن بطل فيلم علم الخيال الحركيّ تينيت دور عميلٍ سرّيٍّ يحاول منع حدوث نهايةٍ نوويّةٍ للعالَم من خلال التّلاعب بجريان الوقت. ويلعب روبرت باتينسون دور شريكه نيل؛ أمّا كينيث برانا فهو عدوّه الأوليغارشيّ الرّوسيّ أندري سايتور؛ أمّا إليزابيث دبيكي فهي زوجته كات. في بداية الفيلم، عند حدوث هجومٍ إرهابيٍّ على دار أوبرا كييف، نلحظ رصاصًا «عكسيًّا» «inverted» يعود في الزّمن إلى الوراء. ينقذ البطل عسكريٌّ مقنّعٌ (والذي يُكشف لاحقًا أنّه نسخةٌ مستقبليّةٌ عن البطل نفسه) «يعكس إطلاق» الرصاص. تشرح عالمةٌ مبادئَ «الاعتلاج العكسيّ» «inverted entropy» للبطل ثمّ تصف الخطر الرّئيس في الفيلم: وهو سلاحٌ نوويٌّ عكسيٌّ صُنِعَ في المستقبل وأُعيد في الزّمن لتدمير الماضي. وبمساعدة نيل يتعقّب البطل الرّصاص العكسيّ إلى تاجر أسلحةٍ يعلّمه أنّ سايتور قد قام بصنعها. وللتّقرّب من المليونير الرّوسيّ يتقرّب بطل الفيلم من كات التي أجبرها زوجها أنْ تبقى قريبةً منه عبر ابتزازها بلوحةٍ مزوّرةٍ للرّسّام غويا. هذه قصّة الفيلم عمومًا ولن أكشفَ عن تفاصيل الحبكة كلّها، بل أودّ التّركيز على سايتور، كي أراجع دوافع عدميّة نوابغ الفيلم. وفقًا لأندري سايتور -الذي يتفوّق كينيث برانا بلعب شخصيّته الشرّيرة- فهو يرغب في أن يكون «إلهًا» عبر ربط «نهاية الأشياء كلّها» بهلاكه الخاصّ. إذ يحتضر من مرض سرطان المعدة، ويرغب أن يهلك العالَم معه. عندما سيموت ستثير ساعته الذكيّة صاعقًا في قنبلة نوويّة عكسيّةٍ تمحو البشريّة كلّها (وكي أكون دقيقًا كانت لتمحو البشريّة كلّها).

لاحظ أنّ سايتور يختبر وهم «نهاية العالَم» الفرويديّ «Freudian phantasm». وفيما ينزع المختلّ عقليًّا اهتماماتهم الشهواتيّة عن العالَم يصبح الكون تافهًا عنده. إذ يعيش تجربةً رؤيويّة بصفتها إسقاطًا لهذه الكارثة الدّاخليّة. وقد يتمّ التعبير عن تفكيره السحريّ بالآتي: «إن توقّفت عن حبّ العالَم، فسيموت حتمًا». يرغب سايتور أن يجعل هذا الأمر حدثًا واقعًا. يعتبر: «فلتدفن كراهيّتي المطلقة هذا العالم!» ولكن تتضمّن أنويّته العدميّة الضّخمة شيئًا أكبر من الكآبة.

كتب الفيلسوف الرّومانيّ التشاؤميّ إميل سيورن (1995-1911) في إحدى كتابات شبابه أنّ «الفرق بيني وبين الله هو أنّ الله يستطيع ما أشعر به». وعلى هذا النّحو، يطمح سايتور إلى استبدال التفكير بالفعل، بحيث يصبح ما يشعر أو يفكّر به شخصيًّا واقعًا كونيًّا. إذ يرغب في تجسيد الهويّة الإلهيّة ما بين الفعل والإمكان وكأنّه إلهٌ. وهنا يتشابه سايتور مع إمبراطور رومانيٍّ. ويمكن تشبيهه بكاليغولا في مسرحيّة ألبير كامو التي حمل عنوانها اسم الإمبراطور نفسه الذي لا يرغب في المستحيل فحسب بل «يجرؤ على متابعة تحقيق أفكاره» وصولًا إلى الهدف المنشود، حتّى وإن شمل هذا الهدف تدمير العالَم بأكمله. ولعلّنا نستشهد بكلام المؤرّخ سويتونيوس عن لسان كاليغولا كاشفًا فيه عن نزعته إلى ارتكاب الجريمة الكونيّة بالآتي: «أتمنّى لو كان للشّعب الرومانيّ عنقًا واحدًا».

كان شوبنهاور وسيورن مناهضَيْنِ للإنجاب «antinatalists»، فقد اعتبرا الوجود البشريّ خطيئةً. ويتجاوز سايتور موقفهما إلى حدّ الكفر، منتزعًا سلطان الله (وكما يحاجِج فرويد أنّ كلّ ابنٍ كمثل أوديبوس يتسلّى في تخيّل قتل والده). ويبرّر اتّخاذه خطوته بمنطق العدميّة: «كانت خطيئتي الكبرى في إنجاب ولدٍ في عالَمٍ علمت نهايته». «هل تعتقد أنّ الله سيغفر لي؟ عليه أن يتفهّم، لقد قتل بنيه». هذا يذكّرني بكتاب موريس بلانشوت عام 2004 في الماركيز دو ساد؛ إذ يرغب سايتور في أن يكون صاحب السّيادة المطلقة («وهو كائنٌ فريدٌ من بين الرّجال، وفعلًا هذه علامة السّيادة») أو ما يساوي المجرم المطلق. يتمّ التّعبير عن معاداة الإنسانويّة عند سايتور من خلال كراهية وازدراء البشريّة التي تبلغ أقصاها في مشروعه الهادف إلى إنهاء هذا «العرق الفاسد». وهذا ما يبرهن على انتمائه إلى مكانة شخصيّتَيْ سان فون وجوليات، وهما صاحبا السّيادة المجرمان في رواية دي ساد:

«ألا تحبّ البشر يا أميري؟» سألت جوليات.

«إنّني أحتقرهم. لا تمرّ لحظةٌ لا أتخيّل فيها أعنف الطّرق لإيذائهم. والحقّ أنّه لا يوجد عرقٌ أشدّ إثارةً للشّفقة منهم... كم هذا الإنسان منحطٌّ، وكم هو فاسدٌ، وكم هو مقرفٌ!».

ثمّ قاطعته جوليات قائلةً: «ولكن ألا تعتقد أنّك واحدٌ منهم؟ ألا تظنّ نفسك إنسانًا؟ كلّا، كلّا، فأنت عندما تسيطر عليهم بهذه القوّة فيستحيل عليك أن تكون واحدًا منهم».

«إنّها محقّةٌ»، قال سانت فوند، «أجل، إنّنا آلهةٌ».

(Juliette, 1797) 

وعلاوةً على ذلك، لا يمكن مقارنة سايتور بكاليغولا فحسب بل بنابوليون أيضًا بصفته رجلًا قادرًا على تغيير البنى السياسيّة والاجتماعيّة، أو بمعنى آخر قادرًا على تغيير تاريخ العالَم.

في قصيدته «الشوبنهاوريّة» عام 1874 التي حملت عنوان «إمبراطور وبروليتاريّ» يقابل الشّاعر الرّومانيّ ميهاي إيمينيسكو (1889-1850) بين شخصيتي نابوليون الأوّل ونابوليون الثالث في شخصيّة «الملك العظيم» وهو ضربٌ من «الإنسان الأعلى» الذي يتجاوز الخير والشرّ، الذي يوجّه التاريخ الكلّيّ بأفكاره وأفعاله:

«على ضفاف نهر السّين مستلقيًا في عربة المهرجان

يسير على مهلٍ الملك العظيمُ، غارقًا في تفكيره،

لا يهزّه تخبّط الأمواج، ولا تشتّت العجلات

ذهنه الشّارد متفكّر؛ قبل اقتراب قطاره

وقفت الجموع المتألّمة مضطربةً».

(Emperor & Proletarian, M. Eminescu)

وعلى النّهج الإمبرياليّ نفسه، يمكن تشبيه سايتور بالديكتاتور نيكولاي سوسيكو الذي لو بقي في الحكم لكان قضى على الرّومانيّين جميعهم جوعًا وحرمانًا من الدّفء، والطّاقة، والدّواء. إذ ذكر أحد مستشاريه السّابقين أنّ زوجة الديكتاتور إيلينا سوسيكو الشبيهة بالسيّدة ماكبيث، التي قالت عندما شاهدت طوابير الطّعام التي أذكرها من طفولتي: «أعجب بما وجده هؤلاء الفئران؟ ما الذي يصطفّون من أجله؟» إنّ اعتبار الآخر فأرًا أو صرصورًا كما فعل سايتور وسوسيكو بينما يعتبر أمثالهم أنفسهم أربابًا، فهذا عارضٌ جانبيٌّ عن عجز المرء على إدراك وتقبّل عيبٍ داخليّ مدمّرٍ، بحيث يُسقط ظلّه الجهنّميّ على الآخر، فيشيطنه. عندما يكره المرء الآخر ويعجز على إدراك أنّ هذا الازدراء هو تمويهٌ أو توجيهٌ مغلوطٌ نحو حربٍ مع ذاته.

وما يثير الاهتمام هو أنّ سايتور لا يعدّ نفسه قاتلًا مطلقًا، وهذا ما سيصبح عليه إن نجحت خطّته، إنّما يرى نفسه خالقًا: «إنّني لا [أدمّر العالم]. إنّني أخلق عالَمًا جديدًا. ففي مكان وزمانٍ معيّنٍ سيضغط شخصٌ من برجه العاجيّ زرّ التشغيل وسيتمّ افتعال وتجنّب نهاية العالم. يعكس الاعتلاج على النّحو نفسه الذي تبدّل فيه القطبان المغناطيسيّان 183 مرّةً على مرّ الألفيّة. أمّا الآن فالوقت نفسه يبدّل الاتجاه». وأودّ أن أشير أيضًا إلى أنّ نولن ليس جريئًا كما هو العدوّ في الفيلم، فهو يفضّل نهايةً سعيدةً. ولكن يمكننا المحاججة بأنّ العالَم الذي يسود فيه شعار «mors Omnia vincit» (يغلب الموت كلّ شيءٍ) ليست النّهايات السّعيدة سوى أكاذيبَ.

وعودةً إلى قصيدة إيمينسكو فمن المثير للاهتمام مراجعة ختامها. فبعد توصيف صورة الإمبراطور وقدرته على تغيير شكل تاريخ العالَم من خلال أفعاله (أو بحسب مصطلحات سايتور، قدرته على إعادة خلق العالَم، أي تدميره)، يدرك الشّاعر أنّه في حضور الموت لا تؤدي أفعال المرء إلى شيءٍ، وحتّى من ضمنها فعل تغيير مسار العالَم. فقد لا يكون الوجود أو الحياة سوى قناعٍ للموت، كما في فلسفة فيليب مينلاندر الذي اعتبر «إرادة الوجود» عند شوبنهاور إرادة موتٍ مقنّعةً. ومتأثّرًا بقراءة شوبنهاور للتّمييز الذي أقامه كانط بين «nihil privativum» (مثلًا، الظّلام بوصفه غياب النّور) وبين «nihil negativum» (العدم المطلَق) الذي يغلب في نهاية الأمر، كتب مينلاندر سنة 1876 في كتابه فلسفة التّوبة «The Philosophy of Redemption» أنّ «الحياة جحيمٌ، وسكون اللّيل العذب للموت المطلَق هو فناء الجحيم». فقد أدهش مينلاندر تصوّره الموت العالميّ: «لا شيء سيكون، لا شيء لا شيء لا شيء! يا لهذا التحديق في الفراغ المطلَق!». وفقًا لشوبنهور، ومينلاندر، وإيمينسكو إنّ قاتل الجموع «الإمبرياليّ» و«صاحب السّيادة» ملتحفٌ بعباءة الوهم وليس سوى ظلٍّ للموت العالميّ الذي يملك الكلمة الفصل في الأمور كلّها، تمامًا كمعظم الأحداث المشينة في تاريخ العالم.

وإنّ خلاصة إيمينسكو السّكينيّة «quietist» تنويريّةٌ في هذا الإطار:

«عندما تذكر أنّ المنيّة ستنهي هذا الحُلُم،

وأنّ لا شيءَ سيتغيّر بعد فراقك الحياة،

ستبدو لك هذه الرّغبة المناضلة في تصحيح العالم

جنونًا، وستسأم؛ لكنّك ستقرّ بصحّة أمرٍ واحدٍ:

وهو أنّ الحياة ليست سوى دربٍ نحو الموت اللّا متناهي».

حاز ستيفان بوليا على شهادتَيْ دكتوراه في الفلسفة والأدب من جامعة كلوج نابوكا «University of ClujNapoca» في رومانيا. إنّه رئيس تحرير مجلّة إيغوفوبيا «EgoPHobia» (www.egophobia.ro)، ومحرّر مجلّة أبوستروف «Apostrof».

مقالات ذات صلة