ترجمة: جوزيف بوشرعة.
تناقشنا أنا وليزلي كلوز في الأسبوع الفائت، وفي احتفال هاي في ويلز، مع أسقف أوكسفورد السّابق ريتشارد هاريز محاسن مشروع القانون الذي اقترحه اللورد فالكونر حول «المساعدة على الموت» «Assisted Dying Bill» ومساوئه. فقد شاركت ليزلي أوّلًا في تحرير كتاب: ""المساعدة على الموت. من يتّخذ القرار الأخير؟ الدّفاع عن الخيار الأعظم في نهاية الحياة"" «Assisted Dying – Who Makes The Final Decision? The Case For Greater Choice at the End of Life » (2014م)، وهو جزءٌ من حملتها الطّويلة لتغيير القانون البريطانيّ، وذلك إيفاءً للعهد الذي أخذته على أخيها جون الذي رافقته في سفره الأخير إلى عيادة ديغنيتاس في سويسرا.
كان جون يعاني من مرض الخليّة العصبيّة المحرّكة. فقد اكتفى عيشًا أمضاه مشلولًا عاجزًا عن الكلام والبلع. وكونه شخصًا راشدًا سليمًا عقليًّا في آخر مراحل مرضٍ تعجز العناية التّسكينيّة «palliative care» عن تخفيف عوارضه إذ لم نستطع مساعدته على الموت في منزله رغم رغبته الواضحة والعازمة على ذلك، فهو أمرٌ قد يبدو شديد الغرابة، إن لم نقل بربريًّا. ولكنْ لو حاولت ليزلي مساعدته على الموت في المملكة المتّحدة فكانت لتواجه حكمًا محتملًا في السّجن أربع عشرة سنة.
وبرزت في السّنوات التي تلت موت جون كلوز محاولتان لإدخال مشروع قانون يشرّع المساعدة على الموت في المملكة المتّحدة، وقاد المحاولتين اللّورد جوف، وهو محامٍ مرافع عمل محاميَ دفاع نيلسون مانديلا في ستّينيات القرن الماضي، وهذه إحدى أعماله المميّزة. وقد سقطت كلا العريضتين اللّتين قدّمهما جوف، وآخرهما سنة 2006م. أمّا ما حسم هذا الإسقاط الأخير فكانت أصوات الأساقفة المعارضين المجهولين.
وهذا ما يعود بي إلى احتفال هاي، فقد أتت مرحلة تصويت الجمهور بعد النّقاش، وكسبت أنا وليزلي الرّأي العام لصالح مشروع قانون اللورد فالكونر، وذلك بفارق أربعة أصواتٍ من أصل 250 (وهذا ليس خطأ مطبعيًّا). وهذه النتيجة أكثر اهتمامًا من 80% تقريبًا من عامّة سكّان المملكة المتّحدة، و79% من ذوي الاحتياجات الخاصّة، و62% من المنتمين إلى جماعاتٍ دينيّة ممّن دعموا المساعدة على الموت.
ولكنّ الفوز كان فارغًا، فالسّلطة التي مارستها أنا وليزلي وأعضاء الجمهور لا تقارن بسلطة منصب اللورد اللّطيف وغير المنتخب. ومتى يتعلّق الأمر بمشروع قانون فولكونور، فسيكون لدى اللّورد هاريز صوت أساس في مجلس اللوردات، خلافًا لأيّ شخصٍ في القاعة، وأنا أكتب هذا المقال سيتمّ مناقشة مشروع القانون في ذلك المجلس في الثّامن عشر من يوليو، وهو ما سيحدّد إدخاله في قانون المملكة المتّحدة. وقد دفعني هذا المثال الرّائع على ثغرة الديمقراطيّة إلى مراجعة ذاتي ما إذا كنت شخصًا معتدلًا جدًّا. فالمساعدة على الموت مسألةٌ تمسّنا جميعنا.
الحجج المؤيّدة للمساعدة على الموت
لا أملك مجالاً متّسعًا لمراجعة الحجج التي تدعم قانونًا يجيز المساعدة على الموت، لا سيما تقديم حجّةٍ تحتوي على التّفاصيل الدّقيقة التي نجدها في مشروع قانون فالكونر. ولكنّي سأغتنم الفرصة لعرض بعضها؛ لأنّ خطورة الوضع الحالي وقساوته أمرٌ لا يُطاق، وأنّ معارضة أكثر رجال الدّين (كمثل الأسقف السّابق) يعدّ دليلًا محتملًا على التّأثير السّيء للأديان، حتّى لو كان الدّين معتدلًا كالأنغليكانيّة.
يمكن اختصار جوهر الدّفاع عن المساعدة على الموت بالآتي: الرّأفة، والخيار، والأمانة. يفتقر قانون المملكة المتّحدة الآن للرّأفة بالمحتضرين الذين يعانون آلامًا لا تُحتمَل، ولا يمكن أنْ تقللها العناية التّسكينيّة. ايدوس القانون أيضًا فوق الخيار الذي يتّخذه بعض المحتضرين. وليس القانون في هذه اللّحظة آمنًا؛ لأنّه يتجاهل محاولات الإسراع في موت هؤلاء المرضى. وليس هذا الأمر مرفوضًا أخلاقيًّا فحسب، بل إنّه يناقض أقدم قيم مهنة الطّب التي مارستها نحو أربعينَ سنةً.
ولكن ما يدعو للتّأسّف هو نجاح انتظام المعارضة المؤلّفة من بضعة أفرادٍ يعتقدون أنّ إيمانهم الدّينيّ يفرض عليهم محاربة لبرلة القانون «liberalization of the law»، وإن اضطرّ بهم الأمر إلى تحوير الحقائق. أكثر المنظّمات تأثيرًا ونشاطًا منظّمةُ العناية لا الموت «Care Not Killing» (CNK) التي يرأسها بيتر سوندرز. ولكنْ نظرًا إلى التّأثير المحدود للحجج اللَّاهوتية في المجتمع العلمانيّ تلجأ المنظّمات الشّبيهة بـ(CNK) إلى التّهويل، حيث تؤكّد أنّه سيكون لمشروع القانون تأثير خطير على المجتمع عمومًا والمرضى خصوصًا، رغم وفرة الأدلّة التي تثبت عكس ذلك من الاختصاصات القضائيّة الأخرى؛ إذ يكثرون من اعتمادهم على حجّة «الانزلاق الخطير» للأمور، حيث يزعمون فيها أنّ القانون الذي يجيز المساعدة على الموت سيمهّد للمساعدة على الانتحار عمومًا، فيشمل المصابين بإعاقةٍ مزمنةٍ لا الأمراض المستعصية، أو يشمل المراهقين المكتئبين. ويحاججون أنّ القتل الرّحيم سيكون متاحًا أمام طلب الجميع عاجلًا أو آجلًا. وسينتهي الأمر «بقتل» الضّعفاء دون سماع رأيهم؛ لأنّهم يعانون عبئًا ثقيلًا.
نقضت التّجربة في ولاية أوريغون الأميركيّة هذه المزاعم الخبيثة، حيث أجاز قانونٌ شبيهٌ بمشروع قانون اللّورد فالكونر، ومشروع القانون يحتوي على ضماناتٍ أكثر من هذا القانون؛ فلم ينزلق في هذا المنحدر الخطر. إنّ نسبة الوَفَيّات التي تمّت المساعدة عليها ارتفعت نحو 0.2%، حيث انحدرت قليلًا مؤخّرًا، (ورغم ذلك يناقش المرضى احتمال أخذهم لهذه الخطوة مع أطبّائهم نحو عشر مرّاتٍ، ويرتاحون ارتياحًا كبيرًا لهذا الأمر)، وليس ثمّة رغبةٌ عامّةٌ في توسيع القانون ليتجاوز إطار المساعدة على الموت. وقد ساهمت هذه التّجارب المطمئنة في تشريع قوانين مشابهةٍ في ولايتَي واشنطن وفيرمونت. أضف إلى ذلك أنّ جمعيّة أوريغون هوسبس «Oregon Hospice Association» التي عارضت المساعدة على الموت في البداية لم تجد «أدلّةً تشير إلى أنّ المساعدة على الموت قد قوّضت عناية الشيخوخة في ولاية أوريغون، أو أضرّت بالفئات الضّعيفة»، فانتقلت هذه الجمعيّة إلى موضع دفاعٍ ودعمٍ لهذا القانون.
إنّ إبداع معارضي المساعدة على الموت في تلفيق الأخبار لا يتعدّاه شيءٌ سوى رغبتهم في تحوير الحقائق، وهذه بضعة أمثلةٍ على ذلك :
- مساعدة المريض على الموت تخالف الأخلاق الطبيّة والمهنيّة. (كلَّا لا تخالف).
- الحاجة إلى تشخيص حالة المريض الذي لا يملك سوى ستّة أشهرٍ أو أقلّ من أمد حياته لتحديد ما إذا كان مصابًا بمرضٍ مستعصٍ، وهذا ما يثير مشكلاتٍ يتعذر حلّها. (ليس هذا صحيحًا)
- ستحدث أخطاء رهيبةٌ لا يمكن التراجع عنها. (عادةً ما يكون احتمال حدوث الأخطاء في عناية نهاية الحياة ضئيلًا)
- إنّ إتاحة المساعدة على الموت سيحول دون إجراء تقدّمٍ في مجال العناية التّسكينيّة. (الصّحيح العكس)
- سيستحيل تقييم السّلامة الذهنيّة للمرضى الّذين يرغبون في المساعدة على الموت. (نستطيع توفير السّلامة الذّهنيّة في الطّبّ، ولا استثناء في حالة المريض المحتضر)
- ليس ثمّ ما يضمن حياة المرضى الذين يرغبون في المساعدة على الموت بسبب معاناتهم من كآبةٍ يمكن معالجتها. (ليس هذا صحيحًا)
- ستهدم لبرلة القانون جسر الثّقة القائم بين الأطبّاء والمرضى وبين مهنة الطّبابة والمجتمع. (ليس هذا صحيحًا)
- إنّ مشروع القانون الرّحيم الذي قدّمه اللورد فالكونر يقوّض قيمة الحياة الإنسانيّة. (الصّحيح العكس)
وقد لجأ بعض الخصوم اليائسين إلى زعم ألَّا حاجةَ للمساعدة على الموت؛ لأنّ العناية التّسكينيّة الجيّدة تستطيع معالجة الأعراض كلّها. أمّا الدّراسات الصّادرة مؤخّرًا فأكّدت عكس ذلك، وهو ما يقرّ به الأطبّاء الصّادقون جميعهم. ووفقًا لوحدة التّحرّيات الاقتصاديّة «Economist Intelligence Unit» تتصدّر المملكة المتّحدة قائمة نوعيّة الوفاة في العالم. ووجدت مديريّة الصّحّة في استطلاعها أنّ واحدًا من خمسينِ مريضًا في مستشفى الحالات النّهائيّة (حيث يتلقّون أفضل عنايةٍ)، عانى أوجاعًا لا يمكن معالجتها بالمسكّنات في الأشهر الثّلاثة الأخيرة من حياته. إنّ آن ماكفيرسون -وهي سلفي على منصب رئاسة متخصّصي الرّعاية الصّحيّة للمساعدة على الموت «Chair of Healthcare Professionals for Assisted Dying»- قد عانت من سرطان البنكرياس مدّة ثلاث سنواتٍ، إلى أنْ اكتفت أخيرًا. ورغم حصولها على العناية التّسكينيّة، فقد احتملت جحيمًا لا يوصف، حتى تمنّت الموت في الأسابيع الثّلاثة الأخيرة من حياتها.
نحن الذين نناصر المساعدة على الموت قد ناقشنا هذا الموضوع في جوانبه كلّها، لكنّ الأخبار الملفّقة والحجج الباطلة ما فتئت تظهر مرارًا؛ لأنّ الحوار العقلانيّ والمعطيات التّجريبيّة تقف عاجزةً أمام تغيير أذهان من يظنّون أنّ آراءهم تنبع من سلطانٍ عالٍ، أي: اللّه؛ إذ لجأ بعضهم إلى الزّعم بأنّ الألمَ مفيدٌ لنا، وهو رسالة آلام المسيح عند صلبه، لكنّني أشكّ بأنّ هؤلاء المرضى سيحتملون آلام الآخرين بشجاعةٍ أكثر من احتمالهم آلامهم.
القوى الدنيويّة.
عرضت في مقالةٍ سابقةٍ: ""لماذا أنا ملحدٌ؟"" العدد 73، السّجلَّ التّاريخيَّ للأديان، أي: سلوك المتديّنين والمؤسّسات الدّينيّة، واستخدمته حجّةً ضدّ العقيدة الميتافيزيقيّة التي تفيد أنّ اللّه خلق العالمَ. وأشرت فيها إلى أنّنا لا نستطيع قراءة التّاريخَ مرّتين، أي مرّةً مع حضور الدّين فيه، ومرّةً أخرى دون حضوره، وذلك لتبيين ما إذا أحدث الدّين خيرًا أم شرًّا على تاريخ البشريّة. ولكنّ بعض تأثيراته على الحياة المعاصرة مستهجنةٌ حتمًا. ولكي نتحرّر من فكرة أنّ الدّين مسالمٌ يكفينا إلقاء نظرةٍ على المجتمعات الخاضعة للأنظمة الثّيوقراطيّة، حيث يحكم رجال دينٍ ملتحون من مختلف المعتقدات الدّينيّة بقمع النساء، فيحرمونهنّ من حقوقهنّ وحرّيّاتهنّ وفرصهنّ في الحياة والصّحّة الإنجابيّة والمتعة الجنسيّة، ويواجه المرتدّون عن الدّين والمثليّون والمتّهمون بالزّنى حكم الإعدام فيها.
وصرّح ديفيد كاميرون مؤخّرًا أنّ بريطانيا بلدٌ مسيحيٌّ، وأنّ قيم سياساته تقوم على القيم المسيحيّة، وذلك بهدف استمالة الأصوات النّاخبة التي خُيِّل له أنّها لم تلحظ ركوعه مصلّيًا للأصوات. فمن لم يرق له موقف كاميرون الحاقد من الفقراء وتملّقه للأثرياء، إن كان ليفخر في رفض مشاركته قيم الأخير. ولعلّ الكثيرين سيتمنّون أيضًا أن لو كان كلام كاميرون حول إيمانه المسيحيّ صادقًا على حدّ تعبير أسقف كانتربري السّابق رون وليامز ردًّا على البلبلة التي تلت تصريحه بأنّ بريطانيا باتت بلدًا ما بعد مسيحيّ «post-Christian Country». وحتّى إنّنا نتمنّى -لو صحّ- أنْ يكون هذا البلد بلدًا ما بعد متّديّنٍ «post-religious country».
و ليس الأمر كذلك بكلّ أسفٍ، فثمّة كنيسةٌ من المؤسّسات، وترأسها الملكة، وتمسّ الكنيسة جوانبَ عدّةً من حياة المواطن. إنّ عدد المقاعد التي يشغلها الأساقفة في أحد المجلسين التّشريعيّين في المملكة المتّحدة -أي: مجلس اللّوردات- هو تجسيدٌ مقلقٌ لهذه الهيمنة. فالتّأثير الواضح للإكليروس الذين يتصرّفون كأنّهم أمناء الأفكار والسّلوك التي طواها الزّمن، تأثيرٌ مغيظٌ. لذا فإنّني محظوظٌ لمشاركتي أرضيّة النّقاش مع شخصيّاتٍ متنوّرةٍ في الكنيسة كالقانونيّة المحترمة روزي هاربر، وهي شخصٌ لائقٌ ومناصرٌ للمساعدة على الموت.
وإذا حاول الأساقفة مناشدة الحزب الحاكم لإسقاط مشروع قانون اللّورد فالكونر، فلن يعود تأثيرهم مغيظًا فحسب. إنّ تجاهلك معاناة المحتضرين تلبيةً لعقيدة تلفظ بذاتها أنفاسها الأخيرة لهو مفارقةٌ مريرةٌ. يجب أنْ تدفع هذه الفضيحة الخبراء الدّستوريّين وفلاسفة السّياسة إلى مراجعة الوضع القائم مراجعةً دقيقةً.
© PROF. RAYMOND TALLIS 2014
كتاب رايموند تاليس الجديد: ""تخيّلاتٌ إبيمثيوسيّة"" «Epimethean Imaginings» الصّادر عن منشورات أكومن.
