القائمة الرئيسية

النظريّة المؤسّساتيّة في الفنون

النظريّة المؤسّساتيّة في الفنون
ملخص المقال

المقال الذي كتبه آرثر دانتو بعنوان ""عالم الفن"" عام 1964، أحدث تحولًا كبيرًا في النظرية المؤسّساتية للفن. أثار دانتو تساؤلًا حول الفرق بين أعمال فنية معاصرة مثل ""صناديق بريلو"" لآندي وارهول وأشياء مماثلة لا تعتبر فنًا عند عرضها في أماكن أخرى. وخلص إلى أنَّ ""عالم الفن"" - بما يشمله من نقاد ومعارض ومؤسسات - هو ما يمنح الأشياء مكانتها كفن. هذه النظرية قادت إلى فكرة أن المؤسسات الفنية، وليس الفن بحد ذاته، هي التي تمتلك القدرة على تحويل الأشياء العادية إلى أعمال فنية.

طرح الفلاسفة منذُ عهد أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد السؤال ""ما هو الفن؟"". لكن يبدو أنّ هذا السؤال يعيد طرح ذاته بإلحاح نظرًا إلى التنّوع المذهل في الأعمال والأنشطة الّتي زُعم في القرن العشرين أنّها تتمتّع بحالة ""الفن"".

 

كتب الفيلسوف الأمريكي آرثر دانتو، في مواجهة هذا الموقف، مقالًا كان له تأثير واسع في عام 1964، بعنوان ""عالم الفنّ"". كان هذا المقال أول بيان واضح حول ""النظرية المؤسّساتيّة"" في الفن، الّتي طوّرها لاحقًا جورج ديكي وآخرون. كان دانتو فيلسوفًا مختلفًا عن فلاسفة الفنّ، من حيث اهتمامه بالفنّ المعاصر؛ فقد كان زائرًا منتظمًا لصالات العرض، وقد كتبَ عددًا من المراجعات في المجلّات الفنية بالإضافة إلى نقده الفلسفي. كان الحافز الجزئي وراء مقاله، مشاهدته العرض الفني لآندي وارهول في ذلك العام في ""معرض الإسطبل"" في نيويورك، الذي كان العرض العلني الأول لعمله ""صناديق بريلّو"" (Brillo Box)، الذي أصبح الآن من بين القطع الأكثر شهرة في فن البوب الأمريكي.

طرح دانتو هذا السؤال الواضح: ما هو الفرق بين هذه ""الأعمال الفنيّة"" لآندي وارهول  وكومة مماثلة من الصناديق في مخزن السوبر ماركت الّتي لن تُعتَبر،  بشكلٍ عام، أعمالًا فنيّة؟  وجادل بأنّ ""عالَم الفنّ"" المحيط بنا، الّذي يشتمل على النقّاد والمعارض وجامعي المقتنيات الأثريّة والمقالات والمناقشات وما إلى ذلك، هو ما يتمتّع بالقدرة السِّحرية على تحويل الأشياء غير الفنيّة إلى أعمالٍ فنيّة.

 

سأعود إلى مناقشة بعض الثغرات في هذه النظريّة. لكن سأسلّط الضوء أولاً على النتائج المحتملة لهذه النظريّة الموثّرة في التفكير. ليس من المستغرب أن يشعر منسّقو المعارض الفنيّة، تحديدًا، بالاطراء من كون قراراتهم تتمتّع بهذه القوّة التأثيريّة الكبيرة. إذ يبدو الأمر كما لو كانوا هم أصحاب العمل الفنّي الإبداعي، وليس الفنّانين أنفسهم. لقد شكّلت النظرية المؤسّساتيّة بالفعل انعكاسًا للتفسيرات السابقة الّتي توضّح ما يجعل شيئًا ما عملاً فنيًا. فالمؤسسات التي يمثلها المعرض تمثيلاً بارزًا هي التي تمنح الشيء مكانته الفنية، بدلًا من الخصائص الجوهريّة الذاتية الّتي تحدّد الشيء باعتباره عملاً فنيًا يوضَع بتوقير في داخل معرضٍ ما مما سنتناوله فيما بعد. يبدو كما لو أنّ مجرّد عرض شيء ما في معرض، يرفعه فورًا إلى عالم الفنّ.

  

إن فكرة القوة التحويليّة الكبرى للمعرض هذه قد أثّرت فيما يبدو في تصميم العديد من المعارض الفنيّة الجديدة الرائعة الّتي افتُتِحت في العقود الأخيرة. ويعد متحف ""تايت موديرن"" (Tate Modern) في لندن، الّذي افتُتِح في مايو عام 2000 للترحيب بالألفية الجديدة من بين هذه المعارض. فهو المعرض الأروع على الإطلاق، كاتدرائيّة حقيقيّة بين المعارض الفنيّة، تحفةٌ صارت الرمز المنتصر لمكانة الفنّ المعاصر في العالَم الحديث.

 

إن الدخول إلى هذا المتحف، أكبر مبنىً في العالَم مُخصَّص للفنّ الحديث والمعاصر، تجربةٌ مربكةٌ. إذ يجد المرء نفسه، بمجرد المرور عبر الأبواب، في مساحة شاسعة كانت في الأصل قاعة التوربينات لمحطّة الطاقة المُحوّلة هذه. لقد أُزيلت الآلات، ولَم تتبق سوى مساحة فارغة؛ مِن الواضح أنّ الهدف  من ذلك هو إثارة الرهبة في قلب الزائر. ولا توجد، رغم ذلك، أعمال فنيّة فعليّة معروضة في هذه المساحة، إلّا في أوقاتٍ معيّنة، حين يُطلب خصيصًا مِن بعض الفنّانين عرض أعمال فنية ضخمة مناسبة. ويتعيّن على المرء، للوصول إلى أيّ عمل فنيّ فعليّ، أن يقطع نصف طول هذه المساحة الشاسعة، ويمرّ عبر بابيْن آخرين ، ويصعد في سلمٍ متحرك طابقيْن لأعلى، ثم يعبر بهوًا آخر، ويدخل عبر مجموعة أخرى مِن الأبواب. قد يجد المرء نفسه بعد ذلك ينظر إلى منحوتة أو لوحة، كما لو أنّ المساحة المُطلَقة للمبنى لها الأسبقيّة على أيّ شيء قد يُعرَض داخله.

 

 سيكون هذا متوافقًا تمامًا مع النظريّة المؤسّساتية القائلة بأن  المعرض نفسه هو الذي  لديه ""القدرة الإشعاعية"" لتحويل أيّ شيء بداخله إلى فنّ. إذ يمنح هذا الموقف صلاحيّة شخصيّة خاصة لمدير متحف ""تايت"" بأن يقرّر ما يجب اعتباره فنًّا، فهو يتحمّل المسؤوليّة الكاملة عمّا يختار عرضه. شغل هذا المنصب نيكولاس سيروتا من عام 1988 إلى عام 2017. وأشرف في عهده على إعادة بناء مبنى ""تايت مودرن"" وافتتاحه أمام الزوّار.

 

كانت هذه أيضًا الفترة الّتي حقّق فيها الفنّ المفاهيميّ حضورًا مهيمنًا على المستوى الدوليّ؛ إحدى علامات ذلك، بروزه في القوائم المختصرة لنيل جائزة ""تيرنر"" السّنويّة للفن البريطانيّ - الّتي ينظّمها معرض تايت ومديره باعتباره العضو الدائم الوحيد في لجنة التحكيم. لطالما جذبت هذه الجائزة اهتمام الصحافة البريطانية اهتمامًا كبيرًا غالبًا ما يبعث على السخرية و كثيرًا ما يكون على غير دراية، مما أثّر بشكلٍ كبير في تصوّر الجمهور للفنّ المعاصر. حظى المعرض السّنوي (السابق) لجائزة ""تيرنر"" المخصَّص للفنّانين المدرَجين على قائمة التصفية بالشعبية دائمًا رغم ذلك، حيث جذب بعض أكبر الحشود من زوّار تايت كلّ عام.

 

وإذ نعود إلى الماضي، يمكننا على الأرجح تأريخ أقصى نجاح للفن المفاهيمي إلى عام 2001، عندما فاز مارتن كريد بجائزة ""تيرنر"" عن التجهيز الّذي أعَّده الّذي يحمل العنوان الآتي ""مصابيح تضئ وتنطفئ"" (The Lights Going On and Off). يتكوّن العمل من غرفة فارغة في المعرض الفني، حيث تضيئ الأنوار وتنطفئ بالفعل، كلّ خمس ثوانٍ. هذا كان عمله الفنّي الإبداعي لا أكثر ! أصبحت جائزة ""تيرنر"" عصريةً جدًا في العام نفسه لدرجة أنّ حفل توزيع الجوائز كان برعاية الفنّانة ""مادونا"". يثير ذلك بالتأكيد الأفكار حول إذا ما  كان من السّهل جدًا اعتبار مشاركة مادونا ذات قيمة جماليّة أكبر من عمل مارتن كريد. فما هي الطريقة الأفضل من الناحية الفنيّة لقضاء ثلاث دقائق مِن وقتك؟ مشاهدة أضواء مارتن كريد وهي تضئ وتنطفئ أم الاستماع إلى أغنية مادونا ""Like a Virgin""؟ يبدو أنّ الانفصال بين ما يسمّى بالفنون ""الجميلة"" والفنون ""الشعبيّة"" قد وصل إلى نقطة باتت فيها الفنون الشعبية تدعم كلّ الصفات الجماليّة تقريبًا.

 

إن كلمة ""جماليّة"" (aesthetic)، في الواقع كما هي مُستخدَمة في الفلسفة، لم يكن لها في الأصل أيّ صِلة بالفنّ على الإطلاق؛ وهي مشتقّة من الكلمة اليونانية القديمة الّتي تعني ""إحساس""، وتشير تحديدًا إلى ما يُدرَك مِن خلال الحواس. وقد استُخدِمت بهذا المعنى لما قبل الاستخدام الفنّي من خلال إيمانويل كانط، على سبيل المثال، الذي استخدمها في كتابه ""نقد العقل المحض"" (1781). ولكنه عدَّل معنى ""الجمالية"" عندما ألف كتابه ""نقد ملكة الحكم"" (1790)، لتعني حكمًا على الجمال  على الرّغم مِن أنّ الصفة ليست مقصورة على الفنّ.

 

يكشف تاريخ هذه المفردة كيف كان يُعتقد تقليديًا أنّ الصفات ""الجمالية"" المُحدِّدة للعمل الفنّي (أي صفاته ""الفنية"" البحتة، في مقابل صفاته الأخلاقية أو التعليمية) تكمن في صفات العمل الحسيّة. لقد بدا أخيرًا أنّ الفنون الجميلة، مع هيمنة الفنّ المفاهيمي، قد انفصلت تمامًا عن المجال الحسّي، تاركةً تلك المنطقة الشاسعة والجذّابة مفتوحة للفنون الشعبيّة لتشغلها. لقد تمكَّن مارتن كريد من تقليص أعماله إلى مجرد أفكار لا تستدعي بالضرورة أن تدخل حيّز التطبيق، بما أنّ مادونا – التي لم تكن لتُعتبَر مؤهّلة لتقديم جائزة الفنّ الكبرى في بريطانيا – قد صاغت بمهارة  ثراء الصوت والصورة في مقاطع فيديو موسيقيّة مذهلة. يبحث أغلبنا اليوم حقًا في مجالات مثل الأفلام والموسيقى للتمتّع بهذه البهجة الجمالية، بينما أصبح الذهاب إلى صالات العرض الفنيّة المعاصرة، على النقيض من ذلك، ممارسةً فرديّة إلى حدٍّ ما.

 

التحوّل إلى الفنّ الاجتماعيّ

كان الفن المعاصر الذي روَّج له معرض تايت مودرن قد تطهَّر تمامًا من أي صفات حسية مشتتة للانتباه في الوقت الذي تنحّى فيه نيكولاس سيروتا عن إدارة  المعرض في عام 2017 - كما كان الحال في المعارض الفنيّة الحديثة الكبرى في جميع أنحاء العالم. نتج عن ذلك ما يمكن أن نطلق عليه «فنًّا بدون جماليّات». لكن اشتكى الكثيرون من وجود جوّ من الفراغ في هذه الأعمال؛ فعادةً ما تكون ""المفاهيم"" الّتي يقدّمها الفنّ المفاهيمي غير مثيرة جدًا للاهتمام، إذ يمكن أن يجد المرء بسهولة مفاهيم أكثر جديّة وأهميّة في مجال آخر - في الفيزياء الحديثة، مثلًا أو حتّى في الفلسفة. أصبح الفنّ فارغًا - ترمز الميزة الرئيسية بمتحف ""تايت موديرن"" إلى هذا الفراغ جيدًا من خلال المساحات الفارغة الّتي يقدمها لتمنح أيّ عمل كان تقريبًا منزلة الفنون. ليس عجبًا لذلك أن يتزاحم المرشّحون على ملء تلك الأماكن الّتي تمّ إخلاؤها، حيث كان المرء يتذوّق سابقًا ما هو ""جماليٌّ"" حقًّا. وسرعان ما بدأت خليفة سيروتا، ماريا بالشو بالانطلاق في هذا المشروع.

 

سألتها صحيفة إيفنينغ ستاندرد بلندن حين تولّت منصبها عمّا تعتبره أهمّ  وظيفة سيؤدّيها المعرض. كانت إجابتها: «أن يسمح بالتعلم الاجتماعي والتفاعل مع طبيعة البلد الّذي نريد العيش فيه» (4 يوليو 2017).

 

المثير للانتباه في هذا البيان هو أنّه، إن عُزِل عن سياقه، فلن يكون لدى المرء أدنى فكرة عن أنّ بالشو كانت تتحدث عن معرض فنيّ؛ إذ يمكن أن يصلح كلامها لهدف أيّة منظّمة رسمية. واستخدام اللّهجة الرسمية الذي قدمته في العبارة الأولى: «أن يسمح» للأشخاص يشير إلى أنه من صلاحيات هذا المعرض أن يمنع عن الأشخاص هذا التعلم الاجتماعي والتفاعل، إن اختار ذلك؛ ولكن ربّما الأهم من ذلك، أنّ الفنّ بات يُنظر إليه على أّنه مقترن بوظيفة مُحدّدة «التعلم الاجتماعي» (Social Learning)، الّتي لا علاقة لها بالجماليّات، كما يعني المفهوم التقليديّ. كان المعنى الضمني هو أنّ ""تايت موديرن"" كمؤسسة رائدة تقرر ما يجب اعتباره فنًّا، ستُصدِر الآن أحكامها بشأن ما يجب الاعتراف به كفنّ  على أساس التأثيرات المتوقّعة للأعمال الفنيّة لدى المشاهدين، وليس على أساس أيّ صفات قد تكون متأصّلة في العمل الفنّي بعينه. يملك الفن تبعًا لهذا المفهوم وظيفة اجتماعيّة، ولا يملك سواها.

 

أشارت إحدى المقالات المنشورة في الإصدار الصيفي لعام 2020 من مجلة تايت ""Tate Ect""، في إطار هذه التحوّلات، إلى الأعمال الناتجة بوصفها «فنّ الممارسة الاجتماعية» أو «الفنّ المشترك اجتماعيًّا». سأستخدم التعبير الأبسط «الفنّ الاجتماعي». إذ تنتمي معظم التجهيزات الّتي تبنّاها معرض ""تايت""، في أثناء فترة إدارة بالشو إلى هذا التوصيف.

يعدّ معرض ""Year 3"" الّذي أعدّه الفنّان ستيف ماكوين الحائز على جائزة تيرنر، نموذجًا تمثيليًّا عمّا أسميته «الفنّ الاجتماعي». عُرض العمل في مبنى تايت القديم ""Tate Britain"" (وهو المبنى الأقدم بين مبنيّي تايت) في لندن، من نوفمبر 2019 إلى يناير 2021 (مع انقطاع بسبب جائحة كوفيد-19). لم يفعل ستيف ماكوين، تمامًا مثل العديد من الفنّانين المفاهميّين، سوى اقتراح الفكرة أمّا التطبيق فقد نُفِّذ من خلال فريق مِن الأشخاص الموظّفين مِن قبل المعرض.

 

كانت فكرة ماكوين هي التقاط صورة فوتوغرافية، بتنسيقٍ متطابقٍ تمامًا  لطلّاب العام الثالث (أي الأطفال الذين تبلغ أعمارهم سبع سنوات) في كل مدرسة في لندن. وافقت 70٪ من مدارس لندن على المشاركة. كان العمل يقتصر على تثبيت مئات الصور- التي تشبه الصور الرسمية للصفوف التي تلتقطها العديد من المدارس كل عام -  في إطارات وتعليقها من الأرضية وحتى السقف، على جدران معرض ""دوڤين"" (Duveen) الضخم في وسط المبنى. يبدو أنّ ترتيب الصور الفوتوغرافية لم يتبع مخططًا محددًا، ولم يشرف عليه ماكوين نفسه. فقد نرى أيّ أنماط ترتيبيّة، لنقل مثلًا الفئات المختلفة الّتي ترتدي زيًا متشابهًا في اللّون، قد وضعت هكذا بشكلٍ عشوائيّ تمامًا. ووُجِّهت دعوة لكلّ فصل شارك في العمل لزيارة المعرض مع معلّميهم، كجزءٍ مكمّل من المشروع، في أوقات مخصّصة لهم، حتّى يتمكنوا من البحث عن صورهم وسط المئات من الصور المعلّقة على الجدران. أعربت ماريا بالشو عن رأيها بهذا العمل، قائلةً: «قد يكون هذا العمل الفني الأكثر إلهامًا مِن بين الأعمال الّتي عرضناها في تايت بريتن""  ( إيفنينغ ستاندارد، 18 سبتمبر 2018). قالت المنسّقة كاري واليس في صدد شرحها للغرض المقصود من العمل،  إنّ طموحها هو «أن يثبت المعرض عقلية لدى طلّاب المدارس مفادها بأنّهم يستطيعون المضيّ قدمًا في تحقيق ما يريدون» ( إيفنينغ ستاندارد، 15 نوفمبر 2019).

يا له مِن إعلانٍ مفيد للغاية! يهدف هذا العمل الفنّي إلى تثبيت فكرة في أذهان المشاهدين الأطفال، كما لو كان أحدهم يُحمِّل برنامجًا ما في أدمغتهم. وهذا اعتراف إلى حدٍ كبير بأنّ الغرض من هذا النوع الحديث من الفنّ هو الدعاية ولكنها دعاية من النوع العصريّ؛ والفكرة الّتي يرغبون في الترويج لها ها هنا هي: «يمكنك تحقيق ما تريد»، عبارة شهيرة تشتهر بكونها غير صحيحة تمامًا. إذ لا يمكن أن نغفل أنّ العديد من العوامل، ولا سيّما تلك المتعلّقة بالطبقة الاجتماعية والعقبات في مجرى الحياة، يمكن أن تمنع بسهولة معظم الناس من تحقيق ما يريدون.

 

لماذا إذن ترغب هذه المؤسسة الّتي تموّلها الحكومات في ترسيخ فكرة خاطئة في عقول الأطفال؟ أبسط إجابة هي: هذا ما تفعله المؤسّسات الحكومية على نحوٍ نموذجي. فالمؤسّسات الحكومية هي ما أطلق عليه الفيلسوف الماركسي الفرنسي لوي ألتوسير (1918-1990) «أجهزة الدولة الأيديولوجيّة» (انظر مقالته بهذا العنوان في مجموعة لينين والفلسفة).

 

تشير كلمة ""أيديولوجيا"" عادةً إلى أيّ مجموعة من المعتقدات والنظريّات الّتي يتبنّاها فردٌ مُعيّن، دون أن ينطوي ذلك على أيّ حكم بحقيقة تلك المعتقدات أو غير ذلك من الأحكام. نشير بهذا المعنى إلى «أيديولوجيّة مسيحيّة» أو «أيديولوجية ماركسيّة». لكن استخدام ألتوسير للكلمة مختلف، إذ يعرِّف الأيديولوجية في «أجهزة الدولة الأيديولوجيّة» على أنّها «علاقتنا الخياليّة مع ظروف وجودنا الحقيقيّة».  إنّ الأيديولوجيا بهذا المعنى ليست أبدًا تفسيرًا دقيقًا لظروفنا، إنمّا هي على العكس شيءٌ يحجب أيّ تفسير من هذا القبيل عن طريق تأويل خاطئ للظروف. وهذا التأويل الخاطئ، بالنسبة إلى ألتوسير، هو الوظيفة الّتي تؤديها الأيديولوجيا في المجتمع. إذ تعد الرسالة المقصودة والخاطئة في نفس الوقت في عمل ""تايت"" مثالاً عن الأيديولوجيا بحسب هذا المعنى. وإقناع المرء عن طريق تثبيت فكرة أنّه يمكنه تحقيق أيّ شيء يريده في ذهنه، يحجب عن وعيه العوامل العديدة الّتي تمنع هذه الفكرة من أن تتحقّق. هذا هو دور أجهزة الدولة الأيديولوجيّة، بحسب ألتوسير، مِن وراء المعارض الفنيّة المموّلة من القطاع العام.

 

الدعايا المُضمَنة اجتماعيًّا

 

تتضمّن كلّ أمثلة الفنّ الاجتماعيّ تقريبًا نشاطًا تشاركيًّا من خلال المشاهد، مما يُعتبَر جزء من العمل وليس خارجًا عنه. يضطلع الأطفال بهذا الدور في حالة ""Year 3""من خلال اتخاذ وضعية للتصوير ومن ثمّ الزيارة اللاحقة للمعرض للعثور على صورهم المُعلّقة على الحائط. يتموضع كلّ طفل لالتقاط الصورة، كما لو أنّه يعلن « هذا أنا!»، ثم يجد صورته لاحقًا معلّقة على حائط المعرض، فيردّد ضمنيًّا هذه العبارة («هذا أنا!»). إن تقديم الذات مُقيّد للغاية («قف في هذا الصف! أنطر إلى الكاميرا!»)، ويؤكَّد هذا التقديم بعد ذلك من خلال الصورة الفوتوغرافيّة («هذا أنت! هذا هو المكان الّذي تنتمي إليه، أنت في ذلك الفصل هناك!»). ما تقدّم يعد عرضًا بيانيًا تقريبًا لما يسمّيه ألتوسير «الاستجواب»؛ يشير مفهوم ""الاستجواب"" إلى العمليّات العامّة الّتي يوضَع كلّ فرد بموجبها في مكانٍ محدّد داخل المجتمع ويُدفَع إلى قبول هذا الوضع. يدعي ألتوسير أن ذلك هو أحد الوظائف الرئيسة للأيديولوجيا. إذ يجب، من وجهة نظره، أن يكون دور التحليل السياسي هو الكشف عن هياكل المجتمع الّتي تغطيها الأيديولوجيا وتعطي صورة خاطئة عنها، مما يحد بالتالي  من الاستجوابات التي نخضع لها جميعًا. 

 

كان لهذه الأفكار تأثيرٌ كبيرٌ على الفنّانين السياسيّين الراديكاليّين في السبعينيّات من القرن الماضي. يملك الفنّ الاجتماعيّ، كما نشهد اليوم،  هدفًا معاكسًا تمامًا، الأمر الّذي يعزّز استجوابات المشاهد في المجال الاجتماعي. مما يثير الدهشة لذلك أنّ العديد من مشاهديYear 3  ادّعوا أنّه كان عملًا تقدميًّا سياسيًّا! وأشار كثيرون منهم إلى التنوّع العرقي الكبير للأطفال في الصور الفوتوغرافية؛ وهذه حقيقة لن تكون مفاجأة بالتّأكيد لأي شخص يعيش في لندن. فكان يُنظر إلى المعرض، بالتالي، على أنّه تعبيرٌ مناهضٌ للعنصريّة. لكنّ القول بأنّ «العنصرية شيء سيء» لم يعد بيانًا مثيرًا للجدل، حتى لو، لسوء الحظّ، لم نتوصّل إلى إدراك ذلك بشكلٍ جماعيّ على نحوٍ كاملٍ بعد؛ فلازال هناك الكثير من العنصريّين في كلّ مكان. بيد أنّهم بشكلٍ عام، ليسوا من الأشخاص الّذين من المحتمل أن يزوروا المعارض الفنية العامّة مثل معرض ""تايت"". إحدى سمات الفن الاجتماعي المهمة أيضًا هي أنّ رسائله غالبًا ما تبدو قابلة لأن يُعبَّر عنها في أشكالٍ متنوّعة من التعبيرات غير المثيرة للجدل كأن نقول «العنصريّة أمرٌ سيّئ»، ورغم ذلك فإن إحدى الصفات التي غالبًا ما تُستخدَم لهذه الأعمال هي كونها ""مثيرة للتحدي"". لكن الأشخاص الذين تتحداهم هذه الأعمال لن يحضروا إلى تلك المعارض، وسيكتفى بقيتنا فحسب بتعزيز وجهات نظرنا الحالية. يتجاهل هذا العمل التقسيم العنصريّ، بدلاً من انتقاد العنصرية في مجتمعنا. إذ تُعرَض صور للأطفال من جميع الأعراق  مُوزّعين في أماكن متساوية بجميع مجموعاتهم المدرسية، ومن الواضح أنّ هذه هي الطريقة الّتي يجب أن تكون عليها الأمور. لكن يعني ذلك أنّ حقائق الانقسام العرقي يجري حجبها، وهذا الحجب يسم العمل الفنّي كعمل أيديولوجيّ، يحسب منظور ألتوسير، مما يبرز كيف يمكن للفنّ الاجتماعيّ أن يكون شكلاً من أشكال الدعاية المدعومة رسميًّا.

 

عندما نعطي رأيًا مفاده أن شيئًا ما «ليس فنًّا حقًا»، فمن المنطقي أنّ نحدّد في هذه الحالة ما طبيعة هذا العمل. يصعب بشكلٍ يثير الدهشة، في إطار الفنّ المفاهيمي، التفكير في إجابة واضحة عن هذا السؤال؛ ولكن فيما أسميناه ""الفنّ الاجتماعي""، فستبدو ""الدعايا"" جوابًا معقولًا.

 

المراوغة البارعة

 

إذا كانت النظرية المؤسّساتيّة في الفنّ صحيحةً، فإنّ أيّ شيء يعرضه معرض ""تايت"" على أنه فن يجب أن يكون فنًّا، بحكم التعريف. لكن حقيقة أنه يمكننا التشكيك في ذلك، تدلّ على وجود ثغرة في النظريّة المؤسّساتيّة.

 

إن آرثر دانتو عندما قرر أنّ المعرض ذاته هو الّذي حوَّل صناديق بريلّو لوارهول إلى فن قد أهمل العديد من الخصائص الأخرى الّتي تميّز هذه الصناديق عن نظائرها في السوبر ماركت. أحد الأسباب هو أن صناديق وارهول كانت مصنوعةً من الخشب الرقائقي، وليس من الورق المقوّى، ما يجعلها أكثر صلابةً وتدوم لوقتٍ طويل. السبب الآخر هو أنها لا تحتوي على فتحات فعليّة، ولا يمكنك أن تضع بها أيّ شيء. إنّها، في الواقع، ليست صناديق على الإطلاق، بل مجرّد ""لوحة لفراش"" نسخة عن الفراش الحقيقي (كما أشار أفلاطون في فنّ المحاكاة  منذ زمن طويل)  إنّها تمثيل للصناديق وليس لها أيّ استخدام نفعي. كلّ ما يمكن  للمرء أن يفعله هو النّظر إليها، وتبني هذا الموقف التأمّلي الّذي كان يُفضي في السابق إلى التقدير الجمالي للعمل. أما الفن الاجتماعي فيتطلب منّا المشاركة، وليس التأمّل، الاشتباك وليس الانفصال؛ إذ ينطوي على هدفٍ نفعي ألا وهو حثّ مواقف معيّنة في ذهن المشاهد.

 

 لا يُمنَع أحد، لحسن الحظّ، من إنتاج أنواع أخرى من الفنون، على الرّغم من أنّه ربّما لن يتلقّى الدعم من مؤسّسات ""تايت"". إننا نعيش، في الواقع، في عصر الإنتاج الفنيّ الغنيّ للغاية، رغم أنّ معظم هذا الإنتاج لا يُعرَض في المعارض الفنيّة. صحيحٌ أنّ ""الفنون الجميلة"" المُعتمَدة رسميًا قد أزيلت جميع جوانبها الجماليّة -  إذ احتُفِظ في بادئ الأمر بالمفهوم فحسب والآن يُحتفَظ بالأيديولوجيا فحسب - ولكن ليس من الصعب العثور على تجارب جماليّة مبهجة: فهذه التجارب على بُعد نقرة واحدة على ""يوتيوب""!

 

يمكن اعتبار هذا الاجتماع الغريب للعوالَم بين مارتن كريد ومادونا في عام 2001 لحظةً رمزيّةً. فقد بدأت معارض الفنون بالفعل تفقد أهميتها الجماليّة، في حين كانت صناعة الفيديوهات الموسيقيّة في ازدهار حتى أصبحت إحدى الأشكال الرئيسة للتعبير الفنّي اليوم؛ وعندما سيُكتب تاريخ الفنّ في القرن الحادي والعشرين، فستكون أبرز الأعلام الّذين سيذكرهم هذا التاريخ أشخاص مثل بيلي إيليش، ولانا دل راي، وإف كيه إيه تويغز بدلًا من الفائزين بجائزة ""تيرنر"".

الفنّ يحيط بنا بالكامل، ولكنّه نادر الوجود في المعارض الفنيّة!

© Peter Benson 2021

 

يعيش بيتر بنسون ويعمل في لندن. اعتاد أن يكون زائرًا منتظمًا للمعارض الفنيّة في العاصمة، قبل أن تغلق أبوابها بسبب الجائحة.

 

مقالات ذات صلة