القائمة الرئيسية

انتحار القدوة

انتحار القدوة
ملخص المقال

يتناول النص انتحار كورت كوبين، مغني فرقة نيرفانا، وتأثيره على محبيه، وخاصة ابنته. تعبر الكاتبة عن حزنها بسبب موهبة كوبين وكيف أن انتحاره يطرح تساؤلات أخلاقية حول كيفية الحكم على فنانين عانوا من مشاكل نفسية. تشدد على أهمية التمييز بين الفن والأخلاق، وتعتبر أن تجاوزات الفنانين مهمة في السياق الأخلاقي. تؤكد على ضرورة الحذر في دعم الفن الذي ينتجه أولئك الذين ارتكبوا أفعالًا غير أخلاقية، وضرورة التوازن بين تقدير إنجازاتهم وعيوبهم.

أريد أن أنتقل، مع أخذ هذه التعقيدات بعين الاعتبار، إلى نوعٍ مختلف مِن الحالات: وهو الانتحار، مع مثال انتحار كورت كوبين الموسيقي وكاتب الأغاني والمؤدي الرئيسي في فرقة نيرفانا، عام 1994.

انتحر كوبين حين كنت لا أزال طالبةً في الثانوية. لم تكن هذه تجربتي الأولى الجديرة بالذكر الّتي سمعت فيها عن انتحار شخصيّة عامة، لكنها كانت تجربة انتحار شخصيّة مشهورة كنت مِن أشد المعجبين بها. كانت فرقة ""نيرفانا"" بالنسبة إليّ صوت جيلي. فقد كان أعضاؤها الثوّار الّذين أنقذوا الموسيقى مِن حقبة  الالتزام بموسيقى الثمانينيّات. غنّى كوبين عن الأشياء الّتي تهمّني وكانت موسيقاه فنيّة ومُعقَّدة وصاخبة. وقد أحببت موقفه المضاد للثقافة السائدة، وخيارات ملابسه الّتي تجمع بين الجنسيْن، وتقديمه لأغاني الفرق الغامضة بأداءٍ جديد. وأحببت أنه قدّم بديلًا عن قيم الضواحي الخانقة، وعن نفاق المجتمع الّذي نشأت فيه وعن ماديته. ما زلت أحبُّ موسيقاه بعد أكثر مِن عشرين عامًا.

لكن كوبين قتل نفسه، تاركًا ابنته تكبر بلا أب. لا يسعني مجرّد التفكير في الصعوبات الّتي لابد وأنها واجهتها بعد هذا الحادث المؤلم (وقد فقدت أحد والدايّ أنا أيضًا بعد عيد ميلادي الأوّل مباشرةً). أمرٌ يفوق تصوّري كيف استوعبت فرانسيس بين كوبين حزنها وكيف تجاهلت عناوين الأخبار واحتفالات الذكرى السنوية للوفاة المستمرّة حتّى يومنا هذا؛ بيد أنّه يمكنني فهم لماذا زعمت في مقابلة أجرتها مع مجلة ""رولينغ ستون"" أنّها فضلت موسيقى فرقة ""أويسس"" على موسيقى ""نيرفانا""، إذ لا يمكن أن يكون من السهل أن يكبر المرء وهو يسمع كلّ يوم بأنّ والده الذي قتل نفسه كان صوت جيل بأكمله.

أتحدّث أنا وزوجي كثيرًا عن كوبين. فنحن في النهاية، فقدنا أعظم موسيقيّ في جيلنا، أحد محاربي الأيقونات، وشخصٌ لديه الكثير مِن القدرات الموسيقيّة التي لم تُستغَل. في خضم تأمّلاتنا، أدركنا أنّ العديد مِن نجوم الروك الّذين استمتعنا بموسيقاهم في التسعينيّات قد توفّوا، إما عن طريق الانتحار أو جرعات زائدة من المخدرات. ثمّ تساءلنا كيف نحكم من منظور أخلاقي على انتحار كوبين أو انتحار أيّ فنّان مِن الفنّانين العظماء الّذين أحببناهم؟ هل يجب أن نُدينهم على الألم الّذي تسبّبوا به لذويهم وأصدقائهم الذين تركوهم؟

هذا الجانب من الموقف ربما هو الأكثر تعقيدًا مِن الناحية الأخلاقية، بسبب ما ينطوي عليه من مشاكل صحيّة عقليّة. هناك أزمة صحّة نفسية عالميّة بالتأكيد، وما زال فهمنا البسيط لها لا يوفّر لنا القدرة على تقديم المساعدة لأولئك الذين يعانون منها وخصوصًا من المشاهير؛ بعبارة أخرى، لم نتوصّل بعد إلى فهم كيف يمكّننا أن نلقي طوق النجاة لمَن هم في دائرة الضوء. ولا يبدو أيضًا أنّنا توصلنا إلى استجابات مناسبة لمواجهة هذه الأحداث المأساوية. نجد أنفسنا، بدلًا من ذلك،  نعزّز الشهرة والخسارة على حدٍ سواء، من دون فحص علاقتهما ببعضهما البعض، غافلين أن الموت مرتبط بالشُّهرة. لا يمكننا أن نستغلّ حزننا للتظاهر بأنّنا نفهم ما يجري. ولا ينبغي أن نوظّف أحزاننا بطريقة تمجّد الشُّهرة تمجيدًا أكثر، وتتغاضى عن مشاكل أولئك الّذين يصارعون بين فكيْها.

يعيدني ذلك إلى الاقتراح الذي قدّمته بشأن الاحتفاظ بأموالنا بعيدًا عن الفنانين الّذين لا يمكننا دعمهم أخلاقيًّا. لكن مرّة أخرى، في حالات الانتحار، تصبح المشكلة أكثر تعقيدًا؛ فتمجيد الموتى هو موضوع بالغ الحساسية هنا، ويجب التعامل مع الطريقة الّتي نستعيد بها ذكرى حياتهم وموتهم بحذرٍ شديد. ينبغي أن نسأل: «أيّ مرحلة مِن مراحل الإعجاب بشخصيّةٍ ما تتطلّب منّا المزيد من الناحية الأخلاقية؟ وكيف تقارَن هذه الأسئلة، بالإضافة إلى ذلك، بالأسئلة المطروحة على المعجبين والّتي تتعلّق بـإخفاقات الفنّانين الّذين ما زالوا على قيد الحياة ويعملون؟ قد يتساءل شخص ما ""لماذا أنا على استعداد للاستماع إلى نيرفانا، ولكن ليس مشاهدة أحد أفلام وودي آلن؟ أو لماذا أشعر بالاشمئزاز من بيكاسو، بيد أنّني معجبٌ برغبة كوبين في التساؤل عمّا إذا كان يحقّق نجاحًا في بيع إصداراته أم لا؟».

 لم أكن بوضوح لأصبح مِن محبّي كوبين إذا كان مغتصبًا أو مائل جنسيًا إلى الأطفال؛ فلم أكن لأتحمل الاستماع إلى موسيقاه. قادني هذا الأمر إلى استنتاج أنّني أعترض أخلاقيًّا على الاغتصاب والقتل والاستغلال الجنسي للأطفال أكثر ممّا أعترض على الانتحار. أعتقد أنّه مِن المنصف أن نرى تصرّف كوبين مدفوعًا إلى حدٍّ كبير بالألم والعزلة. إذ ينتج  الانتحار غالبًا عن مرضٍ نفسيّ؛ لذلك على الرّغم مِن أنّ الآثار النفسيّة والعاطفيّة على المقرّبين قد تكون مدمّرة تمامًا مثل تلك الناتجة عن أفعال المرء غير الأخلاقية، يجب ألّا نحكم على مثل هذه الحالات وفقًا لمعيار الفظاعة الأخلاقيّة الّذي نتوسّله أيضًا للحكم على جرائم الاعتداء  وغيرها من الشرور.

وقد دفعني هذا التفكير بدوره إلى العودة إلى حركة #أنا_أيضًا (#metoo) وإعادة النظر في الموقف الّذي اتّخذته حين تخّليت عن مشاهدة أفلام وودي آلن، فضلًا عن إعادة التفكير في مواقف أخرى. قد يرجع أيّ تناقض واضح مِن جانبي بشكلٍ جزئي إلى الفارق الطبيعي بين الأحياء والأموات. فآلن ما زال على قيد الحياة، ويمكن أن يواجه الإدانة العلنيّة جرّاء أفعاله، بينما لا يستطيع كوبين ذلك. وتسهل أكثر أيضًا مسامحة شخص ما عندما توضع تجاوزاته في إطار مواجهة واقع طبيعي ملئ بالألم. لكن مسامحة أولئك الذين يبدون غير نادمين على خياراتهم الشخصية - والكثير ممّن كشفتهم حركة #أنا_أيضًا (#metoo) لا يبدون متسمين بالندم عمّا فعلوه، أمرٌ أصعب بكثير.

 

استنتاجات مبدئية

أجد الآن أن الموازنة بين خيارات الفنّانين المهنيّة وخياراتهم الشخصية أمرٌ مضللٌ على المستوى الأخلاقي. 

يؤكّد ما سبق صحّة اختياري لأخلاقيّات الفضيلة. فعندما بكى في مكتبي طالب قُبِض عليه وهو  ينسخ قائلًا: «سيعتقد الجميع أنّني غشاش طول حياتي»!، أكّدت له أنّ فعلاً واحدًا لا يحدّد مسار الحياة؛ كنت أفكّر حينئذٍ في أخلاقيات الفضيلة. نحن لا نرتقي دائمًا إلى الاقتداء بالمثل الفضلى لدينا؛ هذا جزء من الحالة البشريّة، وبالتالي فإنّ موازنة الاختيارات وقياسها في مقابل بعضها بعضًا هو منطق ساذج ومصدر محتمل لسوء فهم الخير الّذي تنطوي عليه الحياة.

أنا لا أقول إنّ خياراتنا بسيطة جدًّا ويمكن تجاهلها بسهولة، ولا أدّعي أنّه لا توجد طريقة للنّظر إلى مجمل الخيارات (وربّما تقييمها). ما أقوله هو أنّه لا يوجد دفتر حسابات، ولا نسخة أخلاقية من قائمة بابا نويل التي تصنّف المشاغبين واللّطفاء، وأضيف أنّ أيّ محاولة للقياس وفق هذه الحسابات، قد تكون مضلّلة إلى حدٍ بعيد. فقد تتجاهل مثل هذه القائمة، على سبيل المثال، النمو الأخلاقي للفرد، أو قد تقلّل أو تبالغ في التأثيرات الّتي تُحدثها بعض السلوكيات والاختيارات. وقد تكون أيضًا هذه القائمة، في بعض الحالات، محاولة للتغاضي عن شوائب معيّنة؛ هذا المثال بحدّ ذاته ساذج. صحيحٌ أنّ حالة واحدة من حالات الغش لا يجب أن تحدّد حياة الطالب بأكملها، إلّا أنّه يجب ألا يُمحى هذا الفعل المشين من سجله؛ بالتّأكيد، هذا الخيار السيّئ الوحيد هو سلوك يمكن للطالب التغلّب عليه: لكن التظاهر بأنّه يمكننا أن نمسح ما فعله من تاريخ هو - بالإضافة إلى أمور أخرى - تجاهلٌ للتحوّلات الإيجابيّة الّتي ربّما يكون الطالب قد أجراها.

إذن، هل تستطيع الإنجازات في الحياة المهنيّة أن تغيّر الخيارات السيّئة في الحياة الفرديّة؟ الإجابة ليست بسهولة نعم أو لا. فالخيانة الزوجية، وسِفاح القربى، والعنصرية، والتحيز الجنسي، والاعتداء الجنسي، والهجر، وما إلى ذلك مِن تصرّفات مهمة. فهي أفعال غير أخلاقيّة، والفنّ العظيم لا يعوّض عن حقيقة حدوثها. هناك أناسٌ عانوا بسبب تلك الأفعال؛ والإعجاب بالفنّ الّذي صنعه الّذين ارتكبوا هذه الأفعال لن يستطيع أن يمحو تأثيراتها السلبيّة أو ما خلّفته مِن ضحايا.

فهل يهمّ ما فعله الفنّان أو ما لم يفعله؟ ماذا عن إخفاقاته الأخلاقيّة؟ نعم! بالطبع! هذه الأشياء مهمّة مِن الناحية الأخلاقية. صحيحٌ أنني أعتقد أنّه من الممكن تقدير الفنّ الّذي يصنعه بعض الحثالة الأخلاقيّين، لكن هذا لأنّ الفنّ والأخلاق ليسا نفس الشيء. ولأنّهما مختلفان، فلا يمكن قياسهما بالطريقة ذاتها؛ لكنني أعتقد أنّنا  نُحدِث ضررًا كبيرًا مِن خلال رفع الفنّانين إلى مرتبة بطوليّة بينما حياتهم غير بطوليّة. إنّ تجاوزاتهم مهمّة في السياق الأخلاقي، وبالتالي فإنّ دعم فنّ الأشخاص الّذين تجدهم يستحقون للتوبيخ والشجب، أمرٌ يصعب تبريره، ولا سيما عندما يدخل المال في المعادلة. يجب أن نكون حذرين ممّا نهواه، وألا نخشى أن نسأل أنفسنا إذا ما كانت الشُّهرة نفسها تستحقّ كلّ التعلق الشديد منا أم لا.

© Dr Jessica Logue 2021

جيسيكا لوغ، أستاذة محاضرة في الفلسفة بجامعة بورتلاند - ولاية أوريغون.

 

مقالات ذات صلة