ترجمة: جوزيف بوشرعة
اعتقدت الفيلسوفة والرّوائيّة الإنكليزيّة أيريس مردوك (1919-1999) أنّ الحبَّ يساعدنا على لحظ شيءٍ من الواقع على الرَّغم من عدم قدرتنا على إدراكه؛ لأنّ الحبّ يُنذِرنا بالواقع على ما هو عليه مستقلًّا عن أَنَوِيّاتنا. أمّا كيف يقوم الحبُّ بذلك فهو لغزٌ، ولكنْ يبدو أنّنا ندرك أنّه يقوم به.
طرحت مردوك موقفها في الحبّ في عددٍ من المقالات في الفنّ والأخلاق نُشرت ما بين سنة 1959 و1969، والتي أُضيفت إليها مقالاتٌ أخرى وأُعيد نشرها معها في كتاب الوجوديّون والصّوفيّون «Existentialists and Mystics» (1997). وسأحاول اختصار موقفها، ومناقشة نقده في القسم الأخير.
شيءٌ آخر حقيقيّ غير الذّات
خلافًا لأفلاطون الذي ظنّ أنّ الفنّ يصرفنا عن الواقع، حاجَجَت مردوك في الجليل والحسن «The Sublime and the Good» (1959) أنّ الفنَّ ينبّهنا بما هو حقيقيٌّ، وذلك بفضل الحبّ:
«الفنّ والأخلاق هما، مع بعض التّحفّظات... واحدٌ. إنّ ماهيّتهما هي نفسها. الحبُّ هو الإدراك الحسّيّ عند الأفراد. الحبّ هو الإدراك المُضني أنّ شيئًا غير ذاتك هو حقيقيٌّ. الحبُّ ومِثْله الفنّ والأخلاق هو اكتشاف الواقع. ما يحثّنا على إدراك قَدَرنا المفرط الحساسيّة [أي أخلاقيّتنا] ليس غياب الشّكل في الطّبيعة، كما تصوّر كانط، إنّما خصوصيّتها التي لا يمكن التّعبير عنها؛ وأكثر الأمور خصوصيّةً وفرادةً هو ذهن الإنسان» (Existentialists and Mystics, p.215).
زعمت مردوك أنّ الفنّ، والأخلاق، والحبّ أمورٌ تتشارك الأعداء أنفسهم: العرف الاجتماعيّ والعُصاب «neurosis» (أظنّ أنّها تقصد بـ«العُصاب» هوس الذّات). ففي الحالة الأولى يغشى تأثير الأعراف الاجتماعيّة نظرتنا للواقع، بينما في الحالة الثّانية ما يغشى الواقع هو محاولاتنا في صهر «الآخر» في عالمٍ خياليٍّ أَنَويٍّ. نرتكب هذه الأخطاء في حياتنا الاجتماعيّة، ولكنّنا نراها تتكرّر أيضًا في تاريخ الفنّ، خذ مثلًا الفنّانين قبل بلوغ قمّة إبداعهم وبعد بلوغها. إنّ ماهيّة الفنّ هو الحبّ، ولكنّ هذا لا يعني أنّ الفنّ ينصحنا علنًا بالحبّ:
«طبعًا إنْ يكن الفنّ حبًّا فسيحسّننا الفنّ أخلاقيًّا، ولكنّ الأمر عرضيٌّ. فالمستوى الذي يقوم عليه الحبّ، وهو الفنّ، أعمق من المستوى الذي نتعمّد فيه تأخير التّحسّن. فعلًًا إنّها لَطبيعة الحبّ أنْ يكونَ أعمق من وعينا وأنْ يكون ببساطة أخلاقًا اجتماعيّةً، ومدمّرًا لهذه الأخلاق أحيانًا. لهذا السّبب الدّيكتاتوريّون ومن يسيرون على خطاهم... لم يفهموا الفنّ» (Existentialists and Mystics, p. 218).
تُستعمَل لفظة «الفنّ» في النّصّ للإشارة تحديدًا إلى الفنّ الحسن. إذ تتّفق مردوك على أنّ الدّيكتاتوريّين غالبًا ما ينزِعون إلى الفنّ السّيّئ.
أمّا في ما يخصّ علاقة الفنّ بالأخلاق، فالفنّان «شبيهٌ بالإله أكثر من الفاعل الأخلاقيّ» (Existentialists and Mystics, p. 219). ولا يعني هذا أنّ مردوك آمنت بوجود إلهٍ، فهي لم تكن مؤمنةً، بل ما قصدته أنّ الفنّان الشّبيه بالإله يُظهر لنا جزءًا من واقعٍ بعيدًا عن أَنَويّاتنا. وخير الفنون هو الذي يقوم بذلك على نحوٍ مقنعٍ تمامًا بحيث نفقد توازننا لحظةً، وذلك عندما يكشف لنا عمّا يوجد خارج همومنا الأَنَويّة. بينما «الحبّ الذي لا يكون فنًّا يقطن عالَم الممارسة، وهو العالَم الذي يسكنه النّقصان وغياب الشّكل، والذي ينبذه الفنّ، وحيث لا يستطيع الفهم المتلألئ أو المشاعر المؤثّرة والمعزّية أن تصحب الفعل دائمًا» (Existentialists and Mystics, p. 220). إنّ عالم الممارسة فوضويٌّ بحيث لا يمكن التّعبير عنه فنّيًّا على نحوٍ كاملٍ أبدًا. ولكنّ الحبّ هو سمة الاثنين.
إغراء الحبّ وخطورته
وضعت مردوك نفسها في خطّ الجماليّات الكانطيّة في مقالها «الجليل والجميل مُراجعينِ» «The Sublime and the Beautiful Revisited» (1959). اعتقد إيمانويل كانط (1724-1804) أنّنا نختبر الجليل (بوصفه مميّزًا عن الجميل) عندما ندرك العالَم بصفته خارجًا عن اهتماماتنا إدراكًا مليئًا بالدَّهشة والرّهبّة أحيانًا. والمثل الذي طرحه كانط هو مثل المتنزّه في جبال الألب الذي يختبر في شكل الجليل خليطًا من الرّعب واللّذّة، وكذلك يختبر كبرياءً عاصيًا فيما يتدرّج إدراكه لوضعه المنعزل وعقلانيّته القويّة. أمّا عند مردوك فالمتنزّه يلاحظ النّاس الآخرين. إذ تُحاجِج أنّنا نتنبّه إلى الخاصّ عندما نعي العالم بوصفه خارجًا عن اهتماماتنا؛ فالمتنزّه عندها يراقب أشخاصًا آخرين ويختبر «الأمر العاديّ بسبب اللا أدريّة غير الأنانيّة التي تصحب التّسامح. أنْ تفهمَ الآخرين مهمّةٌ لا نهايةَ لها» (Existentialists and Mystics, p. 283).
تُحاجِج مردوك أنّ هذا الاحترام المتواضع لاستقلاليّة الآخرين محوريٌّ في الإبداع الفنّيّ والأخلاق. ربّما اعتدنا على اعتبار هذه الفكرة متحاملةً على الأخلاق. ونَأْلَفُ في الفنّ فكرة أنّ الكتّاب والرّسّامينَ يجب أنْ يتشاعروا مع شخصيّاتهم. ولا تُسقط مردوك الحاجة إلى التّشاعر إنّما تظنّ (انطلاقًا من تجربتها كروائيّةٍ) أنّه مهمٌّ للشّخصيّات الخياليّة رؤيتها من بعيدٍ؛ أي إذا ما جاز التّعبير أنْ تُترك حرّةً، وأنْ ترتكبَ أخطاءها بنفسها، وذلك في أثناء محاولتها فهم واقع بعضها البعض. كما تُحاجِج أنّه عندما نُخفِق في احترام استقلاليّة الآخر في الفنّ والحياة فيعود السّبب إلى أنّ العرف أو الهوس الذّاتيّ قد أعاقنا. وعلى أيّة حالٍ قد يظهر في الحالتَيْنِ توصيفٌ نمطيٌّ أو إيجازٌ متسرّعٌ: «الشّكل هو إغراء الحبّ وخطورته... أنْ تلملمَ الوضع، وأنْ تختصرَ الشّخصيّة. ولكنْ يكمن الفرق في أنّه يجب على الفنّ امتلاك شكلٍ بينما لا يتوجّب ذلك على الحياة» (Existentialists and Mystics, p. 285).
فكونوا كاملينَ
لقد أشارت أيريس مردوك في «فكرة الكمال» «The Idea of Perfection» (1962) إلى أنّنا نَنزِع في فلسفة الأخلاق إلى نسيان «واقعة كون الحيّاة غير المتفحّصة فاضلةً وواقعة كون الحبّ مفهومًا محوريًّا في الأخلاق» (Existentialists and Mystics, p. 299). ولا بدّ أن نتذكّرَ أنّ العالَم الأخلاقيّ هو في أساسه معنيٌّ بفهم الآخرين، وتاليًا يشغر الحبّ مركزه؛ لأنّ «الحبّ معرفة الفرد».
ولكنّنا لا نستطيع أبدًا ادّعاء فهمنا التّامّ للآخر. لذا تأوّل كلام يسوع «فكونوا كاملين» (متّى 5:48) على أنّه نصيحةٌ تفيد وجوب التّنبّه لما يكون فرديًّا، ومخصوصًا، وعرضيًّا، حتّى لو كان الفهم الكامل أمرًا مستحيلًا.
وعمومًا تتمنّى مردوك في الفلسفة الأخلاقيّة انعطافًا من التّركيز على الفعل إلى التّركيز على التّنبّه: «كي نعبّر عن فكرة نظرةٍ عادلةٍ ومحبّةٍ لواقعٍ فردٍ أعتقد أنّه سِمَة وعلامة العامل الأخلاقيّ النّاشط» (Existentialists and Mystics, p. 327). لأنّ الحياة الأخلاقيّة «ليست شيئًا يخرج عن الخدمة عند الخيارات الأخلاقيّة المعلَنة» (Existentialists and Mystics, p. 329). لكنّها لا تنفي أهمّيّة التّفكّر الفلسفيّ واتّخاذ الفعل الأخلاقيّ الصّحيح، بل تُحاجِج أنّ طبيعة الخير تُفهم خطأً عندما تُهمِل الفلسفة الأخلاقيّة عين الحبّ الصّابرة.
انعكاس حرارة ونور الشّمس
وتسهب مردوك الكلام في عين الحبّ الصّابرة في مقال «سلطان الخير على المفاهيم الأخرى» «The Sovereignty of Good over other Concepts» (1967):
«إنّ التّمتّع بالزّهور والحيوانات لَأمرٌ جيّدٌ بحيث يتفاجأ أولئك النّاس الذين يجلبون إلى منازلهم نباتات الأصص ويراقبون الصّقور بفكرة ارتباط هذه الأشياء بالفضيلة» (Existentialists and Mystics, p. 370).
وتشير مردوك إلى وجود عددٍ لا متناهٍ من المؤشّرات نحو الخير يمكن لحظها متى اخترنا وضع أَنَويّاتنا جانبًا، ولكنّ الخيرَ نفسه يبقى عسيرًا عن التّعريف. وقد حاول الفلاسفة ربط الخير بالحرّيّة، والعقل، والسّعادة، والشّجاعة، والتّاريخ... ولكنْ «يبدو أنّهم صوّروا في كلّ حالةٍ إعجاب الفيلسوف المخصوص بجانبٍ واحدٍ من السّلوك البشريّ الذي لا يمثّل الامتياز كلّه ويكون مريبًا في ذاته» (Existentialists and Mystics, p. 384). أمّا في ما يخصّ علاقة الخير بالحبّ:
«طبعًا لدى الخير سلطانٌ على الحبّ، مثلما يسود الخير على المفاهيم الأخرى لأنّ الحبّ يمكنه تسمية الشّيء سيّئًا. ولكن ألا يوجد شيءٌ في مفهوم حبٍّ متجدّدٍ يتطابق عمليًّا مع الخير؟ ألا تعني جملة «يعمل بمحبّةٍ» «يعمل بكمالٍ»، بينما لا تعني جملة «يعمل بعقلانيّةٍ» ذلك؟ إنّ التّعبير على هذا النّحو لأمرٌ مغرٍ» (Existentialists and Mystics, p. 384).
تقول أيريس موردوك: إنّنا نستطيع أن نحبّ ما يكون سيّئًا بحيث لا يمكن الاعتماد دائمًا على الحبّ لكنّنا نعي أنّ نزعته الطّبيعيّة هي باتّجاه الخير:
«إنّ الحبّ هو التّسمية العامّة التي تطلق على صفة الارتباط وتكون قادرةً على انحطاطٍ لا متناهٍ وهي مصدر أكبر زلاّتنا؛ ولكن حينما تجدّد جزئيًّا تصبح طاقة الرّوح وانفعالها في سعيها للخير، أي تكون القوّة التي تجمعنا بالخير وبالعالم عبر الخير. إنّ وجودها لَإشارةٌ واضحة بأنّنا مخلوقاتٌ روحيّةٌ يجذبها الامتياز وقد صُنعت للخير. إنّها انعكاس حرارة ونور الشّمس» (Existentialists and Mystics, p. 384).
المجازفة في الحبّ
طرحت مردوك في مقالتها «في الله والخير» «on ‘God’ and ‘Good’» (1969) السّؤال الآتي: «كيف نحسّن أنفسنا أخلاقيًّا؟» وكانت إجابتها أنّه ينبغي علينا أوّلًا إدراك أنّ «العدوّ هو الأنا المتعنّتة» (Existentialists and Mystics, p. 342). عندما يقوم تركيزنا على الفعل حصرًا يتمّ التغاضي أو الاستخفاف بهذا العدوّ. وعوضًا عن ذلك، «نحتاج فلسفةً يكون فيها مفهوم الحبّ الذي قلّما يذكره الفلاسفة المعاصرون متوسّطًا محور النّقاش» (Existentialists and Mystics, p. 337). كذلك ينبغي علينا التنبّه إلى علم النّفس لأنّه يكشف قوّة الأنا. وزد على ذلك أنّه ينبغي ألاّ ننسى أنّ الدّين قد طوّر طريقةً مميّزةً لإعادة توجيه الاهتمام العاديّ للأنا، ألَا وهي الصّلاة:
«ليست الصّلاة إعلانًا إنّما تنبّهٌ لله الذي هو شكلٌ من أشكال الحبّ. وتصحبها فكرة النّعمة وهي عونٌ خارقٌ للطّبيعة للمسعى البشريّ بحيث يتغلّب على الحدود التجريبيّة في شخصيّة الإنسان. فما هذا التّنبّه وهل يستطيع غير المتديّنين الاستفادة من هذا النّشاط؟» (Existentialists and Mystics, p. 344).
يستطيع غير المؤمنين الاستفادة من هذه الطّريقة. ولعلّهم مألوفون عليها أكثر ممّا يظنّون:
«خذ مثلًا كونك عاشقًا. كذلك تصوّر محاولتك التأكّد في أنّك عاشقٌ؛ إذ ستحتاج في هذه الحالة إلى شيءٍ آخر لكي تهتمّ به، «فالإرادة المحضة» لا يمكنها تحقيق المستحيل عند أحاسيس الحبّ الجنسيّ القويّة، أو عن الكراهية، أو الازدراء، أو الغيرة. فلا جدوى من إقناع نفسك: توقّف عن الحبّ، توقّف عن الشّعور بالازدراء، كن عادلًا. ما تحتاج إليه هو إعادة توجيهٍ، وهو ما سيعطيك طاقةً مختلفةً من مصدرٍ مختلفٍ... والتوقّف عن الحبّ إراديًّا لا ينمّ عن الإرادة بل يتمّ عبر التوصّل إلى أشياء جديدةٍ للتنبّه لها، وتاليًا التوصّل إلى طاقاتٍ جديدةٍ بصفتها نتاج إعادة التّركيز» (Existentialists and Mystics, p. 345).
وفقًا لمردوك، إنّ تقديرنا للعالم يشبه تقديرنا للخير، أي أنّه تمرينٌ روحيٌّ، لا في معناه الماورائيّ إنّما بمعنى تخطّي الأنا بحيث ندرك أنّ العالم موجودٌ بغضّ النّظر عن إدراكنا الحسّيّ له. «لا تبدو فكرة رجلٍ طيّبٍ يعيش في عالم أحلامٍ خاصٍّ مقبولةً» (Existentialists and Mystics, p. 347).
وتشير مردوك إلى أنّ نظرتنا وإنجازاتنا في الأخلاق والفنّ هي ناقصةٌ حتمًا، ولكن ما نسعى إليه وما نعتبره حقيقيًّا ليس كذلك:
«تحرّكنا فكرة الكمال ولعلّها تغيّرنا (بصفتنا فنّانين، وعمّالًا، وفاعلين)؛ لأنّها تثير الحبّ في الجزء الذي يستحقّه فينا. لا المرء أن يشعر حبًّا مريبًا تجاه معيارٍ أخلاقيٍّ مبهمٍ أكثر ممّا يشعر به تجاه عملٍ فنّيٍّ عاديٍّ» (Existentialists and Mystics, p. 350).
عندما نحبّ نضع نشاطات الأنا العاديّة جانبًا كي نلقي نظرةً إلى الواقع: «في حالة الفنّ والطّبيعة يكافأ هذا التّنبّه بالتمتّع بالجمال مباشرةً. أمّا في حالة الأخلاق فلا مكان لفكرة المكافأة، على الرّغم من وجود بعض المكافآت أحيانًا» (Existentialists and Mystics, p. 354). ولكن، في كلا الحالتين يكون «الحقيقيّ هو الموضوع المناسب للحبّ» (Existentialists and Mystics, p. 355). ولكن، واأسفاه قلّما نتخطّى الأنا المتملّكة:
«عادةً ما يكون الحبّ البشريّ تملّكيًّا وآليًّا أيضًا كي يكون موضع رؤيةٍ. وثمّة مفارقةٌ حول طبيعة الحبّ نفسه، وهي أنّ أعلى حبٍّ يكون موضوعيًّا وهو أمرٌ باستطاعتنا لحظه في الفنّ، ولكنّني لا أظنّ أنّه واضحٌ إلاّ إذا رأيناه متقطّعًا في علاقات البشر» (Existentialists and Mystics, p. 361).
وتجدر الإشارة إلى أنّ مردوك تقرّ بأنّ الحبَّ غير المتملّك «unpossessive love» يمكن العثور عليه أحيانًا في علاقات البشر، مثلًا، في حبّ الأهل لولدهم.
إذن كيف يمكننا معرفة أنّ الحبّ قد وضعنا على المسار الصحيح؟ أظنّ أن مردوك كانت لتقول بأنّنا نستطيع إلى حدٍّ معيّنٍ الاعتماد على التّجربة، ولكن علينا أن نجازف في نهاية الأمر. وكما قال المخرج السينمائيّ بنيبيكر: «كأنّك تقامر في فيغاس، إذ تفترض أنّك ستكون محظوظًا أو لن تقوم بها إطلاقًا». كان يتكلّم حول إخراج الأفلام ولكنْ ينطبق كلامه أيضًا على سعينا للحبّ.
نقدٌ موجزٌ
قد تكون تصوّرات مردوك للحبّ والفنّ جذّابةً ولكن هل هي أهلًا للثّقة؟ أتقودنا عبر بوّابات عاجٍ أم عبر بوّابات قرنٍ ملمّعٍ؟
تنتقد المؤلّفة تركيز جون بول سارتر على كون المرء محبوبًا مقابل كونه مُحبًّا، ولكنّها تسقط في المكيدة المعارضة؛ لأنّ تركيزها محصورٌ تقريبًا بكونه مُحبًّا مقابل كونه محبوبًا. وقد يؤدّي هذا التّركيز المحصور إلى اعتبار الحبّ مسعًى مستمرًّا. لحسن الحظّ يمكن أن يكون أحد مظاهر كون المرء محبوبًا بتقبّل عيوبه. ففي العلاقة المُحبّة نرتاح لتقبّل كوننا ناقصين أحيانًا. ولكن هذا لا يقلّل من شأن مزاعم مردوك في الحبّ على الرّغم من تشديدها على مسألة كون المرء مُحبًّا مقابل مسألة كونه محبوبًا.
أمّا النّقد الثّاني فهو ضبابيّة العلاقة القائمة بين التنبّه والفعل. هل التنبّه المتأنّي إلى شخصٍ أو شيءٍ ليس سوى شرطٍ ضروريٍّ للفعل الحسن أم أنّه يتعدّى ذلك؟ ليس لديّ جوابًا على هذا السّؤال. ولا أظنّ أنّ مردوك زعمت أنّها قد حسمت هذه المشكلة على نحوٍ قاطعٍ. ولكن، يفيد موقفها إلى أنّه ثَمّة شيءٌ أكثر في الحياة الأخلاقيّة من اتّخاذ قراراتٍ.
وثمّة نقدٌ ثالثٌ، ولعلّه النّقد الأعمق: كتبت أيريس مردوك بحبٍّ حول الحبّ، فلا مشكلة لديها في كونها تنقض ذاتها في هذا الإطار. ولكن يمكن الاعتراض على أنّ مزاعمها لا تملك أساساتٍ فلسفيّةً محكمةً، لذا لا تقدّم لنا سوى آراءَ في الحبّ.
وكي نجيب نيابةً عنها: سأحاجِج أنّها مؤهّلةٌ لمناقشة الحبّ لأنّها لا تناقشه انطلاقًا من أساسٍ فلسفيٍّ مسبقٍ! اذكر قولها: إنّ «الحبّ هو الإدراك الصّعب أنّ شيئًا غيرنا حقيقيٌّ.» ولا يجد معظم النّاس ومن بينهم أفلاطون هذا الإدراك صعبٌ. لكنّ مردوك وجدته كذلك، وما تقترحه يفيد بأنَّ التّفكّر الفلسفيّ وحده قد يعجز عن إثبات شيءٍ حقيقيٍّ غيرنا. وقد يعود الأمر إلى هذا السّبب في كونها مؤهّلةً لإلقاء نظرةٍ جديدةٍ على الحبّ.
© DR STEPHEN LEACH 2022
ستيفن ليتش هو زميلٌ فخريٌّ في قسم الفلسفة في جامعة كيل «» ومحرّرٌ تعاون مع جايمس ترتاغليا في تحرير كتاب معنى الحياة وعظماء الفلاسفة «The Meaning of Life and the great philosophers» (Routledge, 2018).
